الجزائريون يفضلون أن تأكل الفئران أموالهم على البنوك!
تنطلق اليوم، رسميا عملية الاكتتاب لسندات الخزينة العمومية، على مستوى 4300 وكالة بنكية وبريدية، وسط جدل حول الجدوى الاقتصادية والمالية التي سيذرها القرض السندي، ومدى إقبال الجمهور العريض على اقتناء الأوراق المالية، في وقت يتخوف المواطنون من الصيغة الجديدة للتمويل، بعد أن أدرج عدد من الأئمة وعلماء الدين هذه المعاملة في خانة التعاملات الربوية .
الوزير السابق بشير مصيطفى:
قيمة السند تفوق القدرة الشرائية للمواطن البسيط
رجح الخبير الاقتصادي، كاتب الدولة لدى الوزير الأول المكلف بالإحصاء والاستشراف سابقا، بشير مصيطفى، إمكانية نجاح بيع الأسهم في السوق الجزائرية، عن السندات، التي قال إن عائدها المالي غير مغر ولا يثير اهتمام المواطنين، بحكم أنه لا يتجاوز 2500 دج عن كل 50 ألف دينار سنويا، في حين وصف قيمة السندات المعروضة للبيع بداية من اليوم بالغالية جدا على المواطن البسيط.
وقال مصيطفى لـ”الشروق” إن عرض أسهم الشركات العمومية للبيع سيجلب زبائن أكبر، من مختلف الفئات، بحكم أن مبلغ 1000 دج سيكون في متناول المواطن متدني الأجر، على خلاف مبلغ 50 ألف دينار الذي حددته الحكومة للسند الواحد، مطالبا: “افتحوا أسهم سونالغاز والجوية الجزائرية وغيرها من كبار الشركات للجمهور العريض، وسترون كيف ستجمعون أموال السوق الموازية في ظرف قصير”.
وأكد مصيطفى أن بيع الأسهم سيكون أكثر طلبا بحكم أنه لا يعتمد على الفائدة الربوية، وإنما يسير وفق مبدإ المرابحة، كما سيجعل الربح أكبر للمواطن مقارنة مع السند.
اقترح بيع أسهم الشركات العمومية بـ1000 دينار للتمكن من تمويل الخزينة
وهو ما سيغري العائلات الجزائرية لضخ مدخراتها، وسيقي الحكومة شر اللجوء إلى الاستدانة الخارجية.
وذهب مصيطفى أبعد من ذلك ليؤكد أن القرض السندي لن يجلب إلا كبار المستثمرين، على خلاف فتح أسهم الشركات العمومية أمام الجزائريين، الذي سيكون ذا جدوى وعائد اقتصاديين مهمين على الخزينة.
قال إن بنك الجزائر سينزل إلى الشارع إذا تطلب الأمر للبحث عن زبائن.. جبار:
اشتروا السندات… وارهنوها في ظرف 24 ساعة إذا احتجتم إلى الأموال!
كشف رئيس الجمعية المهنية للبنوك والمؤسسات المالية، بوعلام جبار، عن تفاصيل جديدة ستحيط بعملية إطلاق القرض السندي، بداية من اليوم، على مستوى الوكالات البنكية وبريد الجزائر ومقرات الخزينة الولائية، معلنا عن امتيازات سيتحصل عليها صاحب السند، إذا ما أراد الحصول على قرض بنكي، من خلال إمكانية رهن السندات أو بيعها إلى شخص آخر مباشرة بعد شرائها، وحتى في ظرف 24 ساعة من الاكتتاب.
وأفاد جبار، في تصريح لـ”الشروق”، بأن عملية بيع السندات ستنطلق اليوم عبر 4200 شباك على مستوى البنوك والبريد ومراكز الخزائن الولائية، وذلك بقيمة 50 ألف دينار، على مدى 6 أشهر. وكشف بالمقابل عن مباشرة البنوك حملات توعية للاقتراب من أصحاب الأموال والتجار والناشطين في السوق الموازية لإقناعهم بضخ أموالهم في القطاع الرسمي عن طريق اقتناء سندات، تتيح لهم رهنها مستقبلا إذا ما أرادوا الحصول على قرض، وسينزل بنك الجزائر، حسب جبار، إلى الشارع، إذا ما تطلب الأمر، لإقناع الجزائريين بالتعامل بهذا القرض الجديد، الذي أطلقت عليه الحكومة اسم “القرض الوطني للنمو الاقتصادي”، وذلك على غرار ما تم التعامل به لجمع أموال السوق الموازية بداية من شهر أوت الماضي.
وأضاف جبار: “لدينا إجراءات خاصة، وسنقترب من أصحاب الشكارة والمواطنين لإقناعهم بهذه الصيغة التمويلية الجديدة. والمواطنون مقتنو السندات ستكون لهم امتيازات خاصة في القروض على مستوى الوكالات البنكية وسيتمكنون من رهنها متى ما شاؤوا ولو أرادوا ذلك في 24 ساعة، ستكون العملية متاحة أمامهم”.
وبالنسبة إلى سقف القروض المزمع تجميعها عبر بيع سندات الخزينة العمومية المجهولة، قال جبار إن الأمر غير محدد إلى حد الساعة، وأن وزير المالية، عبد الرحمن بن خالفة، لم يحدد سقفا للقرض الذي سيستمر إلى غاية مرور 6 أشهر، ثم سيتم تقييم العملية للنظر في حجم الأموال المحصلة. فالمهم حسبه إنعاش السوق المالية وتحفيزها، وتوفير مجال آخر لتمويل مشاريع الدولة.
البروفيسور عبد القادر بريش:
“رجال الأعمال يردّون جميل الدولة .. والمواطن يريد صكوكا بدل سندات”
طالب الخبير الاقتصادي والمالي عبد القادر بريش وزير المالية عبد الرحمن بن خالفة باستبدال القرض السندي أو “سندات الخزينة المجهولة” التي ستعرض للبيع أمام الجمهور العريض بداية من اليوم، بصكوك إسلامية، موجهة لإنجاز مشاريع اقتصادية “مسماة”، مشيرا إلى أن الاعتماد على التعاملات المالية الإسلامية سيكون أحد شروط نجاح القرض الجديد.
وتوقع بريش خلال نزوله ضيفا بمنتدى جريدة “الشروق” أن تكون نسبة إقبال المواطنين على القرض ضعيفة خلال الأيام المقبلة، بسبب شبهة الفوائد الربوية، متسائلا عن سر تماطل وزارة المالية في تعديل قانون القرض والنقد، والإفراج عن خدمات مالية حلال، بالرغم من التعامل بها في الدول الغربية على غرار أمريكا وبريطانيا وحتى هونكونغ التي اعتمدت منذ فترة بيع الصكوك بدل السندات، في حين قال أن الإقبال سيكون من طرف رجال المال والأعمال الذين سبق وأن استفادوا من امتيازات الخزينة من إعفاءات جبائية ومزايا “أوندي” أو الوكالة الوطنية لترقية الاستثمار، مشددا “هؤلاء سيردون جميل الدولة، أما المواطن البسيط، فلديه الكثير من الخيارات لاستثمار أمواله، وبعضهم يفضل اقتناء الأورو والدولار والعقار والذهب على أن يشتري سندات مجهولة”.
وذهب بريش أبعد من ذلك، متسائلا عن ظروف إطلاق القرض قائلا أن هذه الأخيرة تهدد بفشله في المهد، على غرار تزامن الشروع في بيع السندات مع اقتراب شهر رمضان، وهو ما يجعل مدخرات الأسر موجهة لتغطية نفقات الشهر الفضيل، وكذا عدم تحديد سقف القرض من طرف وزير المالية، وهو ما يلف هذا المشروع بالضبابية والغموض، ناهيك عن عدم تحديد قائمة المشاريع التي سيتم تمويلها بعائدات السندات، الأمر الذي يجعل الجزائري يتساءل عن مصير أمواله، متحدثا عن انخفاض قيمة الدينار والتضخم المتوقع بـ4.8 بالمائة، وهو ما يجعل الفائدة المحددة بـ5 بالمائة تتراجع إلى 0.2 بالمائة.
تزامن القرض السّندي مع شهر رمضان يهدّد بفشله
وانتقد الخبير خطاب وزير المالية، الذي دعاه إلى أن يكون أكثر إقناعا للمواطن الذي سيتضامن مع الخزينة إذا ما اقتنى السندات، على خلاف ما صرح الوزير به عندما قال “نحن لا نتسول الشعب”، في حين توقع لجوء الحكومة للاستدانة الخارجية بداية من 2017، كخيار لتمويل المشاريع، وهو ما قال إنه سيكون مجد اقتصاديا إذا ما أتقنت الجهات المسؤولة الإنفاق وتسيير الأموال التي تأتي من الخارج، باعتبار أنه حتى الدول الكبرى تستدين، في حين ستغرق في الديون إذا ما حدث العكس.
عضو لجنة المالية عبد الباقي طواهرية ملياني:
القرض السندي ارتجالي وصغار المدخرين لن يغامروا في مشاريع مجهولة
قال عضو لجنة المالية والميزانية بالمجلس الشعبي الوطني، عبد الباقي الطواهرية ملياني، إن الحكومة تواصل بحثها عن آليات ومكانيزيمات مالية جديدة، رغم إدراكها أن العملية لم تلقى صدى بداية من الالتزام الجبائي وصولا إلى عملية الاكتتاب عبر قروض سندية، التي يلفها الكثير من الغموض قبل بدايتها حسبه، مشيرا إلى أن الوضع الاقتصادي للبلاد يفرض البحث عن نموذج اقتصادي ناجح، يخفف من حدة الضائقة المالية الناتجة عن انخفاض أسعار البترول.
وقال عضو اللجنة المالية لـ”الشروق” إن الاستدانة الداخلية إجراء حسن ومعمول به في عدة دول، حتى أنها أضحت صيغة ناجحة في فرنسا وبالتحديد باريس التي تعتمد على إقامة مشاريع تنموية محلية من الاكتتاب، مضيفا أن القرض السندي الذي سيتم إطلاقه اليوم يلفه الكثير من الغموض بالنظر إلى أن عملية الترويج له محتشمة جدا، ولم تأخذ حقها من الترويج، رغم معرفة المسؤولين الجزائريين بطبيعة المجتمع الجزائري الذي من الصعب أن يثق في الحكومة ويمنحها أمواله.
وقال ملياني أن الجزائريين لا يقبلون المغامرة بأموالهم في سندات سيادية مجهولة لا يعرف المشاريع التي سيتم تمويلها بها، وقدم مثالا بأوروبا عندما قال إن هذه السندات يحدد سقفها وطبيعة المشاريع الموجهة إليها”.
وأعاب عضو اللجنة المالية نسبة الفائدة التي تم تحديدها في القرض السندي المقدرة بـ 5 بالمائة للقروض أقل من 3 سنوات، ووصفه بالقرار الإرتجالي الذي أقصى الخبراء والاقتصاديين، وانفردت الحكومة بوضعه، مشيرا إلى أن القرض السندي كان يجب أن يطلق عبر البورصة وليس البنوك التي لا تزال تعيش حالة تخلف رهيب وبدائية، مشددا على أهمية منح هذه الآلية إطار قانوني يعزز ثقة المواطن بها، فالجزائري لا يثق في المؤسسات المصرفية.
الإمام بشير إبراهيمي:
القرض السندي “حرام” والتعاملات الإسلامية هي البديل
راهن الإمام بشير إبراهيمي، على فشل القرض السندي المرتقب إطلاقه اليوم، بالنظر إلى أن وزارة المالية تجاهلت طبيعة المجتمع الجزائري المقتنع في قرارة نفسه بأن التعاملات بالفائدة حرام، واستنادا إلى أن كل قرض جر نفعا هو ربا، ولفت محدثنا إلى أن الجزائري يفضل الاكتناز وأن “تأكل الفئران” أمواله على أن يراهن على قروض لا يعرف أي مشاريع سيتم تمويلها بها، مشيرا إلى أن هذا منطلق مجتمعي وليس له خلفية إيديولوجية.
وانتقد بشير إبراهيمي، إصرار المسؤولين على تجاهل مطلب التعاملات الإسلامية التي تعد ولا تحصى، وتذر فائدة للأفراد وعلى المجتمع، وأضحت تطبق في الدول الغربية، حتى أنه عبر عن امتعاضه من التوظيف الديني في القرارات الاقتصادية وتجاوز الصلاحيات بتجاهل المختصين في المجال الديني.
وقال ضيف “الشروق” إن عملية إطلاق القرض السندي لم تكن مؤطرة جيدا ولم تقم على دراسات أخصائيين واقتصاديين حتى أنه لا يندرج في البدائل المرضية للشعب الجزائري، وأعاب الإبراهيمي الفتوى التي أطلقها وزير المالية، بأن القروض السندية حلال، وقال إنه تدخل في صلاحيات وزارة الشؤون الدينية والأوقاف وحتى المجلس الإسلامي الأعلى الذي يبقى الجهة المخولة للإفتاء في غياب مفتى الجمهورية وهنا استعجل محدثنا ضرورة تعيينه حتى يكون المرجعية والضمان في القرارات المتخذة من طرف مسؤولي الدولة.
الجزائريون يفضلون أن “يأكل الفأر” أموالهم على التعاملات الربوية!
ولفت الطالب في الدارسات العليا في الشريعة الإسلامية، أنه كان حريا على الحكومة محاولة كسب صغار المدخرين لتحصيل أموالهم خاصة وأن ما يقارب 40 مليار دولار خارج القنوات الرسمية، وهي ميزانيات دول وإسترجاعها عبر التعاملات الإسلامية بالإضافة إلى تفعيل نظام الزكاة والأوقاف من شأنه أن يساهم في تمويل عدة مشاريع، وحتى ميزانية وزارات بعينها على غرار وزارة التعليم العالي، التضامن وقضايا المرأة مشيرا إلى أن الإلحاح على الحلول السهلة سيعطل الاقتصاد أكثر منه سيدفع بعجلة النمو.




