التغييرات التي أزعجت فرنسا
حادث الإهانة التي تعرض لها وزير الاتصال بمطار أورلي، لم يكن الأول في حق حكومة سلال حتى تكتفي بما صدر من “تأسف” باهت من الإيليزي، ولا يفترض أصلا أن ننظر إليه كخطأ ارتكبه أمن المطار، لا ينبغي البحث له عن مسؤوليات على مستوى أعلى في الحكومة الفرنسية، وعن دوافع له في مستجد غير معلن، يكون قد حصل في العلاقات بين البلدين.
أخطاء متكررة في بحر شهور قليلة، بدأت بإهانات بروتوكولية تعرض لها وزير التجارة السابق، ثم رئيس الحكومة، كانت قد حصلت من مستويات رفيعة في الحكومة الفرنسية، حدثت في الوقت الذي كان الطرفان يتنافسان فيه على التنويه بجودة العلاقات، كان آخرها التصريحات المتفائلة لرئيس مجلس الشيوخ الفرنسي.
وعبثا تبحث في الملفات الخلافية التقليدية العالقة بين البلدين عن سبب وجيه يبرر للسلطات الفرنسية الهبوط إلى هذا المستوى الفجّ من السلوك، وخرق أبسط الأعراف الدبلوماسية التي تحترمها الدول حتى مع ألدّ الأعداء، فما بالك بين بلدين تربطهما علاقات معقدة، ومصالح مشتركة كبيرة، لا تحتمل مثل هذا السلوك مع أبسط المواطنين، ناهيك مع أعضاء في الحكومة.
ملفّ واحد قد يفسر لجوء السلطات الفرنسية إلى هذا الأسلوب في تشفير رسائل سخط للسلطات الجزائرية، له صلة بالتغييرات الأخيرة التي حصلت على مستوى مؤسسة أمنية كبيرة، أعقبتها عملية “تطهير” واسعة لشبكاتها وامتداداتها الفرعية داخل مؤسسات الدولة والإدارات الكبرى، قد تكون ألحقت أضرارا غير مرئية بما يطلق عليه في الإعلام عنوان “حزب فرنسا” أو شبكة الموالاة التي زُرعت في عمق جسد الإدارة الجزائرية منذ الاستقلال.
خبرة فرنسا بالأوضاع المعقدة في الجزائر لا يمكن أن تحجب عنها هذه الحقيقة: وهي أن أي إهانة للجهاز الحكومي هي إهانة لرئيسه الأول: أي لرئيس الجمهورية، ولم يكن للشخصيات الثلاث التي استهدفت بالإهانة، لا ثقلا يُذكر في صناعة القرار، ولا عداوة صريحة مع الدولة الفرنسية، ولم يعدهم أحد من خصوم “حزب فرنسا” لتكون الرسالة موجهة بالأساس لموقع السلطة الأول في الجزائر.
الحادث مع ما فيه من إهانة للبلد ـدولة وشعباـ لا ينبغي أن يثيرنا فوق ما يلزم، إذا كان علامة على تدهور العلاقات مع هذه القوى الاستعمارية الحاقدة، التي لم تتخلص أبدا من عقدة ضياع درّة تاجها الاستعماري، ولم تنس إهانة مروحة داي الجزائر، وقد حق لنا أن نقرأ فيه وفي الإهانات السابقة، استياءً فرنسياً غير معلن من التغييرات الأخيرة التي أعقبت إعادة تأهيل مديرية الاستعلامات والأمن، وتخشى منها أن تتوسع لتفكيك شبكات لها مصالح متداخلة مع فرنسا.
قد أكون مخطئا في هذا الاستنتاج، لكن منطق الأشياء يقول: ما كان للسلطات الفرنسية أن تكرر مثل هذه الإهانات في بحر أشهر قليلة، كان الحدث المميز فيها تفكيك وإعادة تأهيل “دولة الدي إير آس” لو أن الإجراءات كانت تصبّ لمصلحة “حزب فرنسا” أو كانت بتشاور وبرضا فرنسي ـ كما زعم بعضُهم ـ إلا أن تكون السلطات الفرنسية سلطة حمقاء تقتل الدجاجة التي تبيض لها ذهباً.