الجزائريون سيدفعون فاتورة رفع الأجور بأثر رجعي لسنوات طويلة
أكد شبايكي سعدان، الخبير الاقتصادي ورئيس الجمعية الوطنية للاقتصاديين الجزائريين، أن ظاهرة التضخم تمس الاقتصاديات الهشة التي تكون فيها الصادرات ضعيفة، ويكون فيها الاقتصاد غير متنوع والإنتاج ضعيف، مشيرا خلال منتدى “الشروق”، أن الاقتصاد الجزائري أصيب بهذا المرض وسيصاب بأمراض أخرى، داعيا الحكومة إلى تشجيع الإنتاج الوطني وتنويع الاقتصاد والكف عن توزيع الريع في شكل زيادات غير مبررة اقتصاديا في الأجور.
وحمّل الدكتور شبايكي، الحكومة المسؤولية الكاملة في انفجار معدل التضخم خلال السنة الجارية، وقال إن الحكومة تتخذ قرارات ثم تتراجع عنها، وبالتالي فإنها فقدت مصداقيتها في نظر الشارع، وأصبح المواطن لا يؤمن بالوعود التي تطلقها الحكومة العاجزة حتى عن تطبيق القوانين التي وضعتها.
وأضاف المتحدث في منتدى “الشروق”، أن الحكومة تتحمل مسؤولية ارتفاع معدل التضخم أيضا من خلال مؤسساتها، ومنها البنك المركزي الذي أصبح يصدر نصوصا عبر الجريدة الرسمية موجهة للخاصة من الناس، في حين كان يفترض في تلك النصوص، أن تكون مفهومة من قبل نصف المجتمع على الأقل، لأن القصد من الحراك الاقتصادي والتنمية هو المواطن، مشيرا إلى مسؤولية المجتمع أيضا من خلال أحزابه وجمعياته وبرلمانه الذي لا يسأل الحكومة عن أسباب عدم تطبيقها وتراجعها عن القوانين التي أصدرتها.
من جهته، دعا الخبير الاقتصادي والمستشار السابق في البنك العالمي، أمحمد حميدوش، إلى المزيد من الشفافية في تسيير العملة الصعبة من طرف بنك الجزائر، وقال حميدوش في منتدى “الشروق”، إن البنك المركزي لا يُسيّر رصيد الجزائر من العملة الصعبة بطريقة شفافة، مشددا على ضرورة تحرير العملية لصالح البنوك والشركات، والانتقال بسرعة نحو بنوك أعمال وبنوك استثمار تتمكن من مراقبة ومرافقة والتدخل في القطاعات والأسواق التي تحقق ربحية وفائدة للاقتصاد الوطني.
وقال الدكتور شبايكي، إن ظاهرة التضخم وإن كانت ملازمة للاقتصاد، إلا أنها أصبحت ملفتة للأنظار في الجزائر منذ بداية العام الجاري، حيث أصبح ارتفاع الأسعار يرهق المواطنين، وخاصة أصحاب المداخيل الثابتة من عمال وموظفين وأجراء.
وأضاف المتحدث، أن زيادة الأجور بدون مراعاة العوامل الاقتصادية الضرورية ومبالغة الحكومة في نفقاتها خلال السنوات الأخيرة بدون زيادة قدرات الاستيعاب الوطنية، ساهم في خلق قوة شرائية مفتعلة، لم يقابلها عرض محلي مقبول، عجل بالوصول إلى الوضعية التضخمية التي نعيشها منذ بداية العام، متوقعا أن استمرارها سنوات أخرى بسبب ضعف آليات مكافحة التضخم المعمول بها في العالم.
.
التضخم سببه الفوضى الاقتصادية وفشل جهاز الضبط
ورفض الدكتور شبايكي، مبررات الحكومة في ارتفاع التضخم، وقال إن السبب الحقيقي هو فوضى الأسواق والتراجع عن محاربة السوق السوداء، مضيفا أن الحل يكمن في إكمال المسار إلى نهايته، وليس إعطاء أنصاف الحلول، مطالبا الدولة بتخصيص فضاءات تجارية عصرية تليق بمقام دولة مثل الجزائر التي يتحتم عليها اليوم القضاء على الاقتصاد الموازي الذي يتحكم في دواليب الاقتصاد ورقاب الناس بحجم يفوق 40 مليار دولار بحسب المتحدث.
وقال ضيف “الشروق”، إن القطاع الموازي كله شر فهو يتضمن كتلة نقدية هائلة خارج السيطرة والمراقبة، مما يعني أن هناك أرباحا وعوائد تحصدها أطراف مجهولة الهوية بدون أن تمر على الضرائب، فضلا عن تشغيل هذا القطاع لآلاف العمال بدون حماية، ناهيك عن الخطر السياسي على مستقبل البلد، لأن القطاع الموازي يتجه ليصبح مسيطرا على رقاب الساسة.
ووقف المتحدث عند ارتفاع فاتورة الاستيراد التي تناهز سنويا حوالي 50 مليار دولار وما رافقها من تضخم مستورد من خلال اللجوء المبالغ فيه لاستيراد السلع الأساسية أو السلع الوسيطة والكماليات التي ساعدت في الزحف السرطاني للتضخم.
.
الخبير الاقتصادي أمحمد حميدوش:
”التراباندو” يمثل 60 % من الأموال المتداولة
رافع الخبير الاقتصادي والمستشار السابق في البنك العالمي، على أصحاب المدرسة النقدية التي تفسر الظاهرة التضخمية بأنها الزيادة في الكتلة النقدية، مشيرا خلال منتدى “الشروق”، إلى أن آليات مكافحة التضخم التي تطبقها الحكومة بعيدة كل البعد عن المعايير المطبقة في العالم في هذا الباب، في إشارة منه إلى سلبية موقف بنك الجزائر في التعامل مع الظاهرة بسبب عدم استقلاليته عن القرار السياسي.
وقال حميدوش، في الحالة الجزائرية هناك عجز تام وواضح في المعالجة والحد من تفاقم الظاهرة من طرف بنك الجزائر الذي لا يملك الحرية التامة في استعمال النسب ومعدلات الفائدة للتأثير على معل التضخم أو حتى مستوى الفائدة التي لا تتجاوز 3 بالمائة في المتوسط، في حين تجاوز التضخم مستوى 10 % بكثير.
وكشف حميدوش، أن حجم السوق السوداء الذي بلغ مستوى كبير جدا سيجعل من أي تدخل لبنك الجزائر في الظروف الحالية عديم الجدوى تقريبا لأن السوق الموازية تفوق 60 %من الأموال المتداولة.
وانتقد الخبير الدولي، السياسة المالية المنتهجة من قبل الحكومة، من خلال تركيزها على زيادة الإنفاق العام الذي يفوق قدرة الاستيعاب الوطني بعدة مرات.
وقال حميدوش، “هناك إنفاق مبالغ كبيرة في التجهيز والتسيير وزيادة مفتعلة في الأجور دفعت إلى رفع الطلب، مما جعل ارتفاع الأسعار هو المعامل الوحيد لخلق معادلة بين العرض والطلب، نتيجة غياب توازن بين السياسة النقدية والسياسة المالية في الجزائر في الوقت الذي يلتزم فيه بنك الجزائر الصمت.”
ورفض حميدوش، الأرقام الرسمية للتضخم المعلنة من قبل الحكومة، مشيرا إلى أن المعدل الحقيقي يفوق المعدل الرسمي بـ5 نقاط على الأقل. وذلك يعود إلى استعمال نماذج رياضية قديمة في حساب التضخم على الرغم من التحولات التي عرفها الاقتصاد الوطني وسلوك الأسر خلال السنوات الـ10 الأخيرة.
وشدّد ضيف “الشروق”، على أن الرقم الحقيقي والنهائي للتضخم يجب أن يعلنه البنك المركزي، لأنه يملك مدخولات أخرى متعلقة بالمخزونات والاستثمارات والواردات وتدفق الرساميل من وإلى الخارج وغيرها، وليس من الديوان الوطني للإحصاء، منتقدا غياب سياسة تواصل بين البنك المركزي وبقية مكونات المجتمع على عكس البنوك المركزية في الدول المتطورة المكلفة بحكم مهامها بثلاثة ملفات أساسية تتمثل في الحفاظ على النمو الاقتصادي والحفاظ على مستوى أدنى للتضخم والعمل على الحفاظ على مستويات أدنى للبطالة، وهو ما يدفعها لإعلان أرقام حقيقية بشأن النقاط المطروحة، وبالتالي ماهي السياسة النقدية الواجب انتهاجها خلال السنة، وماهي التصحيحات اللازمة، ومن المؤسف يقول حميدوش، أن الجزائر استنسخت قانون النقد والقرض سنة 1990 من فرنسا، ولكنها لم تستنسخ إيجابيات القانون الفرنسي.
.
الدكتور شبايكي
لماذا لم تجدد الحكومة المجلس الوطني للإحصاء؟
طالب سعدان شبايكي، الحكومة بالإسراع في إعادة بعث المجلس الوطني للإحصاء المنتهية عهدته منذ فترة طويلة، وقال ضيف “الشروق”، إنه لا يمكن لاقتصاد ما أن يأخذ قرارات صحيحة في ظل غياب أرقام صحيحة، مضيفا أن ديوان الإحصاء يعطي أرقام متباعدة، وفي العادة تكون سنوية وغير دقيقة.
وأوضح شبايكي، أن مشكلة البيانات في الجزائر هي مشكلة المجلس الوطني للإحصاء الذي انتهت عهدته ولم يجدد، مما يتطلب بعث المجلس بناء على معايير دولية لأن الجزائر مطالبة ببناء اقتصاد أمة، وما يجري في العالم يهمها لأنها اليوم في الدائرة ومحاصرة دائريا من جميع النواحي، وهي اليوم تتكالب عليها جميع الأمم، والغريب أننا لا نعرف حتى كيف نحسب أمورنا الداخلية يقول المتحدث.
أجور الموظفين والعمال تتآكل يوما بعد آخر منذ بداية 2012
وكشف سعدان شبايكي، أن عين المراقب المحايد لا تخطأ، التآكل الذي تتعرض له المداخيل الثابتة للموظفين والعمال في الجزائر منذ بداية العام الجاري، مضيفا أن أي موظف يستطيع أن يلتمس أثر التضخم من خلال تآكل دخله الثابت”أجره” بصفة يومية، مما يضطر الأسر إلى إعادة ترتيب الأولويات والحاجيات، فتتنازل في النهاية على الكثير من الأشياء وتبقي فقط على الأشياء الأساسية وعلى رأسها الغذاء.
وأضاف المتحدث أن التأثير الأخر الملاحظ، نراه من خلال ظاهرة خطيرة تتمثل في تأخر إنجاز المشاريع بسبب إعادة مراجعتها بسبب ارتفاع الأسعار الداخلية والخارجية، مضيفا أنه يجب القول إننا نظلم أنفسنا عندما نقول إننا في اقتصاد السوق، أو في اقتصاد مخطط، نحن في مرحلة وسط وهي مرحلة الانتقال والتحول التي لها شروطها وظروفها وقواعدها وملابساتها، وما زلنا نتلكأ في أخذ الأمور بحزم، فقضية إعادة تقييم المشاريع تمر عبر ماراتون مالي وإداري رهيب، يجعلها بمجرد أن تنتهي تعود للبداية، على الرغم من أن الجميع يعلم أن الاقتصاد اليوم هو اقتصاد السرعة الذي يعتمد على المعلومة التي يجب أن تصل في الزمان والمكان المناسبين. وأوضح ضيف “الشروق” أن أثار التضخم على موازنة الدولة يظهر سنويا من خلال اللجوء إلى قوانين المالية التكميلية الذي هو دليل عدم تحكمنا في التقييم والتقدير.
.
الناطق الرسمي باسم اتحاد التجار والحرفيين:
50 % من الواردات متداولة في السوق الموازية و3 ملايير دولار تهرب ضريبي
*عودة القروض الاستهلاكية ستدفن القدرة الشرائية
قال الناطق الرسمي باسم اتحاد التجار والحرفيين الجزائريين الحاج محمد الطاهر بولنوار، إن مظاهر التضخم في الجزائر تجلت بوضوح في ظهور بنوك موازية التي تتداول فيها 50 %من المبالغ المالية في الجزائر، مؤكدا على أن نصف حجم السلع الغذائية المستوردة تمر عبر السوق والبنوك الموازية، وهذا أدى إلى ارتفاع غير مسبوق لنسبة التضخم.
وأوضح الحاج الطاهر بولنوار خلال ندوة “الشروق”، حول التضخم، أن السوق الموازي والبنوك الموازية ساهمت وبشكل كبير في ارتفاع نسبة التضخم في الجزائر، نظرا للكتلة المالية الهائلة المتداولة خارج الهيئات الرسمية، وأكد على أن السوق الموازي يعتبر سببا رئيسيا في ارتفاع الأسعار، وبعد ذلك زيادة التضخم، وهذا كون أسعار المنتجات في السوق الموازية تبقى مجهولة للجهات الرسمية وغير الرسمية ولا توجد جهة تسأل لا عن مصدر المنتج ولا نوعيته، ويبقى السعر الرسمي وسعر البيع والسعر المعلوم مجهول لدى الزبون،
واعتبر بولنوار أن السوق الموازية صارت تشكل خطرا على الأمن الوطني للبلد، وعامل من عوامل محاربة الاستثمار المنتج، والدليل هو ما صاحب عملية إزالة عدد من الأسواق الموازية من احتجاجات ومواجهات.
واتهم بولنوار السلطات العمومية بالتسبب في ارتفاع التضخم وانتشار الأسواق الموازية، مشيرا إلى أن كبح ارتفاع الأسعار يجب أن يكون مقرونا بإلزامية الفواتير والصكوك البنكية التي يجب أن تطبق على الحيتان الكبيرة أولا من مستوردين وتجار جملة، قبل تطبيقها على تاجر التجزئة، متسائلا كيف للدولة ألا تتفطن لكيفية دخول السلعة عبر الحاويات ومروها عبر الجمارك وغيرها، لكنها تتحرك فقط عندما تكون لدى أصحاب الطاولات؟
وبحسب بولنوار فإنه مما زاد السوق الموازي ومعه التضخم التهرب الضريبي حيث بلغت قيمته المالية 3 مليار دولار، حوالي 300 مليار دينار، وهذا بحكم اطلاع الاتحاد على ملفات الطعون لدى المصالح الضريبية، وانتشار ظاهرة السجلات التجارية الوهمية.
ومن مظاهر التضخم حسب بولنوار الانتشار الرهيب لظاهرة التعامل بالكريدي لدى تجار التجزئة، حيث صار 30 %من زبائن تجار التجزئة يتعاملون بالكريدي وخلال السنة الجراية زادت النسبة بـ 5 %عن السنة الفارطة.
وحذر المتحدث من عزم السلطات العمومية العودة إلى القروض الاستهلاكية معتبرا العودة إلى هذه الخطوة بمثابة الخطأ الفادح، حتى ولو كان القرض للمنتج الوطني، معللا ذلك باستغلال الخطوة من طرف المؤسسات لرفع أسعار المنتجات ومن تم ارتفاع التضخم وتراجع القدرة الشرائية، مؤكدا على أن القرض الاستهلاكي يجب أن تسبقه عملية إعادة هيكلة المؤسسات الوطنية حتى تقدم منتجات ذات نوعية وقادرة على المنافسة.
.
.
الحكومة أخطأت عندما رفعت الأجور بأثر رجعي منذ 2008
أجمع ضيوف منتدى”الشروق”، على خطأ الحكومة في زيادة الأجور بأثر رجعي منذ 2008، وقال أمحمد حميدوش، إن الحل ليس في زيادة الأجور، ولكن في اتخاذ آليات أولها إعطاء صلاحيات للبنك المركزي ومحافظ البنك، وضمان تلك الصلاحيات بقوانين صارمة، لأن محافظ بنك الجزائر غير مستقل، وبالتالي فقراراته دائما تكون مهزوزة نتيجة السياسة المالية التي تحكم فيها الحكومة عن طريق الميزانية السنوية أو المخططات الخماسية التي تفرض على الجميع بمن فيهم البنك المركزي الذي لا يستطيع محافظه رفض السياسة المالية للحكومة.
وتوقع المتحدث زيادة خطيرة في التضخم بسبب الخلل بين السياسة النقدية والسياسة المالية، وعجز محافظ بنك الجزائر على اتخاذ أية خطوة أمام استمرار الإنفاق الحكومي الذي يسبب المزيد من التوسع للكتلة النقدية.
.
يجب توجيه الدعم للفقراء فقط
ودعا حميدوش، الحكومة إلى المزيد من الحزم بخصوص زيادة الأجور، وطالب بربط الزيادة بعوامل الإنتاج والإنتاجية والتضخم، مع ضرورة إعادة النظر في طريقة دعم الفئات الهشة والفقيرة، وأن يكون الدعم للفئات المتضررة أكثر من التضخم والانتهاء بشكل تام من تطبيق سياسة الدعم للجميع.
ودعا المتحدث على ضرورة دعم الاستثمار المحلي والأجنبي، مشيرا إلى أن الحكومة لا تملك نظرة محددة لدعم الاستثمار، وهو ما دفعها للوقوع في الخطأ المتعلق بإصدار قانون 51 / 49 .
.
على الدولة إيجاد حلول لجمع إدخار المواطنين الرافضين للربا
قال الخبير الاقتصادي سعدان شبايكي، أن جزء كبيرا من الناس يعتقدون بحرمة الفائدة، ولكن هناك أموال كبيرة متاحة لم تجد طريقها للبنوك، مما يحتم على الدولة إيجاد قنوات لاحتواء تلك الأموال الضخمة حتى لا تذهب إلى جهة أخرى، مشيرا إلى ضرورة إطلاق البنوك التي تعمل وفق قواعد الشريعة لرفع الحرج عن الناس.
وطالب المتحدث بضرورة تفعيل دور البنك المركزي في ضوء ما يجري اقتصاديا جهويا ودوليا، مطالب البنك المركزي باستخدام سعر الفائدة استخداما اقتصاديا، وتوحيد النصوص الضريبة في مرجع واحد وتيسيره أمام المواطنين حتى ينفي الجهاز الضريبي عن تنفسه صفة الغول الذي يخيف المواطن.
