الرأي

الجزائر.. بطارية أوروبا وخزّانها الغازي

د. عمر هارون
  • 1090
  • 0

هزات متتالية يشهدها قطاع الطاقة في مرحلة مهمة من بداية الاستعداد لشتاء 2024، إذ تعرضت العديد من المنشآت الفنية المتواجدة بين روسيا وأوكرانيا على غرار محطة قياس الغاز “سودجا” لأضرار بالغة بعد الهجوم المستمر على منطقة كورسك الروسية من قبل الأوكران، ولا تزال روسيا تضمن 40 مليون متر مكعب يوميا عبر هذا الخط الذي يعدّ الأخير الذي ينقل الغاز بين الدب الروسي والقارة العجوز، يضاف إلى هذا اضطرابات كبيرة في الداخل الليبي أدت إلى تجميد آبار النفط بعد صراع محتدم حول تسيير البنك المركزي الليبي، وهو ما يحرم السوق من ما يقارب 1.2 برميل نفط يوميا، مما سيؤدي لارتفاع الأسعار في المرحلة القادمة خاصة مع ارتفاع الطلب العالمي على النفط والغاز، وهو ما يجعلنا أمام حتمية شتاء بارد بانخفاض درجات الحرارة وضعيف من حيث التموين بالموارد الطاقوية للدول الأوروبية التي ستبقى تعاني من تبعات الحرب الروسية – الأوكرانية في الأمد القصير والمتوسط.

توسّع رقعة الحرب وأسعار النفط
إن نحو 37 بالمئة من المعروض العالمي من النفط ينتج في منطقة الشرق الأوسط ويمر عبرها نحو 50 بالمئة من النفط العالمي المنقول بحرا، وهي مناطق تقع ضمن دائرة الحرب الدائرة رحاها في غزة والتي في حال توسّعها لتشمل البلدان المجاورة على غرار لبنان وسوريا والعراق واليمن من خلال مضيق “هرمز” ومضيق “باب المندب” وقناة “السويس” ستجمّد مرور براميل النفط للأسواق العالمية، وهو ما سيدخل العالم ضمن أزمة نفطية تحاكي تلك التي وقعت في 1973، ما يجعل أطراف الصراع تحاول تجنّب الدخول في حرب كاملة الأركان وتبقي كل ما يحدث بينها ضمن حالة الاشتباك، واقع يجعل احتمالية ارتفاع أسعار النفط مؤكدة في ظل الظروف الراهنة.

أسواق جديدة للروس في الصين والهند
تواصل روسيا الظفر بأسواق جديدة لطاقتها بشكل جعلها تحقق مداخيل إجمالية لسنة 2023 بنحو 183.5 مليار دولار متراجعة بـ46.3 مليار دولار عن ما تم تحقيقه في 2022، ويرجع ذلك بالأساس إلى تراجع أسعار النفط الروسي التي لم تتجاوز سقف 60 دولارا للبرميل لأن حجم صادراتها بقي في حدود 7.5 مليون برميل يوميا، ولمن يسأل عن العقوبات أقول إن روسيا، حالها حال إيران وكل الدول التي فرضت عليها عقوبات، تستعمل أسطولا من البواخر يسمى “أسطول الظل” وهي بواخر متخصّصة في نقل النفط ومشتقاته يبلغ عددها 630 ناقلة، تعمل بشكل سري في نقل النفط الروسي للمصافي الصينية والهندية ولبعض الدول الأخرى بتخفيضات وحسوم مغرية جدا، وهو الأسلوب الذي مكَّن روسيا من الإبقاء على صادراتها من النفط قائمة ومستمرة. هذه الجهود تضاف لأنبوب الرابط بين الصين وروسيا تحت تسمية “غاز أوف سيبريا” الذي ينتظر أن يدعّم بأنبوب ثان يحمل نفس التسمية لتصبح صادرات روسيا من الغاز المباشر تصل إلى حدود 40 مليار متر مكعب.

دور الهند والإمارات
على صغرها، أتمت الهند شراء شحنة من النفط الإماراتي جرى فيها استعمال عملات البلدين في تخليص العملية التجارية من خلال استعمال منصة مؤسسة Ripple التي تعتمد نظام “البلوكتشاين” وهذه المنصة تعدّ منصة تسوية وشبكة لتبادل العملات والتحويلات المفتوحة.

سوق الطاقة العالمي وخاصة الأوروبي بات على صفيح ساخن نظرا لحالة عدم التأكّد التي يحاول الجميع إخفاءها لكنها تسارع للظهور كل مرة، وهو ما يبقي الجزائر في خانة الدولة الأوفر حظا لتكون ملجأ الأوروبيين للحصول على الطاقة الموثوقة وبأقل تكلفة، خاصة أن الجزائر قادرة على الوصول إلى نحو 60 مليار متر مكعب سنويا مع صادرات نفطية تصل إلى المليون برميل يوميا، يضاف لها ما تعتزم الجزائر تصديره من الكهرباء المنتجة في الجزائر.

إن هذه العملية تؤكد استعداد دول “البريكس” للتخلي على الدولار والتوجّه نحو تقوية العملات المحلية وفق التكنولوجيات الحديثة في التعاملات المالية التي تجري، وهو ما يرفع من توتر سوق الطاقة خاصة أنه سوق تعوّدنا فيه على التعامل بالدولار الأمريكي، وهو ما سيفتح الباب على مصراعيه لدول تمارس عليها الولايات المتحدة الأمريكية ضغوطا لمنعها من تصدير نفطها، لكي تتعامل وفق نفس الأسلوب وتلجأ للتبادل باستعمال العملات المحلية وحتى عملات مشفرة ورقمية.

الجزائر الملجأ الآمن لأوروبا
كل ما سبق يؤكد أن سوق الطاقة العالمي وخاصة الأوروبي على صفيح ساخن جدا نظرا لحالة عدم التأكد التي يحاول الجميع إخفاءها لكنها تسارع للظهور كل مرة، وهو ما يُبقي الجزائر في خانة الدولة الأوفر حظا لتكون ملجأ الأوروبيين للحصول على الطاقة الموثوقة وبأقل تكلفة، خاصة أن الجزائر قادرة على الوصول إلى نحو 60 مليار متر مكعب سنويا مع صادرات نفطية تصل إلى المليون برميل يوميا، يضاف لها ما تعتزم الجزائر تصديره من الكهرباء المنتَجة في الجزائر، إذ أن الجزائر وصلت إلى إنتاج 25 جيغاواط ساعي من الكهرباء مع تراوح استهلاكها بين 10 إلى 19.5 جيغاواط ساعي، إلا أن متوسط ما نستهلكه خلال 10 أشهر من السنة يبلغ 10 جيغاواط ساعي ومنه تبقى ما يعادل 15 جيغاواط ساعي قابلة للتصدير وهو ما جعل الجزائر تنطلق في مفاوضات مع الإيطاليين والإسبان لربط ضفتي المتوسط بكوابل بحرية ناقلة للكهرباء تبلغ طاقة كل منها 2 جيغاواط ساعي كحد أقصى مما يجعل الكمية المستهدَفة خلال الأمد القصير ما بين 4 إلى 6 جيغاواط ساعي.

الهيدروجين الأخضر بوابته الكهرباء النظيفة
إن جهود الجزائر في تخفيض البصمة الكربونية للغاز واضحة وجلية، ولنا برنامج بقيمة 4 مليار دولار لهذا الغرض، لكن التحدّي المستقبلي يكمن في إنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر الذي بات الطلب عليه متزايدا في أوروبا.
والجزائر اليوم تتوجه لإنشاء محطات عملاقة لإنتاج الطاقة الكهربائية اعتمادا على سطوع الشمس، مع برنامج متكامل لتقوية شبكة نقل الكهرباء من مناطق الهضاب العليا والجنوب إلى الشمال، وهو ما يجعلنا نقترض إنتاج الكهرباء النظيفة وتصديرها بشكل مباشر لإنتاج الهيدروجين الأخضر من خلالها، لأنّ أكبر تحدّي في إنتاج الهيدروجين هو عملية نقله، كما أن توجيه المستهلكين خاصة الطالبين للضغط المنخفض للطاقات البديلة من خلال حثّهم على تنصيب محطات منزلية لإنتاج الكهرباء واحد من الحلول التي ستسمح للجزائر بتخفيض استهلاكها للغاز خاصة ذلك المستعمَل في إنتاج الكهرباء، وهو ما يرفع من القدرة التصديرية للجزائر في مادة الغاز، والتي -إن استمرّت الاستثمارات المحلية والأجنبية في الوصول إلى الجزائر بهذه الوتيرة- سنكون أمام إنتاج يفوق 160 مليار متر مكعب في آفاق 2050.
إن الجزائر اليوم تستغل كل مكوّنات المزيج الطاقوي لتكون قادرة على الوفاء بالتزاماتها اتجاه شركائها في الأمد المتوسط والطويل نظرا لنجاحها الباهر في المدى القصير، هذا التحوّل الذي جعل الجزائر الفاعل الرئيسي في سوق الطاقة الأوروبي أقلق العديد من الأطراف وجعل الجزائر تصبح شوكة في حلق عديد الاقتصادات العالمية نظرا لأنها قاب قوسين أو أدنى من السيطرة على السوق الأوروبية، بتحوّلها تدريجيا إلى بطارية أوروبا وخزانها الغازي، وهو ما يقلق العديد من الأطراف، خاصة بعد توافد عدد مهم من الاستثمارات الأجنبية، لكن الجزائر ماضية في مسارها وستنتصر، بإذن الله.

مقالات ذات صلة