-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
لجُهودهم الـ "خرافية" وسط الدخان وألسنة اللهب

الجزائريّون يرفعون القبّعة لرجال الحماية المدنية وأعوان الغابات ويتضامنون مع المتضرّرين

نادية سليماني
  • 489
  • 0
الجزائريّون يرفعون القبّعة لرجال الحماية المدنية وأعوان الغابات ويتضامنون مع المتضرّرين

لم تكن الحرائق التي اجتاحت في الأيام الأخيرة عددا من ولايات الوطن، مجرد كارثة بيئية أتت على مساحات شاسعة من الغابات والأحراش، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لروح التضامن التي طالما ميزت المجتمع الجزائري في أوقات الشدة والأزمات. وبين ألسنة اللهب التي التهمت الأشجار والممتلكات في مناطق وعرة، برزت صور إنسانية مؤثرة لمواطنين هبوا لمساعدة العائلات المتضررة، في وقت سطّر فيه أعوان الحماية المدنية وأعوان الغابات ملاحم بطولية وهم يواجهون الحرائق في ظروف بالغة الصعوبة.

انتشرت عديد الصور والفيديوهات عبر منصات التواصل الاجتماعي، تظهر رجال الحماية المدنية وأعوان الغابات، وهم يدفعون بأنفسهم مقاومين ألسنة نيران وصلت عنان السماء، غير آبهين بما يتربص بهم من خطر، فكل شيء يهون بالنسبة إليهم، في سبيل حماية المواطنين وممتلكاتهم أولا.

وفي خضم هذه الأحداث المؤلمة، توجه الجزائريون عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي، بتحية تقدير وإشادة كبيرة إلى أعوان الحماية المدنية وأعوان الغابات الذين وجدوا أنفسهم في الخطوط الأمامية لمواجهة الحرائق. فقد أظهرت الصور ومقاطع الفيديو المتداولة حجم التحديات التي واجهها هؤلاء الرجال، وهم يتنقلون بين المرتفعات والمسالك الوعرة، حاملين معداتهم وسط درجات حرارة مرتفعة ودخان كثيف.

ولم تكن المهمة سهلة على الإطلاق، خاصة في المناطق الجبلية ذات التضاريس الصعبة، حيث حالت المنحدرات الحادة والطرق غير المهيأة دون وصول الآليات الثقيلة إلى بؤر النيران، ما اضطر أعوان الحماية المدنية والغابات إلى التدخل سيرا على الأقدام لمسافات طويلة، من أجل محاصرة ألسنة اللهب ومنع امتدادها إلى القرى والمناطق السكنية.

صور وفيديوهات لرجال إنقاذ “مُنهكين”

وقد عبّر كثير من المواطنين عن امتنانهم الكبير للتضحيات التي يقدمها رجال الإطفاء وأعوان الغابات، مؤكدين أن هؤلاء يستحقون كل التقدير نظير الجهود الاستثنائية التي يبذلونها في سبيل حماية الأرواح والممتلكات والثروة الغابية. وانتشرت على نطاق واسع صور لأعوان أنهكهم التعب بعد ساعات طويلة من العمل المتواصل، وأخرى تظهرهم وهم يتناولون وجبات بسيطة في قلب الغابات، أو يواصلون مهمتهم رغم الإرهاق الشديد. وفيديو مؤثر لعون حماية يطلب من أصحابه مغادرة المكان فورا، بعدما حاصرتهم ألسنة النيران من كل جانب، في موقع صعب التضاريس.

كما أثنى المواطنون على التنسيق المحكم بين مختلف الأجهزة المتدخلة، من حماية مدنية ومصالح الغابات والسلطات المحلية ومتطوعين، الذين شكلوا جميعا جبهة واحدة في مواجهة الحرائق. وساهم هذا التعاون في الحد من الخسائر وإنقاذ العديد من المناطق التي كانت مهددة بالاحتراق.

ومن جهة أخرى، ومع امتداد رقعة النيران إلى عدة مناطق، خصوصا القرى الجبلية والغابية، لم يتأخر الجزائريون في إطلاق حملات تضامنية واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وفي الميدان، حيث تحولت الصفحات الإلكترونية إلى منصات لتنسيق جهود الإغاثة وجمع التبرعات وتوفير المستلزمات الأساسية للمتضررين.

تبرّع بالمؤونة ومراهم الحروق لسُكان القرى

وعجت مواقع التواصل الاجتماعي، بحملات دعم نفسي ومعنوي، وبرسائل مواساة ودعاء وتشجيع، مع دعوات متكررة للوقوف إلى جانب السكان الذين فقدوا ممتلكاتهم أو اضطروا إلى مغادرة مساكنهم هربا من ألسنة اللهب.

وفي هذا السياق، تداول رواد التواصل الاجتماعي عشرات النداءات التي أطلقها مواطنون وجمعيات محلية لجمع المياه المعدنية والمواد الغذائية والأدوية ومراهم الحروق والأغطية والملابس، من أجل إيصالها إلى العائلات التي اضطرّت إلى مغادرة منازلها أو التي وجدت نفسها معزولة بسبب ألسنة اللهب. كما بادر كثيرون إلى فتح أبواب منازلهم لاستقبال المتضررين وتقديم المساعدة لهم، في مشهد يعكس عمق قيم التكافل المتجذرة في المجتمع الجزائري.

ومن بين الصور التي لقيت تفاعلا واسعا، تلك المنشورات التي دعا أصحابها المحسنين إلى التبرع لفائدة سكان المناطق المتضررة، حيث تكفل بعض المواطنين بشراء كميات معتبرة من المياه والمواد الغذائية، فيما تطوع آخرون لتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية، مؤكدين أن المحنة التي تمر بها هذه العائلات هي مسؤولية جماعية تستوجب تضافر الجميع.

ويرى متابعون أن مشاهد التضامن التي أبان عنها الجزائريون خلال هذه الأزمة تؤكد مرة أخرى قدرة المجتمع على التكاتف في أصعب الظروف، إذ تتحول المحنة إلى فرصة لإظهار قيم التآزر والتعاون التي ظلت حاضرة في مختلف المحطات التي مرت بها البلاد.

نداءات لتأمين الغابات والمحاصيل المتبقية

وبينما تتواصل جهود إخماد الحرائق ومساعدة المتضررين، يبقى الأمل معقودا على وعي جماعي أكبر بأهمية المحافظة على الغابات وحماية البيئة، إلى جانب تثمين الجهود الجبارة التي يبذلها رجال الحماية المدنية وأعوان الغابات، الذين يخوضون يوميا معركة شاقة ضد النيران في سبيل حماية الإنسان والطبيعة.

وأعادت هذه الحرائق إلى الواجهة النقاش حول ضرورة تعزيز ثقافة الوقاية وحماية الثروة الغابية، خاصة أن فصل الصيف يشهد كل سنة ارتفاعا في عدد الحرائق بسبب موجات الحر والعوامل الطبيعية، فضلا عن السلوكيات البشرية غير المسؤولة، مثل رمي النفايات والقوارير الزجاجية وإشعال النار في الأماكن الغابية.

لقد أثبتت الأيام الأخيرة أن الجزائر، مهما اشتدت عليها الأزمات، ومهما كاد لها الأعداء وتربص بها الحاقدون، تظل وطنا يجتمع أبناؤه حول قيم النخوة والتضامن، وأن رجال الميدان الذين يسهرون على حماية الأرواح والثروات الطبيعية يستحقون كل عبارات الامتنان والإشادة، لأنهم كانوا، ولا يزالون، خط الدفاع الأول في مواجهة واحدة من أصعب الكوارث التي تعرفها البلاد كل صيف. ففي عز اشتعال النيران انتشرت دعوات لإعادة التشجير وإحياء الغطاء الأخضر مجددا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!