الجزائري مكبوت ويخاف من مواجهة سيرته المكتوبة
نشط الكاتب عبد الرزاق بوكبة مؤخرا لقاء بالعاصمة في إطار ندوات ملتقى الأنوار للفكر الحر للاحتفاء بكتابه الأخير “يدان وثلاث بنات” تطرق فيها لكتابة السيرة الذاتية وأسباب تحفظ الكتاب الجزائريين عادة في فتح سيرتهم الحميمية، حيث يرجع بوكبة الأمر إلى غياب ثقافة الحرية الشخصية وهيمنة صوت الأسرة وعلو الصوت الجماعي على الصوت الفردي.
لماذا يخاف الكتاب العرب وخاصة الجزائريين وبالخصوص المعربين منهم من فتح سيرتهم الذاتية في الكتابة؟
تقول دراسة علمية أن 97 بالمائة من الأشخاص الذين نعطي لهم قلما فجأة ونطلب منهم أن يكتبوا شيئا، فإنهم يكتبون أسماءهم، أي أن الإنسان عفوي ميال إلى الحديث عن نفسه، وهذا ما يفترض أنه يجعل فن اليوميات والسيرة الذاتية والمذكرات أكثر الأجناس الأدبية انتعاشا، غير أن هناك عوائق موضوعية تحول دون أن يكون الأمر كذلك.
ذلك أن هذا النوع من الكتابات لا يمكن أن ينتعش في بيئة غير ديمقراطية وغير محترمة للحريات الشخصية وتقييم أفرادها على أساس ميولاتهم لا كفاءاتهم، بما يجعل جرعة التحفظ تطغى على جرعة الصراحة والاعتراف والبوح، فتبقى السير حبيسة الأوراق والأذهان، ويرحل الجميع من غير أن يكتبوها أو ينشروها.
علاقة الفرد في المجتمعات الأبوية بالأسرة والحومة والجماعة، بكل ما يتفرع عنها من علاقات، تقوم على الامتلاك، فالأب يعتبر الابن ملكه، والحومة تعتبره ولدها، وليد حومتي، والأمة تعتبره لها، بالتالي فما يقوله أو يكتبه عن نفسه يعنيها ويعطي صورة عنها وما عليه أن يتحفظ وهو يفعل ذلك وإلا نبذ وعد خارجا على الجماعة.
هل لذلك علاقة بثقافة الاعتراف الرائجة عند المسيحيين والستر المنتشرة في الثقافة الإسلامية؟
يمكن لهذا النوع من الكتابات أن ينتعش كقراءة، من باب الفضول أو ما يسمى في القاموس الجزائري “التقرعيج”، لأنها بيئة مكبوتة، لكن لا يمكن أن ينتعش ككتابة. وهذا واحد من العوامل المتسببة في ندرته في المشهد الجزائري، إذ نجد ثورة مفصلية مثل ثورة التحرير بلغ عدد شهدائها ما يساوي شعبا، لكن الفاعلين الذين كتبوا حضورهم فيها يعدون على أصابع اليدين، والحديث قياس على تجربة العنف والإرهاب في التسعينيات، حتى أننا نستطيع القول أن هذين الحدثين الكبيرين كتبا تخييليا من خلال الرواية أكثر مما كتبا من خلال المذكرات والسير الذاتية.
ما هي العلاقة بين السرد الحميمي بالفعل الديمقراطي في السرد الروائي؟
حين شرعت في نشر يومياتي ومفاصل من سيرتي الذاتية عبر فيسبوك، قبل أن تصدر في كتاب، تلقيت معارضة من زوجتي ومن بعض جيراني السابقين في قريتي ومن بعض أصدقائي الكتاب والمثقفين، بحجة أنني أفضح ما لا يجب أن يفضح، فقلت لهم إنني لا أملك طموحا سياسيا أو إداريا حتى أعتم على حياتي وأتحرج من نقل بعض جوانبها للناس.
غير أنني أتوقع أن هذا الواقع سيتغير بالتراكم، بفعل مواقع التواصل الاجتماعي التي بدأت تؤسس لواقع جديد هو أن الجزائري بدأ يكشف لنا عن حميمياته، خاصة من خلال الصور في انتظار أن يتكرس ذلك في شكل نصوص.