الشروق العربي
توفير المال نمط حياة

الجزائريون أمام درس صارم للادخار

نسيبة علال
  • 4488
  • 7
ح.م

يعرف عن الجزائري حبه تدليل النفس وإمتاعها بملذات الطعام، حتى إن الشعوب الأخرى تنظر إليه على أنه الجنس الوحيد الذي يلبس أغلى الماركات، ويتناول أطيب المأكولات براتب ضعيف.. وقد يقوم بسفريات ويتمتع بالعطل بعيدا عن البيت. فالجزائريون لا يدخرون وإنما ينفقون مداخيلهم المحدودة بلا حسابات.

تقوم عملية ادخار المال على دعامتين أساسيتين، قدرة الفرد على تخصيص جزء من دخله من أجل المستقبل، والرغبة الادخارية. وهي، حسب د. بربري أمين، أستاذ بكلية العلوم الاقتصادية بجامعة شلف، مسألة نفسية تربوية، تقوى وتضعف تبعا للدوافع التي تدعو إلى الادخار ومقدار تأثر الفرد بها. وهو ما لمسناه واقعا في المجتمع الجزائري، أثناء الأحداث الأخيرة، التي مر بها، جراء الانتشار المفاجئ للوباء المستجد، وتزامن ذلك مع أكثر المواسم التي ينفق فيها الجزائريون المال، وهنا انقلبت العديد من الموازين وتغيرت المفاهيم.. فالمعوز لم يعد كذلك بفضل تكاتف جهود الجمعيات والمحسنين، الذين وجهوا مختلف المساعدات صوبه، وظهرت فئة من المحتاجين المؤقتين، هم شخصيات عمومية، لديهم مشاريع صغيرة، ومصادر رزق خاصة، أو يعملون لدى ملاك هذا النوع من المؤسسات، اعتادوا إنفاق مداخيلهم بلا رقيب، وعيش البحبوحة المالية، سهوا عن إمكانية الوقوع في أزمات.

توفير المال نمط حياة

عادل. ب، رب أسرة، له أربعة أطفال، يعمل وزوجته في مجال الإلكترونيات بشركة خاصة، ويتقاضيان راتبين لا يقلان عن سبعين ألف دينار، لكنهما واجها هذه الفترة أزمة مالية بسبب قرار الشركة تخفيض الرواتب بنسبة 50 بالمائة، وبغياب مدخرات لهما في المنزل، تغير نمط عيشهما بالكامل، باتجاه الأسوإ. يعترف عادل: “.. السبب الوحيد الذي يدفعني إلى ادخار جزء من دخلي هو إقامتي في شقق الإيجار، إذ علي أن أوفر مبلغ الكراء السنوي، حتى لا أضطر إلى الاستدانة، عدا ذلك، أنفق أنا وزوجتي راتبينا في شراء مستلزمات الأطفال، والأكل في المطاعم والنزهة، اعتقادنا دائم بأننا لانزال شبابا، ويمكنا كسب المال بسهولة تامة، لم يحن وقت الادخار بعد، وعلينا أن نتمتع وأولادنا بالحياة..”. تأكد زوجة عادل أنها مستعدة لتقليل نفقات العائلة بعد أزمة كورونا المفاجئة، إذ عليها تحديد ميزانية للأزمات والطوارئ التي قد تمر بها.

عندما تتوازى المداخيل مع النفقات

يمثل الادخار، حسب خبراء في الاقتصاد، وسيلة لمواجهة أحداث المستقبل غير المتوقعة، وأسلوب احتياط للطوارئ، وهذا ما لم تدركه فئة واسعة جدا من الجزائريين، الذين كلما زادت مداخيلهم زادت مصاريفهم. هبة وعبد الكريم، نموذج حي عن زوجين ميسوري الحال، يتعرضان لأزمة حادة نتيجة غياب استراتيجية مالية لديهما، إذ يمتلك عبد الكريم ورشة لصناعة وطباعة قطع الديكور العصري، بينما تدير زوجته هبة ورشة لصناعة حلويات أعياد الميلاد، تقول: “مداخيل عملنا ممتازة، وبما أنه لدينا منزل خاص وسيارتان، لا نفكر أبدا في توفير المال، بل ننفقه عادة على السفر، وقد عدنا مؤخرا من رابع رحلة إلى تركيا، فاصطدمنا بانتشار كورنا بالجزائر، وبما أننا نقيم ونعمل في البليدة، لم يتسن لنا مواصلة العمل، بسبب استحالة التوصيل من ناحية، وعزوف الناس عن منتجاتنا..”. تشير هبة إلى أنها وزوجها اضطرا إلى الاتصال بزبائنهم لاسترجاع مقابل سلعهم المؤجلة، وبما أن الجميع في ضائقة، ولم يتحصلا على المال بهذه الطريقة توجها إلى الاستدانة.

بخصوص هذا، يشير خبراء إلى أهمية الادخار بالنسبة إلى الأفراد والدول، فالسلوك الفردي الذي يرى في الادخار فائدة ويعمل به درئا لمخاطر الكوارث والأزمات، يمكن أن ينعكس سلوكه إيجابا على المصلحة العامة، وتختفي ظاهرة الجشع والمضاربة والكثير من التصرفات السلبية التي تظهر في المجتمع أوقات الضيق. كما أن الادخار الفردي، سوف ينتهي إلى فوائد اقتصادية جماعية، تتمثل أساسا في الحد من الإسراف.

مقالات ذات صلة