التطبيع.. نهاية الحلم المغاربي!
إلى وقتٍ قريب كان المخزن يرمي باللائمة على الجزائر في تعثر الاتحاد المغاربي الذي ظل فضاءً شكليّا افتراضيا طيلة 30 سنة، حتى أضحت قممُه مجرد مناسبة لالتقاط الصور التذكارية بين قادة الإقليم، قبل أن تنقطع حتّى تلك العادة الفلكلوريّة، بسبب غياب الإرادة الفعلية في تكامل دول المنطقة.
مع ذلك، لم يتوان نظام المملكة وأبواقُه المجيَّشة عن تحميل الجزائر مسؤولية الفشل في تفعيل المشروع الوحدوي المغاربي، بحجَّة تمسكها بحق الصحراويين في تقرير مصيرهم.
وقد أوهم المخزن شخصياتٍ رمزية في المنطقة بوجاهة حكمه الباطل في حق الجارة الشرقية، حتى انطلت عليهم الفرية الكبرى، لعلّ آخرهم الرئيس التونسي الأسبق منصف المرزوقي؛ إذ تحامل على الجزائر قبل أسابيع قليلة على خلفية أحداث منطقة الكركرات، ورماها هو الآخر بتعطيل بناء الاتحاد المغاربي، متجاهلاً جوهر الأزمة التاريخية في الإقليم، بل غضّ الطرف عن الأذى القائم في حق الأمن القومي للجزائر، بممارسات المخزن المتواطئ مع كل أعداء المنطقة.
لكنّ الجزائر ظلّت تؤكد على إرادتها القوية في استكمال مشروع الاتحاد وفق الأسس التأسيسيّة، وعبَّرت مرارا عن رغبتها في رفع العقبات من أمام الحوار الجادّ مع المغرب لأجل فتح الحدود المغلقة.
ولضمان حوار حقيقي في كنف الثقة المتبادلة، وضعت الجزائر شروطها الموضوعيّة لنجاح التقارب والتعاون بين قطبي المنطقة، إذ طالبت منذ سنوات بوقف الحملات الدبلوماسية والإعلامية المستهدِفة لها، وقد صارت الآن حربًا سيبرانية مكشوفة.
كما شدّدت على وقف تدفق المخدرات، وهي الخطة الملكيّة الممنهجة لقتل شبابها بإغراقهم في مستنقع الآفات الاجتماعية.
أما بخصوص القضية الشائكة، فقد دعت الجزائر إلى تحييد نزاع الصحراء الغربية ضمن أروقة ومقررات الأمم المتحدة.
غير أنّ المخزن لم يُبد عمليّا النيّة الصادقة في النزول عند مقتضيات حسن الجوار، مُكتفيًا بالحديث المناسباتي عن ضرورة الحوار بين البلدين، من دون أن يتقدم خطوة واحدة في الاتجاه الصحيح، وهو ما أبقى مشروع المغرب العربي على حاله من الفرقة والتشرذم.
وباختيار المملكة التحالف مع الكيان الصهيوني للاستقواء به في تسوية خلافاتها مع الجزائر، ومحاولة فرض سيادة باطلة على الشعب الصحراوي، فإنّ المخزن يكون قد دقّ آخر مسمار في نعش الاتحاد المغاربي إلى الأبد، إلا إذا تطورت الأحداث في اتجاه تحرير المنطقة من الأنظمة العميلة لأعداء الأمة، لتعيد القرار إلى شعوبها الحرة، حتى تجسِّد أحلامها المجهَضة في الوحدة المنشودة، منذ جيل نجم شمال إفريقيا وزمن الحركات المغاربية للتحرُّر من الاستعمار الفرنسي.
لم تكن أبدا تحذيراتُ الجزائر من خطر النظام المغربي على أمنها القومي هواجس متوهمة ضمن تنافس أو صراع مغاربي، ولا دعايات دبلوماسية وشعبوية لصرف الأنظار عن حقيقة الوضع الداخلي والإقليمي، وهو ما ثبُت بالدليل الميداني الآن وفق تطورات المشهد المخيف بالمنطقة.
لاشكّ أنّ تنبؤات الدولة الجزائرية لم تُبنَ على الفراغ، بل كانت حصيلة نشاط استخباراتي ودبلوماسي موثوق المعلومة ودقيق التحليل، وها هي الأيام الحبلى بالخيانات تُثبت، ويا للأسف، صحّة توقعاتها، بعد ما جهر المخزن بتحالفه مع عدوِّ الإنسانية ضدّ بني الأمة، ما ينسف كل أمل معقود في الظروف الراهنة على حلحلة الأزمة المغاربيّة.
يجب الإقرار الآن أنّ الحديث عن فرص للحوار أو آفاق للتعاون الثنائي، إلا فيما هو من لوازم الجغرافيا، صار ضحكا على الأذقان ومضيعة للجهود والأوقات، لأنه سيكون من المستحيل التقاربُ وبناء الثقة مع ملك متربِّص، يستجير ببني صهيون ضدّ إخوة أحرار، لم يكن في وُسع جدّه ولا والده، أن يعودا إلى عرش المملكة لولا ثورتهم الباسلة التي دكت حصون فرنسا، حتى وصل هو من بعدهم إلى رأس السلطة العلويّة.
لقد دفعت الجزائر في النصف الثاني من القرن العشرين كلّ ما في مقدورها لأجل استقلال البلدان المغاربيّة، ثم السعي لجمع شملها وتقوية دولها ضمن كتلة واحدة، مُحتملة في سبيل ذلك العدوان والبغي والتآمر، ومتجاوزة عن الأخطاء والأطماع التوسّعية، أمّا الآن فقد حصحص الحقّ وبان العدوّ من الصديق، وعليها أن تشقَّ طريقها وفق مشيئة شعبها.