التطبيع.. آثارٌ كارثية على المصالح العربية
كان الجيل الأول من حكام المنظومات الوراثية، يحافظون على الحد الأدنى من التمسك بهويتهم الدينية والثقافية والقومية، وكانوا يزاوجون بين التمسُّك بهويته الذاتية التي هي سرُّ إثبات وجودهم وكينونتهم بين الشعوب والأمم، وبين مصالحهم السياسية التي تحفظ عروشهم من الزوال بسبب دواعي التآمر الخارجي أو الثورات الشعبية، وهي الدواعي التي تحرّكها عوامل التاريخ وطبيعة التغيير التي تستلزمها ديناميكية الحياة الإنسانية، وهذه المزاوجة هي التي جعلتهم يجمعون بين التمسك بالرموز الهوياتية، والتحالف مع القوى الخارجية المؤثرة، وهي القوى التي انحازت لها الدورة التاريخية، وجعلها تهيمن على عصب المال والسياسة والقوة العسكرية، والمنظمات الدولية المؤثرة في السياسة الدولية.
كانت الجامعة العربية، محفلا يجتمع فيه القادة العرب، بملوكهم وأمرائهم ورؤسائهم، ويتخذون القرارات التي كان فيها شيء من الجد والصرامة، والشعور بالوعي والمخاطر التي كانت تحاك على وجودهم، وهوياتهم الدينية والثقافية السياسية، ما كان يجعلهم يحافظون على الوحدة القومية والتماسك الجمعي فيما بينهم، فكانوا يوحدون كلمتهم ويرصون صفوفهم في إطار وحدتهم القومية، وإن اختلفت نظم الحكم في بلدانهم، بين وراثيين وجمهوريين، وكانت البيانات الختامية لقممهم، متوحِدة في طرح وجهات نظرهم السياسية المناهضة للمظالم الصهيوغربية، ولو بالإدانة والشجب والاستنكار.
وكانوا من قبل في حرب 73 مع الكيان، قد اجتمعت كلمتهم على المقاطعة الاقتصادية، بمنع تصدير مواد الطاقة إلى البلدان المناصرة للكيان، وقد نجحوا في ذلك إلى حد كبير، وفرضوا أنفسهم كقادة وزعماء عن دولهم وشعوبهم وقضايا أمتهم المظلومة، أمام الغطرسة والطغيان الغربي بقيادة الولايات المتحدة، مع أنهم كانوا في تلك الفترة، في فترة ضعف اقتصادي ومالي وعسكري، بسبب خروجهم القريب من دوائر الاستعمار الغربي الصهيوصليبي، الذي تسلّط على بلدانهم لزمن غير يسير.
ولما كان القادة العرب من الجيل الأول، متشبِّعين بروح الانتماء إلى هوياتهم الثقافية والقومية، ويمتلكون كاريزما رجال الدولة، كانوا لا يُظهرون خلافاتهم ووجهات نظرهم المتباينة في قمم الجامعة العربية إلى شعوبهم، حتى لا يظهروا أمامهم بمظهر الضعف والتفرُّق والمخاصمة فيما بينهم، والعاجزين عن الدفاع عن قضاياهم العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وكانت هذه السياسة المتوازنة حكيمة ورشيدة، لأنها وازنت بين المصالح المحلية والقومية والدولية، لذلك كانت تخيف الكيان وتكبح جماحه وغروره وأطماعه التلمودية، وقد قضت هذه السياسة السليمة، على أحلام مشروعه التوسُّعي على حساب بلدان الجوار، بما ظل يردده في خطابه السياسي والأيديولوجي من أنها أراضٍ توراتية، على نحو ما أصبح يعلنه اليوم جهارا نهارا، ومن غير خوف ولا وجل ولا حياء، وأصبح ينفذه على أرض الواقع بقوة السلاح، والدعم الغربي المباشر وغير المسبوق، وقد صرّح النتن ياهو أما العالم بأنه اغتنم الفرصة النادرة، لتفرقة زعماء العرب وخيانتهم وخذلانهم لقضاياهم وشعوبهم، وحقق مشروعه التوراتي بالسيطرة المطلقة على منطقة الشرق الأوسط، حسب ما خطط له في مشروعه الصهيوني.
والغرب يوم أن كان الجيل الأول من القادة العرب، متماسكين ومتوحدين في اتخاذ قراراتهم السياسية ولو شكليا، كان يتحفّظ ويحتاط في قراراته ومواقفه بخصوص القضية الفلسطينية، وكان يراوغ ويداهن وينافق ويمسك العصا من الوسط، كيما لا يغضب حلفاءه من القادة العرب، وبفضل تلك السياسة التي كان فيها شيءٌ من التوازن والحكمة، كانت الأمور تسير وفق قرارات الشرعية الدولية، ولذلك سمحوا باتفاقيات أوسلو وأمريكا ومدريد، وتأسست السلطة الفلسطينية، كنواة أولى لتشكيل الدولة الفلسطينية في مراحل لاحقة، وكادت تصل هذه السياسة إلى تحقيق الدولة الفلسطينية في عهد رابين، وكان زعماء الكيان مبتهجين بتحقيق هذا النصر السياسي الكبير، الذي جعل العرب يعترفون بالوجود الأبدي لإسرائيل في بلادهم، وكانوا من قبل رافضين رفضا قاطعا لوجودها بأيّ شكل من الأشكال، وخاضوا معها ثلاثة حروب كبيرة.
الأثر الكارثي على مستقبل الأمة:
بعد رحيل الجيل الأول –رحمهم الله- ممن تعلموا في مدارسهم الوطنية، وبلغتهم القومية، وتأثروا بتراثهم الديني والثقافي، وحققوا به شيئا من التوازن السياسي والاستراتيجي، وخلفهم الجيل الثاني من أبنائهم، أو من تشكيلة النظم الجمهورية، ممن تعلموا في المدارس الغربية بلغات الغرب، وتشرّبوا قيمه وتشبّعوا بحب لغاته وثقافته وتاريخه وحضارته، روحا وعقلا ووجدانا وسلوكا، وأصبح ولاؤُهم أعمى للغرب والصهيونية، لكونهما ينبعان من مشكاة واحدة، ويسعيان إلى بلوغ غاية القضاء على اللحمة العربية، والاستيلاء على بلدانهم بلدا بعد بلد، كلما أتيحت الفرصة والظروف، على نحو ما نشاهده بمرارة اليوم، حتى تغيرت الأحوال، إذ أصبح هذا الخلف الذي تولى زمام بلدانه، يتسابق وبفخر كبير إلى التحلّل من هويته الدينية والثقافية، ويتخلى عن مناصرة قضايا أمته.
دولة خليجية مطبِّعة، تشتري منازل المقدسيين بأموال ضخمة للإغراء على البيع ثم تهديها للكيان، وهذه الدولة نفسها بمشاركة بعض من يتحفظون ممن يجاورها، أوغروا صدور القادة الغربيين على الإسلام والمسلمين المقيمين في بلدانهم، وحرّضوهم على غلق المساجد وتقليص نشاط المعارضين لحكامهم، أو سجنهم أو تهجيرهم إلى أقاصي الأرض، في الجزر النائية بالمحيطات الكبرى.
ويعلن ولاءه المقيت للصهيوغربية، ويصبح عينا للعدو ينقل له المعلومات الاستخباراتية، المتصلة بالناشطين والمعارضين من أبناء شعبه وأمته، على نحو ما تفعله الدول المطبِّعة، في تقديم المعلومات الاستخباراتية المتصلة بالنشاط الثوري للمقاومة الفلسطينية، تقدِّمها للكيان والغرب كيما يقصفون مواقعهم بالقنابل الغربية الخارقة للتحصينات، مثلما فعلوه في غزة ولبنان واليمن، وبعضهم ساهم بتقديم أفراد من رجال الاستخبارات والكوماندوس للعدو الصهيوني، زرعوهم في غزة ولبنان واليمن والعراق، ليكونوا عيونا ومحاربين ضد إخوانهم، والأغرب من ذلك وأنكى على النفس أن دولة خليجية مطبِّعة، تشتري منازل المقدسيين بأموال ضخمة للإغراء على البيع ثم تهديها للكيان، وهذه الدولة نفسها بمشاركة بعض من يتحفظون ممن يجاورها، أوغروا صدور القادة الغربيين على الإسلام والمسلمين المقيمين في بلدانهم، وحرّضوهم على غلق المساجد وتقليص نشاط المعارضين لحكامهم، أو سجنهم أو تهجيرهم إلى أقاصي الأرض، في الجزر النائية بالمحيطات الكبرى.
وفي حرب غزة فتحوا موانئهم، لاستقبال السفن المشحونة بالأسلحة الفتّاكة، لتمريرها إلى الكيان عبر بلدانهم، هروبا من ضربات الحوثيين في البحر الأحمر، وهم اليوم يتآمرون مع الكيان والغرب لتقويض الثورة السورية، وغرس الفتنة بين أبناء الشعب السوري حتى لا تقوم لهم دولة، وأنا أحدس أنهم هم من حرّضوا الكيان على تدمير أسلحة السوريين حتى لا تبقى في أيدي الثوار، وهم من حرّضوه على احتلال أجزاء من الأراضي السورية، ولكن الثوار اكتسبوا من التجارب دروسا ولم يقعوا في خطأ التخاصم والتقاتل والتناحر، على نحو ما وقع في ليبيا والسودان بتدبير الصهيونية، والثورات المضادة التي تقودها دولٌ مطبِّعة.
والمتطرف النتن ياهو، يعيش أياما غامرة بالسعادة، بهذا الإنجاز الكبير الذي ما كان ليحققه، لولا تعاون العرب المنبطحين على تنفيذ مشروعه التوراتي، وحسب ما تداولته بعض الأخبار الإعلامية الصادرة عن كبريات الجرائد الغربية، أنه يخطط لعهد ترامب المتعاون معه، على احتلال الضفة الغربية وغزة وأجزاء كبيرة من سورية والأردن وسيناء ولبنان، وسيختم مشروعه العدواني بقصف المواقع النووية الإيرانية، وهو يعدّ لذلك إعدادا كبيرا بالتعاون مع الغرب، لاسيما وأن إيران انقطع ذراعاها القويان بسقوط النظام السوري وقتل حسن نصر الله القوي بشخصيته المعادية للكيان، وتأثيره القوي على المقاومة الشيعية في لبنان، وتحطيم قوات حزب الله وقطع الإمدادات عنه، من إيران عن طريق سورية الموالية لهما.
كما أن النتن يسعى بكل جهد إلى تنفيذ مخططات أحلامه التوسعية، بإنجاز تهجير الغزاويين إلى سيناء وفق خطة رسم معالمها مع عصاباته، وهو يُرغّب النظام المصري ويغريه بمسح الدين الخارجي، المقدر بنحو 153 مليار دولار حسب بيان نهاية جويلية من العام الجاري، ولكننا لا نعتقد أن المصريين يوافقون على هذا العرض السخي، لأن سيناء (61 ألف كلم مربّع)، تمثل خط الدفاع الاستراتيجي الشرقي للمصريين، في حرب متوقعة مع الكيان.
والكارثة الثانية التي تبنّاها المهرولون في ولائهم الأعمى للكيان، أن طلب منهم الصهيوغربيون تنفيذ مشروع محاربة الثقافة الإسلامية من طريق تغريب المناهج التعليمية، ومحاربة اللسان العربي في التدريس وكتابة العناوين والإشهار في الإعلام المرئي، والمؤسسات الرسمية والشارع وحديث المسئولين، وإحياء الرموز الجاهلية وعاداتها وتمجيدها، كيما تنشأ الأجيال العربية على التنكّر للذات من طريق التجهيل والتغريب، كما فعلت فرنسا بالجزائريين في حقبة الاستعمار، فينشأون مدجّنين على حب الثقافات الغربية ولغاتها، ويتنكّرون للثقافة التراثية لأنهم يتلقونها مزيفة من كتابات مدارس الاستشراق والمستغربين المارقين، فيقضون بهذه السياسة المعادية لتراث الأمة، على كل نبض له صلة روحية أو قومية في الذات العربية.
وقد رأى العالم مؤخرا كيف نفذت دولة عربية كبيرة مطبّعة، مشروع التغريب من طريق اللغة الأجنبية، إذ أمر نظامها بكتابة عناوين المؤسسات والإشهار ولوحات بلدان الزعماء المدعوّين إلى القصر الخرافي الجديد، في المدينة الإدارية الجديدة، بالحرف الأجنبي ولم نر حرفا واحدا بالحرف العربي، مما جعل عمرو موسى السياسي القومي المخضرم الكبير، يستنكر متعجِّبا من هذه الردة الغريبة، في تغريب شوارع القاهرة، حيث أصبحوا يكتبون على واجهات المحلات التجارية بالحرف الأجنبي فقط، ومثل هذا أخذ ينتشر بشكل رهيب في البلدان العربية كلها، وهذا هو الخطر المدمر لمستقبل الأمة، لأنها هي الأمة الوحيدة في العالم، التي ينفذ مسئولوها مشاريع ثقافية وسياسية معادية لبلدانهم.