الجزائريون يتفرّجون والألمان يعملون
على مدار سنوات، كان الجزائريون يتابعون فريقي برشلونة وريال مدريد بكثير من الدهشة، بعضهم يجلس القرفصاء شاخص الأبصار، كأنه في عرض أزياء لألبسة من كل الفصول، وآخرون يقفون أشبه بالتماثيل، “ميسي” يتحرّك ذات اليمين و”رونالدو” ذات الشمال، والجزائرين مثل المسامير المثبتة التي تقاوم قذفات هذا ومراوغات ذلك، وأكثر من ذلك انقسموا فريقين، أحدهما لا يتنفس سوى بياض مدريد، وآخر لا يشرب سوى من ماء برشلونة البنفسجي، وتحوّلت بيوتهم إلى محطات تقدم الاتجاه الكروي “الشوفيني” فقط، وساحاتهم العامة إلى حلبات فيها من اللكم ومن الضغينة ما يشيّب الولدان، فكانوا يعلمون أن برشلونة مدرسة كروية تقدم تلاميذها للعالم في أحلى صورة من الأداء والأخلاق، وأنصارها أشبه بالفنانين الذين يتابعون عرضا راقيا، وللأسف لا يتعلمون، وكانوا يعلمون أن ريال مدريد مؤسسة تجارية كبرى ناجحة لا تدخل صفقة، إلا وفازت بها..
وللأسف أيضا لا يتعلمون، فكان كلما صعد منحنى الناديين إلى القمة، نزل منحنى الكرة في الجزائر حتى لامس الحضيض، كما حدث في نهائي كأس الجزائر عندما تحوّلت المباراة إلى معركة، وفقد إداريو الفريق الخاسر أبجديات العمل الإداري، وأهمها البروتوكولات، إلى أن صرنا نستورد اللاعبين، فاختلط علينا “كادامورو” بـ”كارل”، و”أليادير” بـ”مبولحي” ولسان جفاف كرتنا: هل من مزيد؟ وأصبح ريال مدريد بالنسبة للمهووسين به فريق الأحلام الذي لا يمكن للواقع أن يطاوله، وبرشلونة بالنسبة للمهوسين به فريق لا يقهر، حتى ولو اختلط جن الملاعب وإنسها.
وفي المقابل، كان الألمان الذين سيطروا على أوروبا اقتصاديا وسياسيا، يتابعون إبداع برشلونة وريال مدريد، بكثير من الجدّ وليس للتسلّي، فكانت كرتهم ترتفع، وخططهم تطبق، إلى أن حان وقت الحسم، فقدموا فريقين ناطحا العملاقين اللذين بلغ سعر بعض لاعبيهما ربع مليار دولار، وقدمت ألمانيا ـ خلال سهرتين ـ نفسَها للعالم، وبعد أن كان ريال مدريد بنجومه التي ظن بعضنا أنها تحلق مع كواكب السماء لا تبزغ حتى تختفي البقية، دفعه فريق أسّس من الجذور يدعى بوريسيا دورتموند إلى أسفل البئر، وجلس مكانه.. وبعد أن كان برشلونة بنجومه يستهزئ بمنافسيه، فيمنعهم من لمس الكرة، فما بالك بمقارعته، لكن قدّم له بيارن ميونيخ درسا كرويا أنساه أبجديات اللعبة وأحرف الكرة، إلا ثلاثتها وأربعتها وجمعهما معا.
نعود الآن إلى الجزائر بعد هذا المشهد البديع، الخليط بين الرياضة والسياسة، والكثير من الثقافة، الذي قدمه الألمان، الذين كانوا على الدوام يزعمون أنهم أسياد العالم، ونتساءل عن حالتنا، وللأسف، فإن الصورة هي ذاتها، البعض شاخص البصر بنفس الجلسة القرفصائية يتابع هذه المرة الأصفر والأسود، بدلا عن بياض ريال مدريد، وآخرون يقفون مثل التماثيل، تداعبهم مناديل بيارن الأحمر من أجل إثارتهم، ولكن قد يثور، ثور الإسبان مرة أخرى، أما التمثال فإنه بالتأكيد لن يتحرك.
بالمختصر المفيد، الصورة يمكن مشاهدتها بنفس الملامح في السياسة والاقتصاد والعلم والتكنولوجية!