-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الثورات‭ ‬العربية‭ ‬والاستراتيجيات‭ ‬الغربية‭ (3/3‭)‬

عبد الرزاق مقري
  • 8365
  • 30
الثورات‭ ‬العربية‭ ‬والاستراتيجيات‭ ‬الغربية‭ (3/3‭)‬

من أراد من حكام العالم العربي أن يكون صديقا لأمريكا عليه أن يضمن مصالحها في بلاده، وأن يتوافق معها في الموقف من إسرائيل فإن فعل ذلك يكفيه إن استطاع أن يتظاهر باحترام الديمقراطية وحقوق الإنسان، وإن لم يفعل فسيكون غياب الديمقراطية في بلاده هي حتفه وسبب المشاكل التي لا تفارق بلده – هذا الذي بيناه في المقالين السابقين- ، كما بيّنّا أن إسرائيل هي مجرد صنعة غربية صممت لتكون ثكنة فاعلة لحراسة الوطن العربي وإضعافه حتى لا يحلم بنهضة حقيقية ينال بها مجده وسيادته، وعلى هذه الأسس الإستراتيجية تطور موقف الغرب من الثورات العربية. عندما اندلعت الثورات العربية وجدت أمريكا ومعها الغرب كله في حالة من الارتباك الشديد ثم بدأت تستدرك أمرها لاستيعاب الموقف والاستفادة منه؛ فكانت ترتيباتها ومواقفها واستراتيجياتها مختلفة من ثورة عربية إلى أخرى.

  • حينما انطلقت الثورة في تونس استنكرها الغرب برمته لأنها أصابت قلعة حصينة من قلاعه، وهزت عرش نظام سياسي كان يٌسوّق للبلدان العربية الأخرى بصفته نموذجا يجب الاقتداء به، وكانت فرنسا هي الدولة الغربية التي أظهرت مؤازرتها لزين العابدين بن علي بشكل متسرع باعتبار خصوصية العلاقة بين النظامين الفرنسي والتونسي البائد، ولما انتقلت الثورة لمصر انتقل الارتباك إلى الأمريكيين باعتبار أهمية مصر في الإستراتيجيات الأمريكية السابقة، فكانت تصريحات البيت الأبيض في الأيام الأولى من الثورة المصرية تتناقض في اليوم الواحد ثلاث مرات، غير أن نهج المرونة والبراغماتية والقدرة على التأقلم الذي يتسم به المذهب الليبرالي الغربي جعل الغرب يتجه لرسم سياسات جديدة لاستيعاب الموقف وتوجيهه الوجهة التي تخدم مصالح، وحينما نتابع تصرفات السياسيين الأمريكيين ونتابع أخبارهم ونبحث في ما يكتبه مفكروهم ومراكز دراساتهم ونضع ذلك كله على ما نعرفه من طباعهم ومذاهبهم وسلوكياتهم السابقة  نجد بأن إستراتيجياتهم الجديدة في العالم العربي بعد الثورات ترتكز على ما يلي: 
  • ـ المحافظة على المؤسسات العسكرية في الدول التي تأكد فيها سقوط الأنظمة الحليفة السابقة للرهان عليها لاحقا، ويتضح ذلك في الترتيبات التي قامت بها المخابرات الأمريكية في مسألة خروج بن علي من تونس حيث تشير التقارير المعلنة في وسائل إعلام أمريكية وأوربية بأن ذلك تم بتنسيق تام بين مسؤول الاستخبارات الأمريكية بيتريوس من جهة و الوزارة الخارجية والمؤسسة العسكرية التونسيتين من جهة أخرى مع الاتفاق مع الضباط التونسيين على عدم مواجهة الجماهير والمحافظة على موقف مستقبلي مؤثر، ويظهر ذلك بشكل أكثر صرامة في الثورة المصرية حيث تم  الاتفاق مع  الجيش المصري على الضغط على مبارك للتنحي، وقد فعل الضباط المصريون ذلك فاتفقوا مع رئيسهم على إعلان انسحابه في يوم وساعة محددتين انتظرهما الشعب المصري كما هو معلوم، وحينما تراجع في آخر لحظة بضغط من القريبين منه وألقى خطابا آخر غير المتفق عليه هدّده قادة هذه المؤسسة بأنهم سينزعون بذلاتهم الرسمية ويلتحقون بميدان التحرير فاحتل العسكريون بذلك موقع المركز في التطورات السياسية اللاحقة.
  • ـ  تغيير إستراتيجية التعامل مع الإسلاميين الناجحين في الانتخابات، وإعلان قبولهم شرط المحافظة على الديمقراطية و المواثيق الدولية السابقة، ووضعهم تحت ضغوطات شديدة ومتنوعة لدفعهم إلى تقديم أكبر قدر من التنازلات الممكنة بشأن المصالح والعلاقة مع إسرائيل، وقد تكون هذه الضغوطات مجرد صعوبات اقتصادية كتلك التي يواجهها النظام التونسي الجديد، ولكنها قد تصل إلى حد تحريك الشارع من جديد لإدخال البلد في فوضى عامة إذا كانت مخاطر نتائج الانتخابات جسيمة كما هو الحال في التطورات الانتخابية المصرية.
  • ـ المحافظة على شبكاتها العلمانية والليبرالية السابقة كقوى معارضة تقبل قواعد اللعب الجديدة، وتعد نفسها لجولات لاحقة قد يتغير فيه اتجاه الرأي العام نحو الإسلاميين في جو الحرية والديمقراطية والصعوبات الاقتصادية.
  • رغم كل الذي قلناه لا يظهر من سلوك الغرب الأمريكي بأن المفضل لديهم هو انتشار الثورات وتعميمها في كل البلدان العربية، وإنما هي إستراتيجيات جديدة بلورتها مع تطور الأوضاع، ولا تُعْمِلُها إلا حينما يتأكد لديها ثلاثة شروط: ثبات الثائرين وتصميمهم على إسقاط النظام الذي يواجهونه، ظهور معالم سقوط النظام فعليا، توفر طرف أو أطراف قوية يمكن إدخالها في المعادلة الجديدة للرهان عليها في الترتيبات المستقبلية؛ فحينما نتجه إلى اليمن مثلا نجد بأن موازين القوة بين الثوار والنظام متكافئة نسبيا في مجملها، ولا يوجد فيها طرف داخلي مضمون وناضج يمكن الرهان عليه مستقبلا مما دفع إلى دعم المبادرة الخليجية للوصول إلى حلول توفيقية. وحينما ننظر إلى الحالة السورية نجد بأن الطرف الأقوى هو الجيش الموالي للنظام، وهو نظام طائفي وفّر الأمن لإسرائيل في المرحلة السابقة ولكنه يتبع المشروع الإيراني الذي يندرج ضمن نمط آخر في الصراع الدولي الإيراني الغربي، وبالإضافة إلى ذلك لم تجد أمريكا طرفا آخر قويا يمكن الرهان عليه في الترتيبات المستقبلية السورية مما يتطلب إطالة أمد الثورة لابتزاز الطرفين اتجاه الملف الإسرائيلي وأخذ الوقت للبحث في إمكانية صناعة قوة عسكرية جديدة تحقق التوازن في حالة صعود الإسلاميين في انتخابات لاحقة، وحينما نتذكر النموذج الليبي يتضح لنا بأن المسارعة لافتكاك قرار عربي ثم أممي بالتدخل  العسكري المباشر سببه الرغبة الملحة والعاجلة للتحكم في مصير الثروة الليبية البترولية والغازية في ظل الأزمات الاقتصادية الكبرى التي يعرفها الغرب. وقد ساعد على هذا الحسم السريع القرب الجغرافي بإيجابياته وسلبياته، وتوفُّر نخبة ليبية ليبرالية لها علاقات قديمة ووطيدة بالغرب وخصوصا أمريكا وبريطانيا، وعدم وجود قوة إسلامية معتدلة ومنظمة على الأرض، وسهولة اختراق القوى الإسلامية العسكرية الصاعدة، وإمكانية تأسيس قوة عسكرية جديدة تحقق التوازن في حالة صعود غير متحكم فيه من طرف الإسلاميين. 
  • يتضح من كل هذا بأن الإستراتيجيات الغربية لم تتغير في جوهرها إلى حد الآن، وإنما هي تغييرات تكتيكية لاستيعاب الموقف الجديد، والمحصلة من كل ذلك هي أن الذي يغير المعادلة القائمة بين الغرب والعرب ليست الثورات العربية في حد ذاتها سواء التي وقعت أو التي يمكن أن تقع، ولكن الذي يغيرها هو مخرجات تلك الثورات وتصرفات السادة الجدد في الأنظمة السياسية العربية الجديدة، هل سيقدر هؤلاء على استيعاب الموقف الذي لم يتهيئوا له هم كذلك أم لا؟، لن يكون الحل بكل تأكيد في خطابات الاستسلام التي ينتهجها بعض القادة الإسلاميين الصاعدين بحجة التطمين المبالغ فيه خصوصا حينما يتم تجاوز الخطوط الحمراء في القضية الفلسطينية باعتبارهم إيّاها قضية ثانوية في اهتماماتهم أو باقتراح حلول لها كانوا أشد المعارضين لها، لا بد أن يفهم هؤلاء بأن الحل لا يكمن في ” شخصنة ” و ” حزبنة ” ما وصلوا إليه، وأن يتذكروا بأن الذي هم فيه هبة من الله بذلتها لهم الشعوب الثائرة بعد أن فشلوا هم في زعزعة العروش الفاسدة، لا بد أن يعلموا بأن واجبهم ليس الزهو بالإنجازات الحزبية ولكن المطلوب هو العمل لتحقيق التنمية الاقتصادية والترقية الاجتماعية والتنوير الثقافي والحرية لجميع الخلائق والعدالة بين جميع المواطنين؛ فإن فعلوا ذلك لن تقدر على ابتزازهم الاستراتيجيات الغربية بل ستحاورهم ندًّا لندٍ من أجل مصالحها، وعندئذ سيُفكك الرباط الفولاذي بين المصالح الغربية والموقف من إسرائيل، سيفهم الغرب بأنه من حقه أن يبحث عن مصالحه معنا في إطار المنفعة المشتركة ولكنه ليس من حقه أن يفرض علينا سياساته بخصوص إسرائيل، لأن إسرائيل قوة احتلال غاشم ولا بد للاحتلال أن يزول يوما ما، يوم أن تكون الديمقراطية في العالم العربي ديمقراطية حقيقية لا وسيلة لترويض الحكام والشعوب. 
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
30
  • بدون اسم

    تحليل ممتاز ذكرني بحزب حماس عند ما وضعه النظام سنة 90

  • أحمد

    نشكر الدكتور مقري على إضافته الفكرية لمحاولة فهم مجريات الأحداث المتسارعة، غير أني أنبه إلى مسألة في غاية الأهمية في مسألة تغذية الصراع أو التنافس الجديد على السلطة أو الحكم، إن القيادات الجديدة التي أفرزتها ظروف الطارئة تتغذى عمليا من نفس الوعاء الفكري فيما يتعلق بتسيير التنمية و اختيار استراتيجياتها و ادوات تنفيذها، و هو الرهان الذي ترانون عليه من أجل الحؤول دون الوقوع في تنفيذ استراتيجيات الغرب.
    إن الأزمة أكبر بكثير - في تقديري - من مستوى إدراك القيادات الجديدة، و سرعان ما سيتحول هذا الانتصار

  • نبيل

    بهذا العمق في التحليل، ألم يئن الاوان ويبدأ عمل جاد ينطلق من مكتسبات المرحلة السابقة، ويستدرك ما وجب استدراكه، قبل فوات الأوان.

  • mohamed

    bon courrage les hamassistes parce que l'avenire sera pour vous tous simplement un peux de IKHLASSE et plus des efforts s

  • حسين الواد

    شكرا مقال رائع

  • مرجح

    من جهل شيئا عاداه
    اولا ان افتخر اشد الافتخار ان في بلدي مفكرين من هذا الطراز بغض النظر عن الانتماء السياسي
    اما من يتهم السيد مقري بانتمائه للنظام والتعالف فهذا دليل جهل بالرجل المعروفة مواقفه الثابتة من القديم حول قضية الارتباط بالحكم وخير دليل على ذلك انه نأى بنفسه عن هذا التحالف الذي كان يمكنه ان يكون فيه وزيرا او اطارا ساميا في هذه الدولة لكن قناعاته الراسخة من هذا النظام جعله يربأ بنفسه عن هاته المناصب
    فالرجل صاحب رؤية وسياسي بخلفية فكرية قوية
    كما انه قائد تيار التغيير في حركة مجتمع السلم

  • محمد حساني

    دمتم ذخرا لامتكم وفقكم الله وسدد خطاكم

  • يوسف

    السلام عليكم نشكر الدكتور مقري الذي نلتمس حبه للوطن وغيرته على الاسلام و المسلمين والشعوب التي تتطلع الى التغير الايجابي

  • جزائري

    ياسي مقري :
    أعرف انك حاد وجرئ في اطرح الامور، اريد ان اعرف منك بالخصوص ، ماهو تقييمك لسياسة المشاركة لحمس في الحكومة والبرلمان، فهي تبدو لي، واستسمحك العبارة، زواج متعة سياسي ليس الا ؟ فهل هناك تقييم شرعي وموضوعي علمي لهذا المرحلة ؟ الم تخدم النظام وحده واطالت عمره. الم تشوه وتعطل المشاركة ، مشروع بناء الامة في اطار وطني، اسلامي أصيل؟ اريد منك جواباً في مستوى تحليلك في هذا الركن !

  • mati

    ces gens sont depasses par le temps, ce ne sont pas des oulamas ils ont un double language.et depuis 1992 ont voit comment il font tous pour rester au pouvoir.

  • هشام

    يبدو ان اصحاب اسم الطيب ...طيبون فعلا ...من صنفه عالما.....اليس الرجل من اصحاب التعالف الرئاسي......ونحن في الحكومة وليس في الحكم......الست شريكا ........اما التنظير في الوقت الضائع فهو لا يجدي نفعا ......حسبنا الله و نعم الوكيل

  • Meriem

    تحليلات منطقية وجميلة لم قرأ يوما مثلها
    استطعت ان تذهب بعقولنا الى استنتاجات جيدة وصحيحة .. شكرا لك عبد الرزاق مقري قد شددتني لاتابع مقالات اخرى لك لم اكن اكترث لاسم الكاتب من قبل

  • عتيق

    كل هارب بطل... وبدات القصة الكاملة

  • محمد

    احسنت دكتور سلمت يداك

  • هدى

    مقال رائع تتضح من خلاله رؤيتكم الموسعة وآراءكم السديدة دمتم ذخرا لجزائر الأحرار ونفع بكم الامة

  • Hichem

    جزاك الله خيرا عن جهلاء قومك ، ايقظهم من سباتهم قبل ان يفوت الاوان، دمت للجزائر.

  • محمد

    شكرا لك موضوع مليح

  • أسامة

    تحليل عميق يبين أن الحكومات الغربية تتمتع بنوع من المرونة و الإنسيابية في العمل عكس الدول العربية التي تبقى تلعب دور المتفرج من فوق المدرجات

  • sohaib

    مفكر من مفكري الجزائر أنت يا مقري ، ربي يحفظك للأمة الاسلامية حتى ننهل من علمك وفكرك

  • bint jazair

    نحييك استاد علي هداالمقالات الرائعة والتحليلات المنطقية التي تعبر عن تفكير راقي يصعب علي السطحيين و التافهين فهمه

  • علي

    يا دكتور قريهم وزيدهم راهم , قوم لا يفقهون ....... والا اصبر شوي حتى يطيروا وارواح مكانهم ما قعدلهمش ياسر ......

  • العاصفة

    المتتبع لمقالات الرجل من باب لا تبخسوا الناس أشيائهم يعرف حقا أنه يقرأ لمفكر كبير له رؤية واسعة وفراسة أتمنى له التوفيق على الأقل رجل في زمن لا نعرف فيه إلا أشباه الرجال انشر يا شروقو

  • جهاد

    فعلا دكتور المقال رائع وتحليل منطقي وقوي جدا وسياتي اليوم الذي سيعترف فيه الغرب بضرورة الخضوع لمتلطبات العالم العربي وولو ادي ذلك الى التخلي والتضحية باسرائيل

  • عبد الله

    كلام يدل على مستوى فكري مميز .... ربي يجازيك أستاذ و يحفطك

  • bint jazair

    نحييك استاد علي هداالمقالات الرائعة والتحليلات المنطقية التي تعبر عن تفكير راقي يصعب علي السطحيين و التافهين فهمه

  • اسلام

    احبك يا مقري

  • الطيب

    ياايها الجزائريين احترموا علمائكم

  • هشام

    كلامك اسكتهم ليومين متتاليين يا دكتور، تركهم يفكرون كيف يردون عليك. دمت ذخرا للجزائر .

  • الطيب

    ماهذا التعليق ياايها الجزائريين تعلموا الرد على علمائكم

  • هشام

    اذا لم تستحي فقل ما شئت.....لاحول ولا قوة الا بالله