التنافس في الفستي!
عمليات النصب والاحتيال، تحوّلت للأسف إلى موضة، وعدوى ووباء قاتل يقفز من هنا إلى هناك، ومن الفرد إلى الجماعة، و”مهنة” تسيل لعاب مواطنين بسطاء وموظفين ميسورين وحتى مسؤولين، والأخطر ما في الموضوع، أن منفذي ومهندسي مثل هذه العمليات الاستعراضية، أصبحوا يُدرجون الظاهرة ضمن خانة “وليتنافس المتنافسون”!
المتابع لأخبار الصحافة المستنبطة أساسا من القضايا التي تعالجها المحاكم، عبر مختلف الولايات والأقاليم القضائية، يُصاب بالدهشة، ويكاد يموت بالقنطة، من شدّة الهول، وطبيعة النصب والاحتيال كعملية لم تعد فعلا فرديا معزولا، وإنـّما عملية “منظمة” سلكت طريق الكرة الثلجية!
المحتالون لم “يعافوا” شيئا، ولم يتركوا شيئا إلاّ وغمسوا منه، وأكلوا في كلّ “القصع”، وطبعا من لم يشبع لن يقنع، ولذلك تغوّل النصب والتحايل، وأصبح قضية رأي عام. والغريب أن محتالين تحوّلوا حتى في نظر الضحايا إلى “أبطال” و”فنانين” و”مبدعين” يعرفون من أين تؤكل الكتف!
دون شكّ، فإن النصب والاحتيال هو “فنّ” يعتمد على الكذب و”الفستي” والمراوغة والخداع وعدم الوفاء والولاء وكذا انتحال صفات الغير، والأكثر من ذلك، أنه يُسقط معاني الإنسانية، ويكفر بالقانون، ولا يُؤمن بالأخلاق، ويهضم حقوق الآخرين، فيكون التحايل أمرا مقضيا!
المصيبة، أن التقليد فعل فعلته في الموضوع، فتوسعت دائرة النصابين والمحتالين عن طريق التقليد، ومن الناس من أراد ممارسة الاحتيال من باب الفضول، وآخرون من باب التجربة فقط، فحدث للكثير منهم ما حدث للغراب الذي أراد تعلـّم مشية الحمامة، فلا هو تعلمها ولا هو حافظ على مشيته، وكانت بعدها الفضيحة بجلاجل!
هناك نصابون أصبحوا نموذجا يُحتذى به من طرف نصابين مبتدئين ومحتالين صغار، فينصبون ويحتالون، وإذا تمّ اكتشافهم وفضحهم، ردّدوا بكل تلقائية وبلا تردّد: “ما شفتونا غير أحنا”، أو بصيغة الفرد: “ما شفتوني غير أنا”، وهذا هو الوجه المقزز والمستفز في الحكاية!
عملية النصب والاحتيال، تمدّدت وتعدّدت وتجدّدت، ولكلّ محتال حكاية ومبرّر وتخصص، لكن الهدف واحد، والضحية واحدة، وبالمقابل، فإن النهاية أيضا واحدة في أغلب الحالات والظن، ولن ينجو في الأخير، إلاّ من ستره الله وأحبه، فمنحه فرصة التوبة والعودة إلى الطريق المستقيم!
لكن، الطامة الكبرى، أن نصابين موقوفين ومعاقبين بالسجن وغضب العائلة والمجتمع، سرعان ما يعودون إلى نصبهم، لأنه سكن دمهم وعقلهم، فأصبحوا مدمنين عليه، وهذه هي المغامرة والمقامرة!