الرأي

التمرة والعرجون!

جمال لعلامي
  • 2758
  • 0

اتصلنا، مؤخرا، بأحد القامات والشخصيات الوطنية، التي رأينا أنها تستحق التكريم، على ما قدمته للجزائر، لكن الرجل لمّح إلى رفضه الفكرة، من حيث الشكل وليس المضمون، وقال بحسرة: “كي نروح وكرموني”، فتساءلنا: ولماذا تدفعنا إلى تكريس المثل القائل: “كي كان حيّ مشتاق تمرة وكي مات علقولو عرجون”؟.. ابتسم الرجل، تنهّد وتوقف عن الكلام، وللحديث بقية!

أدرجت هذه الحادثة، في ذكرى رحيل الرئيس هواري بومدين، وكذا رحيل المجاهد حسين آيت أحمد، وهما المناسبتان الأليمتان اللتان بدأتا في دفع معشر المؤرخين والسياسيين والمقرّبين، إلى التساؤل بكلّ براءة: هل ظـُلم هؤلاء وأمثالهم من الزعماء، وهل يستحقون الآن ردّا للاعتبار؟ وهل كانوا مشتاقين “تمرة” وبعد رحيلهم “علقوا لهم عرجونا”؟

الحقيقة، أن الكثير من شخصيات وزعماء ورموز الجزائر، يستحقون تكريمات متتالية في حياتهم، وتذكرا لا يتوقف، جيلا بعد جيل، عقب رحيلهم إلى الدار الآخرة، وعندما يصل الحال بالباقي المتبقي من البقية الباقية لبقايا “صناع التاريخ”، إلى طلب “تأجيل” تكريمهم إلى ما بعد وفاتهم، ويرفضونها في حياتهم، فهنا يجب التوقف والتنفس بعمق !

جزء من الرعيل الأوّل يحمل قسطا من مسؤولية “دفن” الكثير من العظماء بعد وفاتهم، ودفن “أسرارهم” الواجب نشرها للأجيال، ودفن كلّ جميل عنهم، والمؤسف الخطير، أن البعض لم يعد ينشر سوى ما لا ينبغي نشره، بما نفـّر شرائح واسعة من “جيل الاستقلال” وغلطها وجعلها أحيانا “تكفر” بصراعات ونزاعات وخلافات، هي في الأصل، جزء وليست كلّا!

يجب أن يعترف بعض “الصغار” أنهم ظلموا بعض “الكبار”، مثلما ينبغي أن يعترف بعض “الكبار” بأنهم ظلموا بعض “الصغار”، ولا فرق هنا في “الحقرة”، طالما أن هدف “الحقار” هو تهميش أو إقصاء الآخر أو تتفيه وتسفيه عمله ودوره وحتى تاريخه وبطولاته!

لن تنفع لا تمرة ولا عرجون، لا بيضة ولا دجاجة، لا ذرة ولا قنطار، لا دينار ولا مليار، عندما يكتب الله الرحيل، وتنتهي مسيرة مكتوب لها منذ الانطلاق والبداية أن تصل إلى خطّ النهاية. ولذلك فإن الأولين السابقين، والتابعين اللاحقين، الأحياء منهم والأموات، أن يغفروا ذنوب وسيئات بعضهم البعض، ويرّدوا الاعتبار والمقام لبعضهم البعض!

حسين آيت أحمد، قامة أخرى تـُضاف إلى قائمة الراحلين، ولكلّ حيّ وميت، سلبيات وإيجابيات، هزائم وانتصارات، أخطاء وخطايا واجتهادات.. فمن اجتهد وأصاب فله أجر، ومن اجتهد وأخطأ فله أجران، والله لا يضيّع أجر المحسنين والمجاهدين والخيّرين. 

مقالات ذات صلة