الثورات العربية والاستراتيجيات الغربية (3/3)
من أراد من حكام العالم العربي أن يكون صديقا لأمريكا عليه أن يضمن مصالحها في بلاده، وأن يتوافق معها في الموقف من إسرائيل فإن فعل ذلك يكفيه إن استطاع أن يتظاهر باحترام الديمقراطية وحقوق الإنسان، وإن لم يفعل فسيكون غياب الديمقراطية في بلاده هي حتفه وسبب المشاكل التي لا تفارق بلده – هذا الذي بيناه في المقالين السابقين- ، كما بيّنّا أن إسرائيل هي مجرد صنعة غربية صممت لتكون ثكنة فاعلة لحراسة الوطن العربي وإضعافه حتى لا يحلم بنهضة حقيقية ينال بها مجده وسيادته، وعلى هذه الأسس الإستراتيجية تطور موقف الغرب من الثورات العربية. عندما اندلعت الثورات العربية وجدت أمريكا ومعها الغرب كله في حالة من الارتباك الشديد ثم بدأت تستدرك أمرها لاستيعاب الموقف والاستفادة منه؛ فكانت ترتيباتها ومواقفها واستراتيجياتها مختلفة من ثورة عربية إلى أخرى.
- حينما انطلقت الثورة في تونس استنكرها الغرب برمته لأنها أصابت قلعة حصينة من قلاعه، وهزت عرش نظام سياسي كان يٌسوّق للبلدان العربية الأخرى بصفته نموذجا يجب الاقتداء به، وكانت فرنسا هي الدولة الغربية التي أظهرت مؤازرتها لزين العابدين بن علي بشكل متسرع باعتبار خصوصية العلاقة بين النظامين الفرنسي والتونسي البائد، ولما انتقلت الثورة لمصر انتقل الارتباك إلى الأمريكيين باعتبار أهمية مصر في الإستراتيجيات الأمريكية السابقة، فكانت تصريحات البيت الأبيض في الأيام الأولى من الثورة المصرية تتناقض في اليوم الواحد ثلاث مرات، غير أن نهج المرونة والبراغماتية والقدرة على التأقلم الذي يتسم به المذهب الليبرالي الغربي جعل الغرب يتجه لرسم سياسات جديدة لاستيعاب الموقف وتوجيهه الوجهة التي تخدم مصالح، وحينما نتابع تصرفات السياسيين الأمريكيين ونتابع أخبارهم ونبحث في ما يكتبه مفكروهم ومراكز دراساتهم ونضع ذلك كله على ما نعرفه من طباعهم ومذاهبهم وسلوكياتهم السابقة نجد بأن إستراتيجياتهم الجديدة في العالم العربي بعد الثورات ترتكز على ما يلي:
- ـ المحافظة على المؤسسات العسكرية في الدول التي تأكد فيها سقوط الأنظمة الحليفة السابقة للرهان عليها لاحقا، ويتضح ذلك في الترتيبات التي قامت بها المخابرات الأمريكية في مسألة خروج بن علي من تونس حيث تشير التقارير المعلنة في وسائل إعلام أمريكية وأوربية بأن ذلك تم بتنسيق تام بين مسؤول الاستخبارات الأمريكية بيتريوس من جهة و الوزارة الخارجية والمؤسسة العسكرية التونسيتين من جهة أخرى مع الاتفاق مع الضباط التونسيين على عدم مواجهة الجماهير والمحافظة على موقف مستقبلي مؤثر، ويظهر ذلك بشكل أكثر صرامة في الثورة المصرية حيث تم الاتفاق مع الجيش المصري على الضغط على مبارك للتنحي، وقد فعل الضباط المصريون ذلك فاتفقوا مع رئيسهم على إعلان انسحابه في يوم وساعة محددتين انتظرهما الشعب المصري كما هو معلوم، وحينما تراجع في آخر لحظة بضغط من القريبين منه وألقى خطابا آخر غير المتفق عليه هدّده قادة هذه المؤسسة بأنهم سينزعون بذلاتهم الرسمية ويلتحقون بميدان التحرير فاحتل العسكريون بذلك موقع المركز في التطورات السياسية اللاحقة.
- ـ تغيير إستراتيجية التعامل مع الإسلاميين الناجحين في الانتخابات، وإعلان قبولهم شرط المحافظة على الديمقراطية و المواثيق الدولية السابقة، ووضعهم تحت ضغوطات شديدة ومتنوعة لدفعهم إلى تقديم أكبر قدر من التنازلات الممكنة بشأن المصالح والعلاقة مع إسرائيل، وقد تكون هذه الضغوطات مجرد صعوبات اقتصادية كتلك التي يواجهها النظام التونسي الجديد، ولكنها قد تصل إلى حد تحريك الشارع من جديد لإدخال البلد في فوضى عامة إذا كانت مخاطر نتائج الانتخابات جسيمة كما هو الحال في التطورات الانتخابية المصرية.
- ـ المحافظة على شبكاتها العلمانية والليبرالية السابقة كقوى معارضة تقبل قواعد اللعب الجديدة، وتعد نفسها لجولات لاحقة قد يتغير فيه اتجاه الرأي العام نحو الإسلاميين في جو الحرية والديمقراطية والصعوبات الاقتصادية.
- رغم كل الذي قلناه لا يظهر من سلوك الغرب الأمريكي بأن المفضل لديهم هو انتشار الثورات وتعميمها في كل البلدان العربية، وإنما هي إستراتيجيات جديدة بلورتها مع تطور الأوضاع، ولا تُعْمِلُها إلا حينما يتأكد لديها ثلاثة شروط: ثبات الثائرين وتصميمهم على إسقاط النظام الذي يواجهونه، ظهور معالم سقوط النظام فعليا، توفر طرف أو أطراف قوية يمكن إدخالها في المعادلة الجديدة للرهان عليها في الترتيبات المستقبلية؛ فحينما نتجه إلى اليمن مثلا نجد بأن موازين القوة بين الثوار والنظام متكافئة نسبيا في مجملها، ولا يوجد فيها طرف داخلي مضمون وناضج يمكن الرهان عليه مستقبلا مما دفع إلى دعم المبادرة الخليجية للوصول إلى حلول توفيقية. وحينما ننظر إلى الحالة السورية نجد بأن الطرف الأقوى هو الجيش الموالي للنظام، وهو نظام طائفي وفّر الأمن لإسرائيل في المرحلة السابقة ولكنه يتبع المشروع الإيراني الذي يندرج ضمن نمط آخر في الصراع الدولي الإيراني الغربي، وبالإضافة إلى ذلك لم تجد أمريكا طرفا آخر قويا يمكن الرهان عليه في الترتيبات المستقبلية السورية مما يتطلب إطالة أمد الثورة لابتزاز الطرفين اتجاه الملف الإسرائيلي وأخذ الوقت للبحث في إمكانية صناعة قوة عسكرية جديدة تحقق التوازن في حالة صعود الإسلاميين في انتخابات لاحقة، وحينما نتذكر النموذج الليبي يتضح لنا بأن المسارعة لافتكاك قرار عربي ثم أممي بالتدخل العسكري المباشر سببه الرغبة الملحة والعاجلة للتحكم في مصير الثروة الليبية البترولية والغازية في ظل الأزمات الاقتصادية الكبرى التي يعرفها الغرب. وقد ساعد على هذا الحسم السريع القرب الجغرافي بإيجابياته وسلبياته، وتوفُّر نخبة ليبية ليبرالية لها علاقات قديمة ووطيدة بالغرب وخصوصا أمريكا وبريطانيا، وعدم وجود قوة إسلامية معتدلة ومنظمة على الأرض، وسهولة اختراق القوى الإسلامية العسكرية الصاعدة، وإمكانية تأسيس قوة عسكرية جديدة تحقق التوازن في حالة صعود غير متحكم فيه من طرف الإسلاميين.
- يتضح من كل هذا بأن الإستراتيجيات الغربية لم تتغير في جوهرها إلى حد الآن، وإنما هي تغييرات تكتيكية لاستيعاب الموقف الجديد، والمحصلة من كل ذلك هي أن الذي يغير المعادلة القائمة بين الغرب والعرب ليست الثورات العربية في حد ذاتها سواء التي وقعت أو التي يمكن أن تقع، ولكن الذي يغيرها هو مخرجات تلك الثورات وتصرفات السادة الجدد في الأنظمة السياسية العربية الجديدة، هل سيقدر هؤلاء على استيعاب الموقف الذي لم يتهيئوا له هم كذلك أم لا؟، لن يكون الحل بكل تأكيد في خطابات الاستسلام التي ينتهجها بعض القادة الإسلاميين الصاعدين بحجة التطمين المبالغ فيه خصوصا حينما يتم تجاوز الخطوط الحمراء في القضية الفلسطينية باعتبارهم إيّاها قضية ثانوية في اهتماماتهم أو باقتراح حلول لها كانوا أشد المعارضين لها، لا بد أن يفهم هؤلاء بأن الحل لا يكمن في ” شخصنة ” و ” حزبنة ” ما وصلوا إليه، وأن يتذكروا بأن الذي هم فيه هبة من الله بذلتها لهم الشعوب الثائرة بعد أن فشلوا هم في زعزعة العروش الفاسدة، لا بد أن يعلموا بأن واجبهم ليس الزهو بالإنجازات الحزبية ولكن المطلوب هو العمل لتحقيق التنمية الاقتصادية والترقية الاجتماعية والتنوير الثقافي والحرية لجميع الخلائق والعدالة بين جميع المواطنين؛ فإن فعلوا ذلك لن تقدر على ابتزازهم الاستراتيجيات الغربية بل ستحاورهم ندًّا لندٍ من أجل مصالحها، وعندئذ سيُفكك الرباط الفولاذي بين المصالح الغربية والموقف من إسرائيل، سيفهم الغرب بأنه من حقه أن يبحث عن مصالحه معنا في إطار المنفعة المشتركة ولكنه ليس من حقه أن يفرض علينا سياساته بخصوص إسرائيل، لأن إسرائيل قوة احتلال غاشم ولا بد للاحتلال أن يزول يوما ما، يوم أن تكون الديمقراطية في العالم العربي ديمقراطية حقيقية لا وسيلة لترويض الحكام والشعوب.