الرأي

التغييرات التي‮ ‬أزعجت فرنسا

حبيب راشدين
  • 6006
  • 0

حادث الإهانة التي‮ ‬تعرض لها وزير الاتصال بمطار أورلي،‮ ‬لم‮ ‬يكن الأول في‮ ‬حق حكومة سلال حتى تكتفي‮ ‬بما صدر من‮ “‬تأسف‮” ‬باهت من الإيليزي،‮ ‬ولا‮ ‬يفترض أصلا أن ننظر إليه كخطأ ارتكبه أمن المطار،‮ ‬لا‮ ‬ينبغي‮ ‬البحث له عن مسؤوليات على مستوى أعلى في‮ ‬الحكومة الفرنسية،‮ ‬وعن دوافع له في‮ ‬مستجد‮ ‬غير معلن،‮ ‬يكون قد حصل في‮ ‬العلاقات بين البلدين‮.‬

أخطاء متكررة في‮ ‬بحر شهور قليلة،‮ ‬بدأت بإهانات بروتوكولية تعرض لها وزير التجارة السابق،‮ ‬ثم رئيس الحكومة،‮ ‬كانت قد حصلت من مستويات رفيعة في‮ ‬الحكومة الفرنسية،‮ ‬حدثت في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬كان الطرفان‮ ‬يتنافسان فيه على التنويه بجودة العلاقات،‮ ‬كان آخرها التصريحات المتفائلة لرئيس مجلس الشيوخ الفرنسي‮.‬

وعبثا تبحث في‮ ‬الملفات الخلافية التقليدية العالقة بين البلدين عن سبب وجيه‮ ‬يبرر للسلطات الفرنسية الهبوط إلى هذا المستوى الفجّ‮ ‬من السلوك،‮ ‬وخرق أبسط الأعراف الدبلوماسية التي‮ ‬تحترمها الدول حتى مع ألدّ‮ ‬الأعداء،‮ ‬فما بالك بين بلدين تربطهما علاقات معقدة،‮ ‬ومصالح مشتركة كبيرة،‮ ‬لا تحتمل مثل هذا السلوك مع أبسط المواطنين،‮ ‬ناهيك مع أعضاء في‮ ‬الحكومة‮.‬

ملفّ‮ ‬واحد قد‮ ‬يفسر لجوء السلطات الفرنسية إلى هذا الأسلوب في‮ ‬تشفير رسائل سخط للسلطات الجزائرية،‮ ‬له صلة بالتغييرات الأخيرة التي‮ ‬حصلت على مستوى مؤسسة أمنية كبيرة،‮ ‬أعقبتها عملية‮ “‬تطهير‮” ‬واسعة لشبكاتها وامتداداتها الفرعية داخل مؤسسات الدولة والإدارات الكبرى،‮ ‬قد تكون ألحقت أضرارا‮ ‬غير مرئية بما‮ ‬يطلق عليه في‮ ‬الإعلام عنوان‮ “‬حزب فرنسا‮” ‬أو شبكة الموالاة التي‮ ‬زُرعت في‮ ‬عمق جسد الإدارة الجزائرية منذ الاستقلال‮. ‬

خبرة فرنسا بالأوضاع المعقدة في‮ ‬الجزائر لا‮ ‬يمكن أن تحجب عنها هذه الحقيقة‮: ‬وهي‮ ‬أن أي‮ ‬إهانة للجهاز الحكومي‮ ‬هي‮ ‬إهانة لرئيسه الأول‮: ‬أي‮ ‬لرئيس الجمهورية،‮ ‬ولم‮ ‬يكن للشخصيات الثلاث التي‮ ‬استهدفت بالإهانة،‮ ‬لا ثقلا‮ ‬يُذكر في‮ ‬صناعة القرار،‮ ‬ولا عداوة صريحة مع الدولة الفرنسية،‮ ‬ولم‮ ‬يعدهم أحد من خصوم‮ “‬حزب فرنسا‮” ‬لتكون الرسالة موجهة بالأساس لموقع السلطة الأول في‮ ‬الجزائر‮.‬

الحادث مع ما فيه من إهانة للبلد ـدولة وشعباـ لا‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يثيرنا فوق ما‮ ‬يلزم،‮ ‬إذا كان علامة على تدهور العلاقات مع هذه القوى الاستعمارية الحاقدة،‮ ‬التي‮ ‬لم تتخلص أبدا من عقدة ضياع درّة تاجها الاستعماري،‮ ‬ولم تنس إهانة مروحة داي‮ ‬الجزائر،‮ ‬وقد حق لنا أن نقرأ فيه وفي‮ ‬الإهانات السابقة،‮ ‬استياءً‮ ‬فرنسياً‮ ‬غير معلن من التغييرات الأخيرة التي‮ ‬أعقبت إعادة تأهيل مديرية الاستعلامات والأمن،‮ ‬وتخشى منها أن تتوسع لتفكيك شبكات لها مصالح متداخلة مع فرنسا‮.‬

قد أكون مخطئا في‮ ‬هذا الاستنتاج،‮ ‬لكن منطق الأشياء‮ ‬يقول‮: ‬ما كان للسلطات الفرنسية أن تكرر مثل هذه الإهانات في‮ ‬بحر أشهر قليلة،‮ ‬كان الحدث المميز فيها تفكيك وإعادة تأهيل‮ “‬دولة الدي‮ ‬إير آس‮” ‬لو أن الإجراءات كانت تصبّ‮ ‬لمصلحة‮ “‬حزب فرنسا‮” ‬أو كانت بتشاور وبرضا فرنسي‮ ‬ـ كما زعم بعضُهم ـ إلا أن تكون السلطات الفرنسية سلطة حمقاء تقتل الدجاجة التي‮ ‬تبيض لها ذهباً‮.‬

مقالات ذات صلة