الرأي
باعتباره قضية استراتيجية ترتبط بمستقبل الدولة والمجتمع

التفاف سياسي وشعبي حول مشروع إصلاح المنظومة التربوية

عومر بن عودة
  • 103
  • 0
أرشيف
وزير التربية الوطنية

تشهد الساحة الوطنية في الآونة الأخيرة بروز مؤشرات متزايدة على اتساع دائرة الاهتمام والمساندة لمسار الإصلاح الذي تقوده وزارة التربية الوطنية بقيادة الدكتور محمد صغير سعداوي، حيث بدأ النقاش يتجاوز الإطار الإداري والتقني للقطاع ليمتد إلى الفضاء السياسي والمدني والنقابي والأكاديمي، في مشهد يعكس تنامي الوعي بأن إصلاح المدرسة الجزائرية لم يعد شأنا قطاعيا محضاً، وإنما قضية ذات أبعاد استراتيجية ترتبط بمستقبل الدولة والمجتمع وبناء رأس المال البشري.

ويكتسي هذا الالتفاف أهمية خاصة بالنظر إلى أن المدرسة الجزائرية عرفت منذ الاستقلال سلسلة متعاقبة من الإصلاحات والمراجعات، من مرحلة بناء المدرسة الوطنية وتعميم التعليم، إلى إصلاحات 2003 ، ثم مناهج الجيل الثاني ، وما رافقها من نقاشات واختلافات وتقييمات.

ولذلك، فإن أي محاولة لإعادة ضبط بعض الاختلالات أو تحسين الأداء البيداغوجي تستدعي بطبيعتها نقاشاً مجتمعياً واسعاً بعيداً عن الاختزال السياسي أو الأحكام المسبقة.

وفي هذا السياق، نلاحظ بروز مواقف مساندة من بعض التشكيلات السياسية ، من بينها حزب “جبهة الجزائر الجديدة” و”حركة النهضة” ، في تعبير عن توجه يرى ضرورة منح الإصلاح التربوي مساحة من الاستقرار المؤسساتي ، وعدم إخضاع كل مبادرة إصلاحية للتجاذب السياسي الظرفي.

وتكمن أهمية هذه المواقف من منظور سياسي في أنها تساهم في نقل ملف التربية من دائرة التوظيف السياسي الآني إلى دائرة التوافق حول المصلحة الوطنية العليا، مع الإبقاء على الحق المشروع في النقد والمساءلة والتقويم.

كما بدأت بعض الهيئات والجمعيات ذات الحضور التاريخي في المجتمع الجزائري بإبداء اهتمام أكبر بالشأن التربوي، ومن بينها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، باعتبار أن التربية والتعليم يمثلان أحد أهم المجالات المرتبطة بتكوين الشخصية الوطنية وترسيخ القيم وبناء الإنسان.

ومهما اختلفت الرؤى حول تفاصيل الإصلاح، فإن انخراط الجمعيات الوطنية في النقاش التربوي يمكن أن يشكل قيمة مضافة إذا انتقل من ردود الفعل إلى المساهمة الفكرية والاقتراحية المبنية على الدراسات والخبرة.

وعلى المستوى النقابي، يبرز تحرك النقابة الوطنية المستقلة لأساتذة التعليم الابتدائي، بما يعكس حضور الفاعل المهني في النقاش حول الخيارات البيداغوجية.

وتكمن أهمية هذا الحضور في أن الأستاذ ليس مجرد منفذ للمنهاج وإنما هو فاعل مركزي في تحويل التصورات الرسمية إلى ممارسات صفية، ولذلك فإن أي إصلاح لا يضع التكوين المستمر والمرافقة البيداغوجية، وظروف العمل، والجاهزية المهنية ضمن شروطه الأساسية، يبقى معرضاً للفجوة بين النص والممارسة.

كما أن جمعيات أولياء التلاميذ تمثل طرفاً لا يقل أهمية باعتبارها حلقة وصل بين المؤسسة التعليمية والأسرة والمجتمع.

فالإصلاح التربوي لا يمكن أن ينجح إذا ظل محصوراً داخل الوزارة والمؤسسات التعليمية، لأن الأسرة شريك أصيل في العملية التربوية. ومن ثم فإن اتساع مشاركة جمعيات الأولياء في النقاش حول البرامج والزمن المدرسي والامتحانات يمثل انتقالاً من نموذج المتلقي السلبي للقرار التربوي إلى الشريك في صناعة الفعل التربوي.

أما على المستوى العلمي، فإن اهتمام الخبراء والمختصين والأكاديميين بالشأن التربوي يكتسي أهمية مضاعفة، لأن إصلاح المنظومة لا ينبغي أن يُبنى على الانطباعات أو الخطاب الإعلامي، وإنما على التشخيص المؤسساتي، والبحث التربوي، وتحليل البيانات، والتقويم التكويني والختامية، وقياس أثر السياسات العمومية على التعلمات.

ولذلك، فإن مساهمة الباحثين في علوم التربية وعلم النفس التربوي والديداكتيك وعلم الاجتماع التربوي، والقياس والتقويم ، ينبغي أن تكون جزءاً أصيلاً من أي مسار إصلاحي مستدام.

ومن المهم في خضم هذا النقاش تصحيح تصور شائع حول طبيعة الإصلاحات الأخيرة، فليس دقيقاً وصفها بأنها “إصلاحات كبرى” أو إعادة بناء شاملة للمنظومة التربوية بالمعنى الهيكلي العميق، بل إن جانباً مهماً منها يتمثل في ترتيبات بيداغوجية وتنظيمية تندرج أصلاً ضمن صلاحيات وزارة التربية الوطنية، وتهدف إلى معالجة بعض الاختلالات وتكييف التنظيم البيداغوجي مع حاجات المتعلمين والمنظومة.

وهذا التمييز مهم جداً من الناحية الأكاديمية، لأن الإصلاح التربوي يمكن أن يأخذ أشكالاً متعددة، إصلاحاً هيكلياً شاملاً، أو إصلاحاً منهجياً، أو مراجعة للمناهج، أو إعادة تنظيم للأطوار، أو ترتيبات بيداغوجية، أو إجراءات لتحسين الجودة.

ومن ثم فإن القرارات الحالية ينبغي تقييمها وفق وظيفتها وأثرها الفعلي، لا وفق حجم العناوين الإعلامية التي ترافقها.

وتكمن قوة المقاربة الحالية في تقديري في أنها تضع مفهوم جودة التعليم في قلب النقاش، وتفتح المجال أمام مراجعة بعض الممارسات التي أفرزتها التجارب السابقة.

فالمطلوب اليوم ليس تغييراً مستمراً من أجل التغيير، وإنما بناء قدرة مؤسساتية على التقويم والتصحيح والتحسين المستمر.

وهذه هي الفلسفة الحديثة في إدارة الأنظمة التعليمية، لا توجد منظومة مثالية ونهائية، وإنما توجد منظومة تتعلم من نتائجها وتعيد ضبط سياساتها وفق المعطيات الميدانية.

كما أن الالتفاف السياسي والشعبي حول مشروع الإصلاح، إذا استمر واتخذ طابعاً مؤسساتياً، يمكن أن يشكل رافعة مهمة للوزارة، ليس من خلال منحها شيكاً على بياض، وإنما عبر توفير بيئة سياسية واجتماعية مستقرة تسمح بتجريب الإصلاح وتقويمه وتعديله. فالمعارضة والنقد ضروريان، لكنهما يصبحان أكثر فائدة عندما ينتقلان من الرفض المجرد إلى النقد البنّاء واقتراح البدائل.

ومن هنا، فإن المرحلة الحالية تطرح سؤالاً أعمق من سؤال: هل نحن مع الإصلاح أم ضده؟، وهو: كيف نجعل الإصلاح قابلاً للتنفيذ، وقابلاً للقياس، وقابلاً للتقويم؟. فالقرار البيداغوجي لا يكتسب شرعيته الكاملة بمجرد صدوره، وإنما يكتسبها من خلال قدرته على تحسين التعلمات، وتخفيف العبء غير الضروري عن التلميذ ، ومساعدة الأستاذ على أداء وظيفته، وتحقيق الانسجام بين المدرسة ومتطلبات الجامعة والمجتمع والاقتصاد.

إن الالتفاف الذي بدأ يظهر من أحزاب سياسية، وجمعيات وطنية، ونقابات وجمعيات أولياء، وخبراء وأكاديميين، يمكن أن يتحول إلى دينامية مجتمعية داعمة للإصلاح إذا حافظ على استقلاليته وتنوعه، وإذا التقت مختلف الأطراف حول مصلحة المدرسة الجزائرية بعيداً عن الشخصنة والمزايدات.

وفي المحصلة، فإن دعم الترتيبات التي تقترحها وزارة التربية لا يعني اعتبارها نهاية مسار الإصلاح، بل يمكن النظر إليها باعتبارها حلقة في مسار أطول لإعادة ضبط المنظومة وتحسين فعاليتها. والتحدي الحقيقي أمام الوزارة ليس فقط اتخاذ القرار، وإنما ضمان شروط تنفيذه، ومرافقة الفاعلين، وقياس نتائجه، والاستعداد لتصحيح مساره عند ظهور الاختلالات.

إن المدرسة الجزائرية اليوم بحاجة إلى استقرار إصلاحي لا إلى إصلاحات موسمية، وإلى توافق وطني حول أهدافها الكبرى، وإلى حوار مؤسساتي يجمع الوزارة بالأساتذة والنقابات والأولياء والخبراء والباحثين والفاعلين السياسيين والمدنيين. وإذا نجح هذا المسار، فإن الالتفاف الحالي لن يكون مجرد موجة تأييد عابرة، وإنما يمكن أن يتحول إلى رأس مال اجتماعي وسياسي داعم لتحسين جودة التعليم وبناء مدرسة جزائرية أكثر انسجاماً مع حاجات التلميذ ومتطلبات المستقبل.

مقالات ذات صلة