-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الأستاذة تسعديت ياسين تُوصِينَا خيرًا باللغة الفرنسية!

الأستاذة تسعديت ياسين تُوصِينَا خيرًا باللغة الفرنسية!

الأستاذة تسعديت ياسين جزائرية مختصة في علم الإنسان (الأنثروبولوجيا)، وُلدت عام 1949، ورحلت إلى باريس منذ عقود وتشغل حسب ما ورد في سيرتها منصب مديرة دراسات في مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية (EHESS) بباريس، وهي متخصصة في الثقافة البربرية، ولا سيما قضايا اللغة. كما تدير مجلة “أوال” (Awal) التي تأسست عام 1985 بالاشتراك مع المرحوم مولود معمري. ومن مؤلفاتها “سارقو النار” و”ابن آوى أو مكر المقهورين” و”إن كنتَ تحبني فاشفني”، وأشرفت على نشر يوميات جان الموهوب عمروش (1906-1962).

قبل أسبوع، نشرت هذه الكاتبة مقالا في جريدة “لوماتان دالجيري” Le Matin d’Algérie بعنوان “حول الاستعمال الجيد للفرنكوفونية، أو فنّ تحرير الفرنسية من الاستعمار” تدعو فيه الجزائر إلى حسن التعامل مع اللغة الفرنسية واعتبارها لغة أساسية، “لغة غنيمة حرب”، في البلاد نظرا لماضيها الذي انغرس في عقول الجزائريين، وتوضح أن الفرنسية لم تعد لغة المستعمر داعية إلى تحريرها من هذه العقدة.

1. “الجزائر تتجرّد مما اكتسبته بالدم والموت”

استهلت تسعديت ياسين مقالها بهذه الفقرة: “بلد [الجزائر] أنهكته 132 سنة من الاستعمار، وعرف انتفاضات وثورات وحروبًا عديدة، ولم يتردد في أن يتخذ لغة الآخر سلاحًا للتحرير، بعد أن تجاوز كل العقبات الأيديولوجية والعقائدية لينال سيادته. وها هو الآن، بعد قرنين تقريبًا، يتجرّد مما اكتسبه بالدم والموت”. وتواصل بهذا الأسلوب، فتقول: “غير أنّ المنغلقين على لغة واحدة، الحريصين على إرضاء أنانيتهم، والمسكونين بنزعة محافظة تاريخية، والمفتونين بقوالب عتيقة أنكلوسكسونية، قرّروا بعد الاستقلال تحويل بلد فتِيّ نابض بالحياة إلى متحف نموذجي على صعيد العادات والأخلاق، لا على صعيد التكنولوجيا”. وهكذا ترى الكاتبة أن “المنغلقين على لغة واحدة” أرادوا الحفاظ على العادات والتقاليد والأخلاق البالية وجعلها أساس هوية البلاد، على حساب تقدمه العلمي والتكنولوجي وتطويره ومواكبته للعصر.

وتنهي الكاتبة مقالها بالفقرة التالية: “في الختام، يندرج هذا القرار “المبيد للثقافة” ضمن استعمار داخلي يهدف إلى إفراغ الجزائر من نخبتها، الأكثر إبداعًا والأكثر التزامًا بالدفاع عن مصالحها الثقافية وعن الذاكرة، وذلك لإغراق الجزائر في الظلامية والجهل”.

من الواضح أن الأمر يتعلق بخطاب أيديولوجي دفاعي لا بخطاب تحليلي، يبني أفكاره على مغالطة تاريخية حين يجعل الفرنسية “سلاح تحرير” ويتجاهل أنها كانت بالدرجة الأولى أداة هيمنة نخبة وازدواجية اجتماعية. كما يصف مؤيدي تنويع اللغات بالانغلاق والأنانية والافتتان بالأنكلوسكسونية، بدل مواجهة الحجة بالحجة. من جهة أخرى، فإن استخدام عبارتي “الإبادة الثقافية” و”الاستعمار الداخلي” تزييف مفاهيمي خطير؛ فالفرنسية لم تُحذف، والعربية باقية، والقرار سيادي للبلاد. كما تتجاهل الكاتبة هنا الدوافع العملية لخيار التربية والتعليم: الإنكليزية لغة العلم والبحث، والفرنسية تراجعت نسبيًا لا كليًا في الجزائر والعالم. والأغرب في المقال أن خطاب “مقاومة الاستعمار” يفرض وصايته على الآخرين، ويحوّل النقاش حول التعليم والاقتصاد إلى اختبار للوطنية. وباختصار فهذا الخطاب هو ببساطة دفاع عن موقع سلطة نخبة فرنكوفونية بلغة الضحية، وانحطاط فكري يستبدل البرهان بالتخوين والتهويل.

2. “لغات تحمل في ذاتها خطيئة الاستعمار”

تقول تسعديت ياسين في فقرة أخرى: ” أن نتبنّى الإنكليزية، لغةً إضافية، لغةً فرضت نفسها على مرّ السنين، لغةً «علمية» وعالمية، فهو في حدّ ذاته مكسب طيّب، وانفتاح على عالم أرحب. لكن أن نذهب من ذلك إلى الاعتقاد، وإلى جعل الناس يعتقدون، بأن هناك لغات تحمل في ذاتها خطيئة الاستعمار ولغات أخرى لا تحملها فذلك بمثابة محاولة إخفاء الشمس بالغربال”.

نعتقد أن مضمون الفقرة مضلِّل لأنه ينسب إلى الخصم ادعاءً لا يقوله أحد، وهو أن اللغات تحمل في ذاتها خطيئة استعمارية، بينما النقاش الحقيقي يتعلق بالإرث المؤسسي للفرنسية وهيمنتها في الإدارة والتعليم لا بـ”روح” اللغة. والكاتبة تخلط بين تبنّي الإنكليزية كلغة إضافية -وهو أمر بديهي لا خلاف فيه- ونقد احتكار الفرنسية. فتنتقل الكاتبة من مسلّمة إلى ردّ على خصم مختلق. وأخيرًا، نقول إن استعارة عبارة “إخفاء الشمس بالغربال” بلاغة تتهرّب عبرها الكاتبة من الأسئلة العملية: كيف تُدرّج الإنكليزية، ومن يستفيد منها؟ وما العمل كي لا تُستبدل هيمنة بهيمنة أخرى؟

3. علم الاجتماع وعلم الأعراق

تقول صاحبة المقال بخصوص علم الاجتماع: “لا يخلو هذا القرار [إزاحة الفرنسية] من أوجه شبه مع السياسات التي انتُهجت في سبعينيات القرن الماضي، حين أعلن المسؤولون آنذاك أن علم الاجتماع علم استعماري، وأنه لا ينبغي تدريسه”. وتُحيل الكاتبة في هذا السياق إلى مقال المرحوم مولود معمري المعنون “تجربة أنثروبولوجية في الجزائر”، المنشور عام 1985، والذي نقل فيه -حسب ما نفهم من الكاتبة- بعض تصريحات المسؤولين خلال المؤتمر الرابع والعشرين حول علم الاجتماع.
والمفارقة أن الكاتبة تُنهي الفقرة نفسها بالجملة الآتية: “شهدت العلوم الاجتماعية، التي عُرِّبت جزئيًا، انسحابَ الأساتذة الفرنكوفونيين المكوَّنين في هذه التخصصات منها لصالح التعليم بالعربية. ولم تدرك الجهات السياسية إلا بعد وقت طويل -بعد 1992- خطورة هذا الخطأ الجسيم”. نلاحظ أن هذه الجملة تناقض سابقتها إذ تثبت أن علم الاجتماع ظل يدرس في جامعاتنا مع أن المسؤولين (حسب الجملة الأولى) يقولون “إن علم الاجتماع علم استعماري لا ينبغي تدريسه”!

وهذا التناقض ليس الوحيد في هذا الموضوع. فهذه الأحكام تنطوي على تبسيط مخلّ بالتاريخ، وهي أقرب إلى التصوير الكاريكاتوري منه إلى التحليل المتزن. فالادعاء بأن المسؤولين الجزائريين أعلنوا في سبعينيات القرن الماضي “أن علم الاجتماع علم استعماري لا ينبغي تدريسه” اتهام خطير لا يستند إلى أي مرجع محدد: فلا اسم لقائل هذا التصريح، ولا تاريخ له، ولا السياق الذي ورد فيه. والأكثر إثارة للإشكال أن هذا الادعاء يبدو أنه يخلط بين علم الاجتماع وعلم الأعراق (الإثنولوجيا) الاستعماري، الذي سَخّرت بعض تياراتها بالفعل لخدمة مصالح الهيمنة الفرنسية. ذلك أن علم الأعراق يدرس الأصول والجذور والأعراق والدين واللغة والبنية الاجتماعية للمجموعات العرقية أو القومية، وهذه الدراسات كانت دائما السند الأول للغزاة قبل عملية الغزو.

وبعد التحرّي يبدو لنا أن الكاتبة تقصد في الواقع ما ورد على لسان المرحوم محمد الصديق بن يحيى وزير التعليم العالي والبحث العلمي آنذاك في افتتاح المؤتمر الدولي الرابع والعشرين لعلم الاجتماع بالجزائر، المنعقد من 25 إلى 30 مارس 1974: هذا هو النص الذي جاء في خطاب المرحوم بن يحيى: “إن علم الأعراق يبدو لنا اليوم، سواء بالنظر إلى الظروف الذي نشأ فيه أو إلى مسلّماته الأساسية، متقادم من حيث مناهجه وضوابطه، وضعيف الصلاحية من الناحية العلمية، لأنه علم يقوم عمومًا على مسلّمات قابلة للطعن”.

وقال بن يحيى أيضا حول “علم الأعراق الاستعماري”: “كان دوره يتمثل في توفير المعلومات عن نمط التنظيم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للشعوب المراد غزوها أو التي كانت قيد الغزو… وهو يشكّل منظومة متكاملة لتبرير ماضٍ ولّى، ومن ثمّ فهو يمثّل خطرًا علميًا”. وفي الخطاب نفسه أشاد الوزير بن يحيى بعلم الاجتماع معتبرا إياه “سلاحًا متميزًا لتحرير شعوب العالم الثالث”. ومن هنا نرى أن وزير التعليم العالي كان في خطابه ينتقد علم الأعراق الذي استغله الاستعمار في كل بلدان العالم وليس نقدا لعلم الاجتماع الذي كان محلّ إشادة باعتباره سلاحا مميّزا لتحرير الشعوب. فكيف تخلط الكاتبة بين علم الاجتماع وعلم الأعراق إلى هذه الدرجة؟ وكيف لم ترجع إلى التصريحات الرسمية للتطلع على حقائق تبني عليها حججها؟

4. أخطاء نحوية ومطبعية وتاريخية

في الأخير، نلاحظ أن الكاتبة أضعفت مصداقيتها كثيرا بسبب إهمالها في كتابة مقالها الذي يبلغ عدد كلماته نحو 1400 كلمة، ويتخلله 41 خطأً نحويًا ومطبعيًا وتاريخيًا، منها أسماء أعلام من المثقفين، مثل كتابتها Olivier Leclerc بدل Xavier Le Clerc، وMouhoud Mouhoud بدل El Mouhoub Mouhoud، وBorjes بدل Borges. ولا يفوتنا هنا الصمت عن اللغة العربية، التي ذُكرت مرة واحدة فقط لقول إن بعض المواد تُدرَّس بها، إضافة إلى الغياب التام لذكر الدور التاريخي للدين الإسلامي كسند للغة العربية، وهذا ما يبتر التحليل ويوجّه النص نحو قراءة انتقائية للمسألة اللغوية الجزائرية. أما الصحيفة، من جهتها، فتتحمل مسؤولية تحريرية ثقيلة: ترك 41 خطأً نحويًا ومطبعيًا وتاريخيا في مقال كتب باللغة التي تدافع عنها الكاتبة والصحيفة معا، يكشف عن خلل في المراجعة التحريرية للنصوص، ويضرّ بمصداقية المقال. كما يدعم شكوك من يرون أن معالجة هذا الموضوع محكومة باعتبارات أيديولوجية تأتي قبل سواها من الاعتبارات.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!