الجامعة الجزائرية وبناء السيادة العلمية
في الذكرى الثانية والسبعين لاندلاع ثورة التحرير المجيدة، ندعو إلى قراءة نوفمبر لا بوصفه ذكرى نستعيدها في المناسبات فقط، وإنما بوصفه مشروعًا حيًّا يتواصل جيلًا بعد جيل، وتقف الجامعة الجزائرية اليوم وهي تشق طريقها بثقة نحو بناء السيادة العلمية.
ونرى بدورنا أن بيان أول نوفمبر الذي أُذيع ليلة الفاتح من نوفمبر 1954 كان نصًّا موجّهًا إلى المستقبل أكثر مما كان وصفًا للحاضر، لأنه رسم صورة الجزائر التي حلم بها الشهداء، دولةً ذات سيادة تبني نفسها بسواعد أبنائها وعقولهم.
ونؤكد أن الاستقلال الذي تحقق سنة 1962 استعاد الأرض والعَلَم والقرار، ثم فتح أمام الجزائريين معركة أخرى لا تقل نبلًا، هي معركة المعرفة والعلم، وهي المعركة التي تخوضها الجامعة الجزائرية اليوم بخطوات واضحة يلمسها كل من يتابع ما تعيشه من تحولات.
ونستحضر في هذا السياق الصلة العميقة التي جمعت الجامعة بالثورة منذ البداية، حين ترك الطلبة الجزائريين مقاعد الدراسة يوم 19 ماي 1956 والتحقوا بصفوف جيش التحرير الوطني، مؤمنين بأن الشهادة لا قيمة لها في وطن مسلوب. لقد ترك أولئك الطلبة جامعة استعمارية لم تكن جامعتهم، والوفاء لتضحياتهم يتجسد اليوم في جامعة جزائرية بحق، تتسع لملايين الطلبة في كل ولايات الوطن، وتكوّن الإطارات التي تبني البلاد في مختلف القطاعات.
ونجدد التأكيد على أن الجامعة الجزائرية تعيش في السنوات الأخيرة انتقالًا نوعيًّا من جامعة تكتفي بتكوين طلبة يبحثون عن وظيفة إلى جامعة تكوّن طلبة قادرين على خلق الثروة ومناصب الشغل، ويتجلى ذلك في إنشاء مراكز تطوير المقاولاتية وحاضنات الأعمال داخل الجامعات والمدارس العليا، وفي فتح المجال أمام الطلبة لإعداد مذكرات تخرج تتحول إلى مؤسسات ناشئة أو براءات اختراع، وهو ما جعل الطالب الجزائري ينظر إلى شهادته نظرة جديدة ويرى فيها بداية مشروع لا نهاية مسار.
ونتحدث في هذا المقال عن هذه التجربة من موقعنا، إذ لاحظنا أن الطلبة يقبلون على التكوين في المقاولاتية بحماس كبير، ويحملون أفكارًا مبتكرة تستجيب لحاجات محيطهم في مجالات التعليم والبيئة والفلاحة والرقمنة… ونرى أن هذا الحماس هو الامتداد الطبيعي لروح نوفمبر، لأن الطالب الذي يحوّل فكرته إلى مشروع ينفع مجتمعه يمارس شكلًا جديدًا من أشكال الاستقلال، هو استقلال القدرة على الفعل والإبداع، ونرى أن السيادة في عالم اليوم، لم تعد تُقاس بحماية الحدود وحدها، وإنما أصبحت تُقاس أيضًا بقدرة الأمة على إنتاج المعرفة التي تحتاجها، وإيجاد حلول لمشكلاتها بعقول أبنائها.
ونشير إلى أن الجامعة الجزائرية سائرة في هذا الاتجاه من خلال ربط البحث العلمي بحاجات المجتمع والاقتصاد الوطني، وتوجيه المخابر نحو قضايا الماء والطاقات المتجددة والفلاحة الصحراوية والصحة والرقمنة، وتعزيز حضور اللغة الإنجليزية في التعليم العالي بما يفتح أمام الباحثين الجزائريين أبواب التواصل مع العالم والمشاركة في إنتاج المعرفة الإنسانية.
ونؤكد أن العلوم الإنسانية والاجتماعية شريك أساسي في هذا المسار، لأنها تمنح المجتمع اللغة التي يفهم بها نفسه ويحفظ بها ذاكرته؛ فالتاريخ الذي يُكتب من أرشيفنا الوطني، والفلسفة التي تقرأ تراثنا وحاضرنا بعين العقل، وعلم الاجتماع الذي يرصد تحولات الأسرة والمدرسة، كلها في نظره أشكال من السيادة المعرفية التي تكمل ما تحققه العلوم التقنية والتطبيقية.
ونخص بالذكر المدارس العليا للأساتذة بمكانة خاصة في هذا المشروع، لأن الأستاذ الذي تكوّنه اليوم هو الذي سيقف غدًا أمام أجيال لم تعش الثورة، ويحمل إليها رسالة نوفمبر في صورة قيم حية تتعلق بحب الوطن والإخلاص في العمل والإيمان بالقدرة على صنع المستقبل، ونرى أن هذه المدارس، بتاريخها العريق وإسهامها في تكوين أجيال من المربين، تواصل أداء هذه الأمانة بروح متجددة تجمع بين الوفاء للذاكرة والانفتاح على متطلبات العصر.
ونختم قراءتنا في هذا المقال بالتذكير بأن نوفمبر بدأ بنص كتبه رجال آمنوا بأن هذا الشعب قادر على أن يصنع مصيره بنفسه، وأن الجامعة الجزائرية اليوم، بطلبتها وأساتذتها وباحثيها ومؤسساتها الناشئة، تكتب فصلًا جديدًا من ذلك النص، فصلًا عنوانه العلم والمعرفة والابتكار. ويرى أن الأجيال الجديدة ستجد في هذه الجامعة الدليل نفسه الذي وجده آباؤهم في بيان أول نوفمبر: أن الجزائر قادرة على أن تبني مستقبلها بعقول أبنائها.
الجامعة الجزائرية سائرة في هذا الاتجاه من خلال ربط البحث العلمي بحاجات المجتمع والاقتصاد الوطني، وتوجيه المخابر نحو قضايا الماء والطاقات المتجددة والفلاحة الصحراوية والصحة والرقمنة، وتعزيز حضور اللغة الإنجليزية في التعليم العالي بما يفتح أمام الباحثين الجزائريين أبواب التواصل مع العالم والمشاركة في إنتاج المعرفة الإنسانية.