الجزائر
نالت لقب أحسن مصممة لها... "كريمة حميشي" لـ "الشروق":

“الجبة القصراويّة” جزء من التراث الثقافي للمرأة الجزائرية ويستحيل تقليده

فاطمة عكوش
  • 662
  • 0
ح.م

تعتبر حميشي كريمة، رمزا للمرأة المثابرة والتي تمكنت رغم الصعوبات التي واجهتها في حياتها العملية، أن تفتك لقب أحسن مصممة لجبة أهل القصر.
وكانت حميشي في بداية مشوارها تخيط وتبيع إنتاجها للنساء من الأقارب،  وللتاجرات، وتحصل مقابل تعبها على مبالغ محدودة، وبحكم طيبتها وثقتها بالآخرين، كانت بعض التاجرات يشترين منها الجبة بأسعار زهيدة، ثم يعِدن بيعها بأسعار أعلى، فكن يكسبن أموالا طائلة.
استمر هذا الوضع لسنوات، حسب قول محدثتنا، إلى غاية سنة 2012، عندما بدأت شبكة الإنترنت تدخل تدريجياً إلى البيوت وتفتح أبواباً جديدة أمام أصحاب الحرف التقليدية.
هنا أدركت “كريمة” أن عليها أن تبحث عن طريق جديد للوصول إلى الزبون مباشرة، فدخلت عالم مواقع التواصل الاجتماعي، وبدأت تعرض صور منتجاتها وأعمالها، لتكتشف أن هناك سوقاً واسعاً يتجاوز حدود قريتها ومنطقتها.
وقالت لـ”الشروق”، بأن البداية “كانت متواضعة، لكن الطلبات بدأت تصل إليها من مناطق مختلفة من الوطن، ومع ازدياد شهرة أعمالها، ارتفع الإنتاج، وتحسنت مداخيلها، وأصبح بإمكانها الوصول مباشرة إلى الزبائن بدل الاعتماد كلياً على الوسطاء”.
وأكدت، أنها كانت تتوجه أحيانا رفقة زوجها إلى غاية محطة النقل البري بالخروبة بالعاصمة لتسليم الطلبات إلى زبائن قدموا من مناطق مختلفة.
فكان المشهد بالنسبة إليها يحمل الكثير من المعاني “امرأة ريفية من إغربيين، تحمل في يديها منتجاً تقليدياً صنعته بنفسها، وتسلمه لزبائن جاءوا من مناطق بعيدة”.

تساعد زوجها وتحمي تراثها
لم تكن كريمة تنظر إلى عملها باعتباره وسيلة لتحقيق الاستقلال المالي فحسب، بل أصبح مصدر دخل يساعدها أيضاً في تحمل أعباء الحياة ومساندة زوجها الموظف، وهكذا تحولت الخياطة من حرفة تعلمتها بإصرار من والدها إلى مشروع عائلي يساهم في تحسين ظروف الأسرة، لكن النجاح لم يكن نهاية القصة، فبالنسبة إليها هناك معركة أخرى لا تقل أهمية، وهي الحفاظ على هوية الجبة القصراوية.
وحسب تعبيرها “هذا الزي ليس مجرد منتج تجاري يمكن تقليده وإعادة إنتاجه من دون احترام أصله، وإنما جزء من التراث الثقافي للمرأة القصراوية، ولهذا تتمسك بحق منطقتها ونسائها في هذا الإبداع، وترفض أن تُطمس هوية الجبة أو أن تنسب إبداعاتها إلى جهات أخرى”.

ابنة تحمل رسالة أبيها
اليوم، وبعد سنوات من العمل، أصبحت كريمة اسماً معروفاً في مجال خياطة وتصميم الجبة القصراوية، واستطاعت أن تطور نماذج متعددة منها، وأن تجعل من الحرفة التقليدية مشروعا ناجحا، لكن وراء هذا النجاح قصة إنسانية أعمق، إنها قصة أبٍ تحدى الإعاقة، وعمل بيديه، ثم أصر على تعليم ابنته مهنة لم تكن تحبها في البداية، وقصة فتاة فقدت والدها في مقتبل العمر، وظنت للحظة أنها فقدت سندها الوحيد، قبل أن تكتشف أن والدها ترك لها شيئاً أكثر دواماً من المال، ترك لها المعرفة والحرفة.
وبين خيط وإبرة، وبين ورقة قديمة وذاكرة لا تموت، واصلت كريمة الحكاية،
إنها حكاية امرأة ريفية لم تجعل من اليتم نهاية الطريق، بل جعلت من إرث أبيها بداية جديدة، امرأة تحولت من فتاة كانت تتهرب من دروس الخياطة إلى واحدة من الوجوه التي تساهم اليوم في الحفاظ على الجبة القصراوية وتطويرها، لتظل ذاكرة المرأة القصراوية حاضرة في كل غرزة، وفي كل قطعة قماش، وفي كل جبة تحمل عبق المكان.

سرّ الأسود والأحمر…
تعتبر الجبة القبائلية لمنطقة “لاث لقصر” من بين الملابس التقليدية الشعبية بولاية البويرة، وهي فخر للعديد من النساء، خاصة أولاد راشد، وأهل القصر، كون  مظهرها وألوانها يدل عن ماض غني في تقاليد المنطقة.
وتميزت الأسطورة التي بقيت في الذاكرة الجماعية بخصوص استخدام اللونين  الأسود والأحمر في صنع جبة آث القصر، إلى قصة حقيقية حدثت بالمنطقة خلال العصور الوسطى.
ويتعلق الأمر بالأميرة “لالة ملاوة” التي انتحرت بعد رفض والدها زواجها من الأمير “مسطمبل”، وتقول الأسطورة المتداولة بين السكان، أن عدم موافقة والدها بالزواج بالأمير جعلت الأميرة تهرب إلى الجبال مع عاشقها، حيث عاشت معه بضعة أيام، قبل أن يلقى القبض عليها من قبل والدها الذي كان يعارض بشدة هذا الزواج، حيث قرر استرجاع ابنته إلى المنزل للإنتقام من الإهانة والإساءة التي سببتها لعائلتها، لكنها فضلت الانتحار، واختيار “لالة ملاوة” الموت الإرادي، أثار شفقة وحزن بين السكان المحليين وتحول “موتها الاختياري” إلى الحداد لجميع السكان، ولإظهار حزنهم، كانوا يرتدون منذ تلك الفترة اللون الأسود.
وإلى غاية اليوم، تفضل الفتاة والمرأة “القصراوية” ارتداء جبة أهل القصر بلونها الأسود والأحمر حتى في موسم الأعياد والمناسبات والأفراح، وهي بمثابة تحية للملكة.
للتذكير، فإن منطقة أهل القصر بالبويرة تعتبر من أشد المناطق محافظة على تقاليدها، ويعدّ هندام المرأة القصراوية من أشد رموز هذه المنطقة، كما يعرف عن بناتها حسنهن وجمالهن الفاتن، وتنفرد أهل القصر بزيها التقليدي الذي يعبر عن شخصية المرأة الأمازيغية الحرة الشريفة، وهو عبارة عن جبة قبائلية، فستان يتم خياطته من مختلف الأقمشة ومن مختلف الأصناف من اللونين الأحمر والأسود.
لكن خلال السنوات الأخيرة أدخلت الألوان الفردية أيضا في إعداد هذا اللباس التقليدي، كما ترتدي النساء بالمنطقة “الحايك” على ظهورهن، مما يجعل لباس جبة منطقة “آث لقصر” يتطلب سبعة متر من القماش لخياطته، في حين يصنع الحايك بالصوف الأسود، ويتم ارتداء شرائط حمراء وصفراء، وتلبس النساء الجبة القصراوية مع الفضة البيضاء، مزينة بزخارف ورموز مختلفة.
ويبقى ارتداء المرأة للباس التقليدي في منطقة أهل القصر تعبير عن ثقافة الأمازيغ العريقة، وتأكيد على التشبث بكل ما هو من تاريخ السلف.

مقالات ذات صلة