لا أمريكا ولا مجلس الأمن… الصحراويون وحدهم يقرّرون المصير!
تتصدر الواجهة السياسية الدولية اليوم تقارير مقلقة حول ما يسمى بـ “المسودة الصفرية” الأمريكية، التي تحاول بعض الدوائر داخل الإدارة الأمريكية وداخل اللوبي الصهيوني العالمي فرضها على مجلس الأمن الدولي كمشروع قرار، مستغلة موقع أمريكا كـ “حاملة القلم” في صياغة قرارات المجلس حول النزاع.
إن هذا المشروع، من حرفه الأول إلى آخره، يمثّل انحرافا خطيرا عن قواعد الشرعية الدولية، وسقوطا مدويا لقرارات مجلس الأمن السابقة نفسها. والأكثر خطورة أنه يشكل تهديدا مباشرا للأمن والسلم الإقليمي والدولي؛ لأنه يقوم على منطق استبدادي أحادي يشرعن انتهاك القانون الدولي، ويدوس على الحق المقدس للشعوب، كل الشعوب، في تقرير مصيرها وفي سيادتها على أوطانها وثرواتها ومستقبلها. بل ويصل التجاوز إلى حدود إسقاط اللياقة الدبلوماسية عندما يحاول تمجيد مساهمات مزعومة للإدارة الأمريكية الحالية تجاه النزاع، متجاهلا حقيقة أن فرض الأمر الواقع الاستعماري المغربي كـ “حل أوحد” أو حتى “كحل أمثل” يوجّه رسالة كارثية للمجتمع الدولي مفادها أن “شريعة الغاب والقوة هما من تصنعان الحق”، لا قواعد العدالة والقانون، ولا المبادئ الإنسانية، ولا حتى المنطق والمصلحة المشتركة في بناء عالم مبني على الاحترام المتبادل، والتعاون، والتشارك البناء.
غير ان ما لا يفهمه من صاغ القرار، هو أن الشعب الصحراوي مؤمن بحقوقه، ومتمسك بها، ولن يقبل أي وصاية لا من أمريكا، ولا من غيرها، كما أنه مصمم على خيار المقاومة بكل الوسائل المتاحة، ومستعد لبذل الثمن الضروري لدحر الاستعمار. فليس للولايات المتحدة الأمريكية، ولا لأي قوة على وجه الأرض، الحق أو القدرة على فرض نظام استعماري أو إملاء واقع قسري على الشعب الصحراوي. هذه المحاولات ستصطدم بصخرة التاريخ والشرعية والمنطق، وستصطدم بالأساس بقدرات الشعوب على اجتراح المعجزات، وعلى إفساد حسابات المستعمرين التي أثبت التاريخ فشلها دائما.
تستطيع واشنطن أو غيرها دعم الاحتلال المغربي سياسيا، اقتصاديا أو دبلوماسيا إن أرادت، لكنها عاجزة تماماً عن تركيع الإرادة الصحراوية أو إخضاعها، فأي محاولة لفرض هذا الأمر الواقع الاستعماري تفتح أمام الشعب الصحراوي كل خيارات المقاومة المشروعة التي كفلها له ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي حتى دحر الاحتلال ونيل الاستقلال التام.
وينبغي أيضا تذكير الجميع بأن سيادة الشعب الصحراوي على بلاده مطلقة، ولا تقبل التفاوض ولا التنازل. بل لا تملك أمريكا، ولا مجلس الأمن، ولا أي هيئة دولية صلاحية تقرير مصير الصحراء الغربية أو العبث بوضعها القانوني كإقليم محتل وخاضع لمسار أممي لتصفية الاستعمار.
وحده الشعب الصحراوي، ممثلاً حصرياً وشرعياً بجبهة البوليساريو، يمتلك هذا الحق السيادي المطلق. فمصيرنا لم يكن يوماً هبة من أحد، ولن نمنحه لأحد وقد قرره الشعب الصحراوي منذ 1973 حين أطلق رصاصة الثورة بوجه الاستعمار، ثم جدد تقريره في 1976 بإعلان قيام دولته الحرة المستقلة: الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، ليعود ويؤكد ثباته على الخيار في بناء دولته وترسيخها في 1982 و2000 عضواً كامل العضوية في منظمة الوحدة الأفريقية ثم عضوا مؤسسا للاتحاد الأفريقي.
وبالتالي، فإن رسالة الشعب الصحراوي للمنتظم الدولي، بدوله ومنظماته وشعوبه دون استثناء، أن الجمهورية الصحراوية هي حقيقة جغرافية، وتاريخية، وقارية، ودولية راسخة لا رجعة فيها. وكل ما على المنتظم الدولي إدراكه هو أن أي محاولة التفاف استعماري على قرار الشعب الصحراوي لن يزيد الأزمة إلا اشتعالاً، ولن يزيد المنطقة إلا اضطرابا.
وعلى العالم أيضا أن يتذكر بأن جبهة البوليساريو، ومنذ انطلاقتها في ماي 1973، نجحت في ترسيخ مسار نضالي مشرف، محكوم بأسمى مبادئ القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني. فلقد واجهت الجبهة الاحتلال المغربي عسكرياً بشرف مع الالتزام التام بقواعد الاشتباك، ولم تنجرّ يوماً إلى مستنقع الإرهاب، بل كانت سباقة إلى التعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر لحماية أسرى الحرب المغاربة حتى إطلاق سراح آخرهم سنة 2005.
من جهة أخرى، لم يكن انخراطها الصادق والمسؤول في المسار السلمي طيلة العقود الماضية قط ضعفاً، بل كان ترجمة لقناعتها الراسخة بأن السلام العادل المبني على الشرعية الدولية هو السبيل الوحيد لإنهاء الاحتلال ولاستتباب الأمن في المنطقة. غير أن هذا السلام لا يمكن بتاتا أن يكون استسلاماً لمشيئة المحتل ولا لعرابيه وحماته كائنا من كانوا.
والمثير للقلق حقا الآن، هو أن ما تسعى الإدارة الأمريكية لفرضه اليوم لا يمثل خطراً على الشعب الصحراوي وحده؛ فشعبنا الذي تجرّع مرارة الظلم لعقود ماضية صامد ولن يهنأ له بال حتى انتزاع النصر وفرض إرادته الحرة في الوجود. الخطر الحقيقي يكمن في انهيار ما تبقى من مصداقية المنظومة الدولية والقانون الدولي، لأن السماح بفرض واقع استعماري في الصحراء الغربية تحت مسميات “الحكم الذاتي” أو تحت أي مسمى آخر غير تصفية الاستعمار، سيفتح الباب على مصراعيه أمام قوى البغي والتوسع لغزو جيرانها، مدشنة بذلك عصراً مظلماً من الحروب الاستعمارية التي ستعيد العالم إلى شريعة ما قبل الحربين العالميتين، وحينها لن تنفع سياسات الترقيع، ولا الترويع، ولا التهدئة.
وختاماً فإن الضمير العالمي الحي يفرض اليوم على كل الدول المسؤولة الوقوف بحزم ضد هيمنة الحلف الذي يسعى لاستبدال القانون الدولي بشريعة الاستبداد. وليس أمامهم إلا خياران، خيار دعم سيادة القانون والسلم والأمن الدوليين واحترام حق الشعوب في الحرية، وفي المساواة وفي تقرير المصير والتعايش البناء، أو خيار قانون الغاب، والقهر، والاعتداء والتوسع على حساب الغير، والإبادة الجماعية كما يؤمن البعض.
إن الحل العادل والوحيد للنزاع في الصحراء الغربية يبدأ من الاعتراف الصريح من قبل مجلس الأمن وغيره بأن المغرب قوة احتلال لا سيادة لها على شبر واحد من الصحراء الغربية، ولا يحق لها تقديم أي مبادرات استعمارية. وينتهي بإجبار الاحتلال المغربي على إنهاء وجوده العسكري والاستيطاني بالأراضي الصحراوية المحتلة. وينبغي له أن يسمح بتمكين الأمم المتحدة ومجلس الأمن من فرض استفتاء حر، ديمقراطي ونزيه، يمنح الشعب الصحراوي حقه الكامل وغير القابل للمساومة أو الإلغاء او التفاوض في الاختيار بين خيارات متعددة تتصدرها السيادة والاستقلال الوطني.
ما عدا ذلك فهو حرث في البحر، ووهم سياسي لن يولد إلا المزيد من عدم الاستقرار والتوتر في منطقة حساسة من العالم. وبالتالي، فعلى القوى الكبرى أن تدرك بأن صوت الشعب الصحراوي أعلى من كل المناورات، وأن إرادته أقوى من كل الإملاءات، وأن ليس لديه ما يخسره سوى القيد، وأمامه كل الربح الذي يستحق التضحيات.