التفرج على المستقبل الضائع
مهزلة الإصلاحات السياسية خرجت إلى العلن، وسلبياتها وأخطارها لم تعد تمس فقط مستقبل الديمقراطية والممارسة السياسية والأحزاب الجديدة والمعارضة الحقيقية، ولكنها أحدثت بلبلة وفوضى عارمة حتى في ما هو موجود من أعتى الأحزاب التي نشأت واستأسدت على الساحة في كنف النظام بحكم تبعيتها المباشرة له، كما هو شأن التحالف الرئاسي.
- وبالإضافة إلى معضلة تمثيل المرأة في الأحزاب والمجالس المنتخبة التي تطالب السلطة ألا تقل نسبته عن 30 بالمائة، وهو ما يجمع الجميع على أنه شرط تعجيزي يهدف إلى الإساءة إلى العملية الانتخابية والقضاء على الأحزاب التي تعجز عن شراء المناضلات والمرشحات من سوق النخاسة والرقيق الأبيض الذي فتحته السلطة لبيع وشراء المرأة الجزائرية، ومنها تدخل الإدارة لإقالة النواب والأعضاء من مناصبهم في حال انتقالهم إلى أحزاب أخرى، وهو ما اعتبر تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية الخاصة للأحزاب، بالإضافة إلى ذلك وغيره، ها هي السلطة تملأ الدنيا وتشغل الناس بقضية أخرى، تافهة في الظاهر، ولكنها محددة الأهداف والنوايا في الباطن، وهي قضية استقالة الوزراء المرشحين للانتخابات من مناصبهم قبل 3 أشهر من إجرائها حسب ما تضمنه مشروع قانون الانتخابات الجديد، وهي الفكرة التي ترفضها الأحزاب – بما فيها المشاركة حاليا في الحكومة – وتفرضها السلطة والإدارة التي تدعي على لسان وزير الداخلية ويقول أنها جاءت تلبية لرغبة والاقتراحات التي قدمتها خلال المشاورات السياسية التي جرت في إطار لجنة الإصلاحات السياسية برئاسة السيد عبد القادر بن صالح، ولكن السلطة قد عودت الجزائريين على التلاعب بمثل هذه المشاورات والحوارات التي تلجأ إليها كلما ضاقت بها الأحوال وانسدت أمامها السبل وكانت ثمة ضرورة لإعادة تموقع النظام وإعادة ترتيب أوراقه فيصدر ما يشاء من قرارات وقوانين يجد دائما من ينسبها إليه من أحزاب وشخصيات سياسية مشاركة في هذه المشاورات.
- وسواء تفطن الساسة والأحزاب إلى الهدف من لعبة إقالة الوزراء المرشحين، أم لم يتفطنوا، فإن السلطات تعرف تماما ما تريد من وراء ذلك، وما تريده هو إخلاء الحكومة من وزراء الأحزاب، مهما كانت هذه الأحزاب موالية ومنبطحة، لتعويضهم بآخرين من أجهزة النظام في إطار خطة أشمل تشمل كذلك ضرب ما بقي من مصداقية للأحزاب قبل الانتخابات المقبلة لتغليب كفة المرشحين “الأحرار” الذين تعد تحضيرهم على قدم وساق لاكتساح هذه الانتخابات والفوز فيها بالأساليب والطرق المعروفة في إطار سياسة العودة إلى ما يشبه المجلس الانتقالي أو الاستشاري على المستوى البرلماني والمندوبين التنفيذيين على المستوى المحلي، أي العودة إلى الحكم خارج نطاق القانون أو القانون الجائر كما كان الشأن خلال تسعينيات القرن الماضي، وهذا ربما لأن النظام أصبح يعرف بوسائله الخاصة أن لا مجال لبقائه واستمراره، مع ما يعيشه العالم القريب منه، إلا بهذا الأسلوب الذي يبدو وكأن الظروف الداخلية تساعد على انتهاجه من تشرذم الأحزاب وارتباط أغلبها العضوي بمؤسساته وتوفر الوسائل، من مالية وغيرها لإسكات الشعب وشراء ذممه وإبقائه في موقف المتفرج على المؤامرات التي تحاك ضد مصالحه الحيوية ومستقبل بلده وأجياله.