الرأي

الجانحون للاستسلام!

سلطان بركاني
  • 695
  • 0

في فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، أخذ المتحدّث باسم الجيش الصهيونيّ المحتلّ “أفيخاي أدرعي” مصحفا، وقال: “وأنا أقرأ القرآن، استوقفتني هذه الآية”! وفتح المصحف على قول الله تعالى في الآية 61 من سورة الأنفال: ((وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ))، ثمّ علّق قائلا: “الإسلام يدعو إلى السّلام، بل ويدعو المسلمين لأن يكونوا أول المبادرين إليه، حقنا للدّماء، وإبقاءً على الأمن والأمان والعلاقات الإنسانية، وتفضيلا للاستقرار والازدهار”!

الفيديو المذكور، ليس الوحيد الذي يحشر فيه متحدث الجيش الصهيونيّ نفسه في مسائل الدين الإسلاميّ وقضايا المسلمين ويرتدي عباءة المفتي ليعلّم المسلمين دينهم وبين لهم المحرّم والممنوع من الواجب والمشروع؛ فهناك عشرات المقاطع التي يوجّه من خلاله “أفيخاي” نصائحه للمسلمين، وكلّها نصائح تصبّ في اعتناق الدين العالمي الجديد الذي يراد للمسلمين وحدهم أن يتبنّوه ويدينوا به؛ دين “من ضرب وجهك الأيمن فأدر له الأيسر”، دين الاستسلام والخضوع للمحتلّ المعتدي، بذريعة حقن الدّماء ووأد الفتنة!

“أفيخاي أدرعي” يزعم أنّ الآية التي ساقها، شدّت انتباهه وهو يقرأ القرآن (!)، وكأنّه حقيقة مولع بتلاوة كتابٍ هو أبغض كتاب إلى اليهود.. ولو كان “أدرعي” يقرأ القرآن كما زعم، لانتبه إلى أنّ الآية التي استلّها من سياقها وردت في سورة الأنفال التي تحرّض على قتال الأعداء المعتدين، وأنّ 5 آيات قبل الآية التي قرأها أدرعي، تحثّ المؤمنين على قتال الخائنين وإعداد العدّة اللازمة لإرهابهم، يقول الله تعالى: ((إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)))، وإذا انتقلنا أربع آيات بعد آية السلم في سورة الأنفال، فإنّنا نجد قول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ)) (الأنفال: 65).

ثمّ إنّ آية الجنوح للسّلم التي تعلّق بها أدرعي، تخصّ المحارب الذي يجنح للسّلم ويُظهر الرغبة فيه والصدق في طلبه، فهذا الذي يسالَم ويوادع، أمّا الذي يصرّ على العدوان ويَظهر منه الإمعان في القتل والاحتلال؛ فهذا يسمى عدوا صائلا، تجب على أهل البلد مدافعته، فإن لم يمكنهم ذلك، وجب على أهل البلاد القريبة إعانتهم على ذلك، لقول الله تعالى: ((وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)).

أفيخاي أدرعي، يهوديّ متطرّف ليهوديته التي سوّغ له سفك دماء الأبرياء، ويجد في مزمور 18: 37- 42 من كتابه المقدّس: “أَتْبَعُ أَعْدَائِي فَأُدْرِكُهُمْ، وَلَا أَرْجِعُ حَتَّى أُفْنِيَهُمْ. أَسْحَقُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ٱلْقِيَامَ. يَسْقُطُونَ تَحْتَ رِجْلَيَّ. تُمَنْطِقُنِي بِقُوَّةٍ لِلْقِتَالِ. تَصْرَعُ تَحْتِي ٱلْقَائِمِينَ عَلَيَّ. وَتُعْطِينِي أَقْفِيَةَ أَعْدَائِي، وَمُبْغِضِيَّ أُفْنِيهِمْ. يَصْرُخُونَ وَلَا مُخَلِّصَ. إِلَى ٱلرَّبِّ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَهُمْ. فَأَسْحَقُهُمْ كَٱلْغُبَارِ قُدَّامَ ٱلرِّيحِ. مِثْلَ طِينِ ٱلْأَسْوَاقِ أَطْرَحُهُمْ”!. والجيش الذي يتحدّث باسمه أفيخاي جيش توراتيّ ملتزم بهذه النصوص الدينيّة في تعامله مع المسلمين في فلسطين وفي غيرها، والآية التي قرأها من القرآن لا يرى أنّ جيشَه معنيا بها، فهي بالنسبة إليه موجّهة إلى الضعفاء الذين لا يحقّ لهم إلا أن يحنوا رقابهم لليهود ويكونوا عبيدا عندهم!

المصيبة أنّه ليس أفيخاي وحده من يتنبنّى هذا الخطاب الذي يدعو المسلمين إلى موادعة من يحاربهم ويحتلّ أرضهم ويدنّس مقدّساتهم، فهناك مسلمون يُنسبون إلى العلم، يردّدون خطاب أدرعي، ويعرضونه للمسلمين في ثوب الموقف الشرعي الذي لا يسع المسلمين غيره! بحجّة أنّ المسلمين مستضعفون وليسوا بقوة اليهود وحلفائهم! وبحجّة أنّ جهاد اليهود المحتلين لا يشرع إلا بإذن ولاة الأمر الذين لهم الحقّ في تقدير ما إن كانت الأمّة تستطيع جهاد المحتلّ أم إنّها لا تملك إلا أن تهادنه وتصافيه وتطبّع معه! والمصيبة أنّ ولاة الأمر هؤلاء الذين ينتظر قرارهم، كثير منهم يتولّون الذين كفروا ويسارعون فيهم ويتودّدون إليهم ويمكّنونهم من حرمات المسلمين!

ليس التيار السلفي المدخليّ هو وحده من يروّج لهذا الفكر الانبطاحي الاستسلاميّ أمام الصهاينة والصليبيين، فالفكر الصوفيّ القبوريّ الخرافيّ أيضا له قدم سبق راسخة في هذا الاتّجاه، وحتّى الفكر الشيعيّ الذي يتبنّى الثّورة على الظّلم، يوجد بين معتنقيه –خاصّة أصحاب التوجّه الأخباري- من يستدعي “التوجّه الحُسينيّ” في المواجهة مع أهل السنّة، ولا ينشط في استدعائه عند المواجهة مع الصهاينة والصليبيين، بل قد وجد مؤخرا من يدعو إلى التخلّي عن التوجه الحسيني، لصالح ما يراه توجها حَسنيا –نسبة إلى الحسن بن علي رضـي الله عنها- والمصيبة أنّه لا يستدعي هذا التوجّه ليتعامل به مع المسلمين فقط، بل ليتعامل به –كذلك- مع الصهاينة المعتدين، ولعلّ من أبرز من يمثّل هذا التوجّه: المعمّم الشيعيّ “علي الحسينيّ”، عرّاف قناة العربية، الذي كتب في خضمّ العدوان الصّهيونيّ الآثم على غزّة ولبنان: “صلح الإمام الحسن يعد نموذجاً يُحتذى به في التعاملات السياسية والسلمية، ولهذا علينا أن نعيد التفكير في كيفية استخدام هذه المبادئ في واقعنا المعاصر”!

مقالات ذات صلة