الرأي

الجزائر في 2027….نعم الوعد وبئس الوعيد، بين المناعة والخنوع!

عمار تو
  • 120
  • 0

تُستشرف سنة 2027 على أنها سنة مصيرية يتكرس فيها بإحكام، المرور إلى اقتصاد جزائري في خضم تنوعه وفي مرحلة اقلاع تاريخي مرتقب في أفق  2029 /2030، وذلك في طلاق دون رجعة، عند هذا الأجل، مع مفهوم بلد، دوما، في طريق النمو. وفي المقابل، تناوئ ”إرادات” أخرى هذا الطرح، فتبذل الخطب السليطة والمرافعات الجدلية لاحتواء تجسيد الاستشراف الأول.

سنحاول استقراء هذا الجدل من خلال المراحل الصاخبة التي عرفها الاقتصاد الجزائري، سعيا منا في المساهمة في استجلاء الحكم الأصح، والجزائر على أبواب مرحلة مفصلية ستكون لها تداعيات مصيرية على البلاد والعباد. فالمسار الطويل المضني لاقتصاد الجزائر وصناعتها منذ استعادة سيادتها الوطنية في سنة 1962، قد عرفت، تواليا، مقدامية، فشموخا، فزيغانا، فتيهانات، فصحاء عابرا، فحسابات سلطوية أنانية إلى حد الانسداد الاقتصادي تبعه، أخيرا، إنبعاث الآمال الكبار في إقلاع البلاد هو، اليوم، على مرمى حجر، يدعمه تنوع اقتصادي حق،  منتظر انطلاقا من نهاية 2027.

فالآمال في خلاص اقتصادي منتظر في أفق 2027/ 2028، باتت، اليوم، مفتوحة ميسرة. وباتت مؤشراته المعتمدة، واسعا، من قبل  المؤسسات المالية الدولية، واضحة القراءة  في معترك أشد الصعاب الخارجية. فالقراءة الوافية الموضوعية لآخر تقرير لصندوق النقد الدولي الصادر بتاريخ 6 جوان 2026، يوفر، بفصاحة شافية، أدوات تدحض القراءات الجزئية المغرضة الانحيازية التي كان  الاختصاصيون النزهاء قد حددوها، فخبروها فدمروها.

فبرنامج العمل المتقدم التنفيذ ميدانيا، بمشاريعه الكبرى المهيكلة عالية الطموح، قد عرف، إلى جانب رفع التجميد عن مشاريع كثيرة (أخرى) الذي كان، أسفا، قد طبق بين 2014 و 2019، وبالخصوص في ميداني الصحة والسكة الحديدية، قد عرف، بحرص كبير، بعثا جديدا في الإنجاز، ابتداء من سنتي 2021/ 2022.  وقد تم استلام البعض من مشاريع هذا البرنامج ويوعد باستلام الباقي منها قريبا.

ويتعلق الأمر، أساسا، بالبنيات القاعدية (التحتية) الاستراتيجية المهيكلة، مثل استمرار توسيع شبكة الطرق التي تبلغ، اليوم، حوالي 145000 كيلومتر، كلها، على العموم، معبدة مصنفة.  وكذا تكثيف شبكة السكة الحديدة لتبلغ، في أفق 2029/ 2030، حوالي 15500 كلم حيث أشغال الإنجاز، اليوم، حثيثة على مستوى أكثر من عشرة خطوط.

ويتعلق الأمر، أيضا، بالبنيات المرفئية (المينائية) القاعدية على غرار ميناء عنابة المعدني العملاق المهيأ لتصدير الأسمدة والمخصبات  الفوسفاتية والآزوتية  ابتداء من مارس 2027، والمنتجة من خامات فوسفات  بلاد الحدبة ( ولاية بئر العاتر). وكذا البنيات القاعدية للمطارات الجديدة أو تلك المبرمجة للتوسعة والتحديث.

ويتعلق الأمر، كذلك، باستكمال المشروع الاستراتيجي الكبير المتعلق بتحلية مياه البحر لتغطية الحاجيات الوطنية من الماء الشروب بنسبة 62% في أفق 2030.

ونفس الشأن بالنسبة للبنيات القاعدية الجامعية والصحية ومنها تلك المتعلقة بالصناعات الصيدلانية التي تغطي، اليوم، حوالي 82% من الحاجيات الحالية للجزائر.

وهو نفس الأمر بالنسبة لبنيات قاعدية طاقوية استطاعت تغطية مجمل حاجيات البلاد الحالية، رغم الأعطاب الظرفية، سريعة الاحتواء، وبالخصوص خلال أوقات الذروة الحرارية الاستثنائية كتلك التي عرفتها الجزائر في صيف 2026.

وكذلك الحال، بالنسبة للتجهيزات الخاصة باستغلال المناجم وتحويلها  مثل  تلك  المتعلقة بمناجم الحديد والباريت والبانتونيت والفيلسبات والزنك والرصاص وغيرها من بين  حوالي 26 معدنا صناعيا مرصودة على الخريطة المعدنية لحد الآن.

كما يستحق الذكر، في هذا المجال، إطلاق الزراعات الزيتية والسكرية على نطاق واسع بغرض استكمال حلقة الاكتفاء الذاتي في زيت المائدة والسكر الأبيض، لا سيما بعد استلام الطاقات الصناعية الجديدة الهامة وكذا استرجاع المصانع العمومية التي كان التنازل عنها لصالح القطاع الخاص قد تم بأبخس الأثمان وفي أسوإ الظروف أو كانت قد أهملت لحجج واهية.  وكذا مصادرة مصانع ومشاريع مصانع من القطاع الخاص التي كانت محل اختلاسات فصلت فيها العدالة.

فيتعلق الأمر، بالفعل، بحركية إبداع هدفها استحداث المؤسسات الناشئة المبتكرة التي بلغ عددها، لحد الآن، 9000 مؤسسة ناشئة من 20000 مؤسسة ناشئة مبرمجة للإنشاء، دعما لصناعة رقمية وليدة طموحات واسعة التنوع، في توافق مع الورشة الاستراتيجية الكبيرة للرقمنة التي لا مناص منها والتي راحت، اليوم، تزحف بسرعة لتدارك التأخر الكبير عن الدول الأكثر تقدما. وهي تأتي، أيضا لتندرج، بالنسبة للخلق والابتكار، ضمن إطار آفاق أكثر طموحا، في امتداد الإقلاع الاقتصادي الذي تترقبه البلاد.

هي آمال يتيحها  الثبات على بناء روافع  الأمن الوطني الذي يطمئن النفوس بارتياح كبير بالنظر إلى  ما تحقق  من طموحات تنظيمية وصناعية  كبار أو ما هو قيد التحقيق أو ما سيتحقق في مستقبل واعد في ميادين الصيانة والتصنيع العسكريين ذات الصلة. وهذا في احترام دائم لحياد الجزائر العام والثابت عليه منذ 1962. بل حتى منذ مؤتمر ”باندونغ” المؤسس له ذات أفريل سنة 1955 بين الغرب والشرق اللذين راحا يتكيفان معه رغم عدائهما الخلقي المتبادل. حياد ترجمته بروعة فائقة، زيارة الرئيس الجزائري الأول أحمد بن بلة إلى ”’كوبا” في 15 أكتوبر 1962، قادما من زيارة رسمية للولايات المتحدة الأمريكية تلبية لدعوة من الرئيس الأمريكي الديمقراطي جون كينيدي، على متن طائرة كوبية بترخيص استثنائي، بالمناسبة، من قبل الولايات المتحدة الأمريكية. فكانت التفاتة من أحمد بن بلة، لتلطيف حالة الحرب الباردة التي كانت مستعرة بين المعسكرين المتنازعين: المعسكر الغربي الرأسمالي والمعسكر الشرقي الاشتراكي. حياد أو ”عدم انحياز” تريده الجزائر، اليوم، من ”فوق” على طريق الإقلاع الاقتصادي المنتظر في تطور ذاتي النماء، يستند إلى تنوع صناعي واسع بما في ذلك صناعة التجهيزات مصنعة آلات الإنتاج  كما كانت قد تبنته في سنوات 1970 السياسة التصنيعية الجزائرية بإنشائها  الشركة وطنية لهذا الغرض (Almo) بقسنطينة.

فتجارب الدول التي كنا قد اتخذناها كأمثلة دراسية مقارنة ضمن دراسات أخرى موازية (الصين، البرازيل، المكسيك، إسبانيا، تركيا، كوريا الجنوبية وماليزيا)، تفيدنا، بالضرورة، كأمثلة في الصمود والمثابرة بغرض تصحيح الإعوجاجات والبحث عن الحلول الملائمة لكل المشاكل. وقد عرفت هذه البلدان، هي أيضا، أعقد الصعاب الخصوصية أو المشابهة لما عرفه ويعرفه مسار اقتصاد الجزائر بفعل الراهنية و/أو بسوء التسيير بمفهومه الواسع.

وقد استطاعت هذه الدول، في الوقت المناسب نسبيا، التغلب، وبأقل الأثمان، على صعابها، في الوقت، والمال والأرواح البشرية، خلال ظروف متشابهة. فلم تتردد أن تعتمد، في الوقت المناسب في سبيل ارتقائها نحو مستوياتها التنموية الحالية، أن تعتمد الرؤى والتطبيقات الأكثر تضاربا خلال مسيرتها التنموية الطويلة. إلا أنها لم ”تكسر”، أبدا، الأداة الصناعية التي ورثتها عند كل تناوب سياسي. فقد عرفت، دائما، كيف تتكيف مع الرؤى الجديدة والحتميات المستجدة. فالمؤشرات التي نقدمها في الجدول الموالي، كعينة رمزية عن المسيرة التنموية لهذه البلدان (الجزائر وكوريا الجنوبية وإسبانيا) تشكل وسيلة إيضاحية مفيدة لاستخلاص العبر ولو بصفة تقريبية استئناسية.

مقارنة مؤشرات 1962 بمؤشرات سنوات 2021

و2024 و2025 و2026 لكل من الجزائر وكوريا الجنوبية وإسبانيا

(*) وبإضافة طاقات الإنتاج الجديدة قيد الإنجاز، توسعة للطاقات القائمة ، والطاقات قيد الإصلاح، يرتفع مجمل الطاقات على المدى المتوسط، إلى 14 مليون طن سنويا من الحديد الصلب الخام بتكنولوجية الاختزال المباشر المتطورة مما يرتب الجزائر ضمن مجموعة الخمس الأوائل عالميا في هذا الميدان.

فنستنتج، بالمقارنة بين الدول الثلاث، أن مسار التطور كان، ظاهريا، لغير صالح الجزائر إذا أهملنا كثيرا من الخصوصيات التاريخية. فيكمن تعليل المسار وتأثيراته في أسباب خصوصية كل بلد، وهذا مع الإشارة، رغما عن ذلك، إلى الميل الواضح في الجزائر، منذ 2021، إلى أداءات تداركية واضحة لبعض المؤشرات المرجعية، كتلك المتعلقة  بصناعة الإسمنت والحديد الصلب وتسارع نمو الناتج الداخلي الخام. ونذكر  من الأسباب الخصوصية لكل بلد ما يلي:

فالجزائر قد ورثت، عند استرجاعها سيادتها الوطنية في 1962، حوالي 1585 مؤسسة اقتصادية أجنبية سرعان ما تراجع إنتاجها غداة الاستقلال، إلى حد التوقف التام. أما حوالي 432 مؤسسة أجنبية أخرى فقد  تحولت، فورا، إلى ”التسيير الذاتي” من طرف عمال كانوا يشتغلون فيها، وهذا نتيجة لإهمالها من قبل مالكيها الأجانب نظرا لاهتراء عتادها ولكونها لم تكن تشغل،  في المتوسط، سوى حوالي ثلاثة عمال لكل مؤسسة، كما لم تكن تشغل، إجمالا، سوى حوالي 10,4  % من مجموع المناصب والمشتغلة في مجملها في صناعات استهلاكية وحرفية بدائية. وكانت، للغرابة، هذه المؤسسات (2016)، على مستوى العلاقات الصناعية، مقطوعة الصلة، تنظيميا وبصفة كلية، مع صناعة فرنسا المستعمرة. كما كان الناتج الداخلي الخام للجزائر، عشية استعادتها سيادتها الوطنية، يرتبط عضويا بنسبة 50 % بفرنسا. وكانت وارداتها ترتبط بنسة 81 % وصادراتها بنسبة 75 % بفرنسا.

وقد عرفت الجزائر المستقلة، بين 1979 و 1998، أخطر الأزمات الاقتصادية التي عرفتها البلاد والتي شكلت، نسبيا، مهدا للأزمة الأمنية خلال العشرية السوداء لسنوات 1990 مع زرع بذور الاختلالات التي سيتأثر  بها مستقبل البلا. فرغم الصفاء القصير الذي تبع هذه الأزمة ابتداء من سنة 2000، فقد أصابت الجزائر، مجددا، ابتداء من جوان 2014، أزمة اقتصادية أخرى لها، هي أيضا، صلة بانهيار جديد لأسعار البترول وذلك، أيضا، بسبب ”زيغان” ثقيل الوطء والتداعيات على الاقتصاد  الجزائري وعلى تسيير احتياطي الصرف الأجنبي الذي كان، عكس  الوضع في 1986، (كان) هاما جدا  في نهاية سنة 2013، وذلك، هنا أيضا، من جراء تفضيل الواردات المفرطة على الاستثمار، بين 2014  و 2019 حتى تلك الواردات الضئيلة المنفعة الاجتماعية ميزه، في المقابل، اللجوء إلى تجميد مشاريع استراتيجية هامة مثل مشاريع السكة الحديدية ومنافذ الطرق السيارة من الموانئ أو من مدن داخلية هامة إلى الطريق السيار ”شرق-غرب”، ومثل حوالي 100 مستشفى من مختلف الأحجام والتخصصات موزعة على كامل التراب الوطني، وكذا مشاريع توسيع بنيات مرفئية (مينائية) حساسة والتي سيتأخر إنجازها واستلامها جميعا، إلى ما بين 2025 و 2026/2027، بعد رفع التجميد عليها تدريجيا ابتداء من سنة 2021.

وعكس حالة كوريا الجنوبية التي، هي في الأصل، قد استفادت من الاستثمارات ومن التكنولوجيا الأمريكية، وكذا من خبرة أمريكا وحنكتها ومن سوقها،  تحت  منطق تداعيات الحرب العالمية الثانية ونزاعات النفوذ التي لا تزال، حتى اليم، حية في هذه المنطقة من العالم والتي لا تزال، جيواستراتيجيا، شديدة الحساسية.

وأما إسبانيا من جهتها، فقد استفادت من انضمامها، في أول جوان 1986،  إلى الاتحاد الأوروبي الذي كان يسمى، آنذاك، المجموعة الاقتصادية الأوروبية لتصبح (إسبانيا) بسرعة، الورشة الصناعية لأوروبا. إذ تم نقل العديد من الصناعات الأوروبية إلى إسبانيا لتغطية حاجيات السوق الأوروبية الموحدة وحاجيات العديد من الأسواق في العالم التي كانت، من قبل، تتزود مباشرة من بعض الدول الأوروبية نفسها قبل انضمام اسبانيا إلى الاتحاد الأروبي.

لكن، نظرا للأداءات الاقتصادية العالية المحققة، في الجزائر منذ ستة 2021، فليس هناك ما يمنع الإرادات الحسنة (في الجزائر)، من النهوض من سقطة أو سقطات عرفتها البلاد، مهما كانت وخامتها وأنى كان مصدرها وزمان وقوعها، لتنهض البلاد من جديد وتصلح من شأنها وتقوم الاعوجاجات  وتجبر الكسور، للانطلاق مجددا، متفائلة بتحقيق كل الآمال الحالمة لشعبها.

ونظرا للحاجيات التي لا يمكن تقليصها، بل هي متسارعة التزايد، تقابلها طموحات مشروعة في الشموخ، رغم الخصاصة التي تعترضها والتي لا تزال عميقة على مستوى  الموارد المالية الذاتية والتي ليست في منأ عن انهيارات أخرى في أسعار البترول، فإن الواقعية لم تعد تسمح بأي هامش للمناورة تجاه حتمية الاستعمال الذكي للأموال المتأتية من مصادر أخرى، لكن تحت المخاطرة الشخصية لمالكي هذه الأموال أو تحت تقاسم مريح في تحمل هذه المخاطر بين المستثمر الأجنبي والجزائر. فهو منطق الاستثمارات المباشرة الأجنبية مع إدماج التكنولوجيات المتقدمة والابتكار ونصيب من أسواق المستثمرين الأجانب، في مجموع الصفقة.

فالمقاربة أصبحت أكثر سهولة بعد إبطال القاعدة التضييقية 51/ 49 %  بموجب القانون رقم 19-14 الصادر بتاريخ 11 دسمبر 2019 (2) باستثناء القطاعات بليغة الحساسية الاستراتيجية والتي جاء القانون المعدني رقم 25-12 المؤرخ في 3 أوت 2025  أكثرتلطيفا وتحفيزا بشأنها. وذلك في انتظار موارد ذاتية بديلة مكملة و/ أو تعويضية. وتنتظر هذه الموارد الذاتية من استغلال معادن الحديد لغار جبيلات (ولاية تندوف) وفوسفات بلاد الحدبة (ولاية بئر العاتر) وزنك ورصاص وادي أميزور (ولاية بجاية) ومعادن أخرى، وكذا من المنتجات الفلاحية والصناعات الزراعية من ولايات الجنوب الكبير وغيرها، مثل الليثيوم لتمنراست، واحتمالا، غاز الشيست لإين صالح ومعادن صناعية أخرى وأتربة نادرة يقدر نصيب الجزائر منها، بحوالي 20 % من مجموع الاحتياطي العالمي للأتربة النادرة.(3)

وبهذا الصدد، وانتظارا، على المدى البعيد، لآثار الأعمال التي تمت مباشرتها في العمق لحد الآن، فإن التردد والتخوفات الدوقماتية تقتضي، حتميا، تقبل المخاطرة المحسوبة في ميدان الاستثمارات المباشرة الأجنبية دون استبعاد اللجوء القاتوي، عند الاقتضاء،  إلى حق الشفعة. فالبراجماتية توصي أصحاب القرار، بإلحاح في هذا الصدد، باقتراح مشاريع كبرى فعالة، مربحة، محفزة، من شانها استحثاث تمويلات مناسبة لصالح استثمارات أجنبية، عوض امتلاك أموال ذاتية سلفا، والتي قد تحتاج إلى وقت طويل لجمعها، مضيعة على فرصة الاستثمار جدواها.

ومما هو أوضح  تبيانا، فإن ثروات البلاد الثابتة والكامنة، بما فيها الثروات الفلاحية، تضمن هذا المسعى التمويلي بموجب تشريع الاستثمارات الجديد (القانون رقم 22-18 المؤرخ في 24 جويلية 2022). وتنطبق هذه المخاطرة المحسوبة، كذلك، على الحالة الخاصة عالية الاستراتيجية، المتعلقة بتمويل  خط السكة الحديدية الذي سيربط تمنراست بالشبكة السككية الوطنية في الهضاب العليا وشمال الوطن، باللجوء إلى تمويل خارجي، علما أن التحضيرات لإنجاز هذا المشروع تكاد تكون جاهزة، تحضيرا لانطلاق أشغال الإنجاز في نهاية  شهر سبتمبر الجاري (2026)، لا سيما كون هذا التمويل أتاحه البنك الإفريقي للتنمية حيث الجزائر عضو مؤسس وحيث هي أحد المساهمين الثلاثة الجهويين الأوائل (الأفارقة).

فعديد المشاريع الاستراتيجية المعلن عنها في مجلس الوزراء المنعقد في 27 فيفري 2022، وتلك التي تقررت لاحقا، ومنها تلك التي تقررت بمناسبة زيارات الدولة التي أداها أو استقبلها رئيس الجمهورية، تشكل، لحد الآن، أهم قطع ”اللوحة اللغز” (البوزل- (puzzle للإقلاع (النشوء أو الصعود) الاقتصادي. إقلاع تصر الجزائر  على تحقيقه والذي يبدو مستفزا لغيظ أولائك الذين كانوا يقامرون على ”الفشل الذريع”للبرنامج الجزائري الطموح الرامي إلى النهوض بالاقتصاد الوطني المعتمد منذ 2020. وهو البرنامج الذي يرمي إلى تحقيق الإقلاع الاقتصادي المتنوع للجزائر، وحيث تشكل سنة 2027 مفصلة البرنامج، وحيث تكون الجزائر قد وضعت القطع الرئيسية  للوحة اللغز-الأحجية (البوزلpuzzle-). وتتشكل هذه القطع في غالبيتها العظمى، من مشاريع استراتيجية مهيكلة قد انطلقت ميدانيا، في  مجموعها تقريبا، أشغال إنجازها أو توسيعها، والتي برمج دخولها مرحلة الإنتاج في 2027 أو  في 2028 على أبعد تقدير، كخط السكة الحديدية الموصل إلى تمنراست.

فهل سستتحول المقاربة المعتمدة للوصول بهذه المشاريع  إلى لوحة متكاملة منسجمة بنجاح تركيب كل قطعها كنتيجة حتمية كإستراتيجة لعبة الشطرنج ام تبقى المقاربة مجرد محاولة تركيب مربك لقطع ”الأحجية puzzle ” تحتاج تحت ضربات المناوئين للمقاربة تحتاج إلى خطوات منظمة وممنهجة لضمان بلوغ المقارب مبتغاها في الآجال المحددة لاكتمال اللوحة اللغز -الأحجية ((puzzle بضمان كضمان استراتيجية لعبة الشطرنج؟

يجيبنا على هذا السؤال المفصلي، إضافة إلى ما استعرضناه سابقا، أعلاه، قوام الاستثمارات الجاري إنجازها ضمن تعاون الجزائر الدولي. ويتعلق الأمر، بالخصوص، بالمشاريع:

–  مع قطر في شراكة مع الصندوق الوطني الجزائري للاستثمار (استثمار قطري بـ: 3,5 مليار دولار في مزرعة بولاية أدرار بمساحة 117000 هكتار و 270000 بقرة حلوب من فصيلة أمريكية تستلم 30000 منها ابتداء من نوفمبر 2026، وتنتج 194000 طن من الحليب المجفف سنويا لتغطية 50 % من جاجيات البلاد وحليب الأطفال واللحوم الحمراء والبرسيم العلفي لغذاء  البقر مع تشغيا 5000 عامل في أوج عطائها.  وكذا الاستثمار في صناعة الحديد والصلب بتكنولوجية الاختزال المباشر الأكثر تطورا في العالم،  إلى جانب حديد البناء المصدر  بطاقات إجمالية قد بلغت إلى حد اليوم، مليونين ونصف طن ومرشحة لبلوغ 4 ملايين طن في أفق قريب/متوسط الأجل)،

–  ومع إيطاليا (صناعة المروحيات المدنية والعسكرية، وصناعة السيارات التي بلغت اليوم حوالي 100000 سيارة في السنة على أن تقار140000 سيارة في السنة المقبلة بإدماج محلي سيتجاوز قريبا أكثر من 30  %. وكذا استثمارات زراعية-صناعية على 36000 هكتار في الجنوب الصحراوي بقيمة 420 مليون دولار بغرض انتاج القمح الصلب وبذور السلالات الأصيلة للبقوليات وبناء صوامع لتخزين الحبوب ومصنع للعجائن الغذائية، وكذا  زراعة النباتات الزيتية والسكرية  ومصانع الأسمدة والمخصبات الفلاحية الفوسفاتية والآزوتية والتعاون الكثيف في ميادين البتول والغاز  في امتداد فكر ”ماتيي” التاريخي مع الجزائر)،

–  ومع تركيا ( في صناعة الحديد والصلب بتكنولوجية الاختزال المباشر وحديد البناء وصفائح الصلب المدرفل على البارد المصدر منها كميات متزايدة، وصناعة تخصيب خامات حديد غار جبيلات والصناعات الفلاحية والنسيج الموجه لإنتاج الأقمشة والألبسة ذات العلامات العالمية الموجهة، أساسا، للتصدير)،

–  ومع عمان (توسعة مركبات صناعة الأمونياك واليوريا لأرزيو-وهران  بنسبة 50 %، علما أن حوالي 90 % من الإنتاج موجهة، حاليا، للتصدير، وصناعة السيارات السياحية والنفعية بشراكة مع هيونداي الجنوب كورية، ابتداء من نهاية 2026 وبداية 2027 تكون فيها الجزائر ممثلا لهذه العلامة العالمية على المستوى الإفريقي ضمن انتشارها الاستراتيجي في قارات العالم)،

–  ومع ألمانيا (مشاريع  استثمارات بمبلغ 8 ملايير يورو منتظرة  في صناعة سيارة ”أوبيل-Opel” لأول مارة لهذه الصناعة لا سيما مع صناعة محرك هذه السيارة كلية  في الجزائر كسابقة تاريخية لهذه السيارة ولألمانيا. وكذا صناعة مصاعد العمارات وصناعة أجزاء من التراموي -tramway- وصناعة الهيدروجين الأخضر والغاز الطبيعي المسال والتكنولوجيات المتقدمة …..)،

–  ومع الصين (42 مشروعا مسجلا منذ 2022 لمانيا بالغاز بكميات متزايدة وتزويدها بالهيدبغلاف مالي يبلغ 4,5 مليار دولار، مما يرفع حجم المبادلات بين البلدين إلى الدرجة الأولى  عالميا  بمبلغ 15 مليار دولار سنويا في صناعة السيارات والفلاحة والطاقة والمخصبات الفلاحية والصناعات الصيدلانية إلى جانب المساهمة مع مؤسسات عمومية جزائرية في إنجاز المشاريع الكبرى المهيكلة كخط السكة الحديدية الرابط بين بشار وتندوف لنقل خامات الحديد لغار جبيلات، وخط السكة الحديدية المزدوج المكهرب الرابط بين منجم الفوسفات  ببلاد  الحدبة وميناء عنابة، وإنجاز الميناء المعدني لعنابة بغرض تصدير المخصبات والأسمدة الفوسفاتية والآزوتية، وإنجاز مصنع إنتاج إطارات السيارات بوهران وقريبا، صناعة الزجاج الشمسي والبطاريات الكهربائية من الليثيوم المكتشف حديثا، ومشاريع نقل بعض النشاطات الصناعية إلى الجزائر ومنها، على وجه الخصوص، الأسلحة البحرية، وتعاون ثمين في ميدان الفضاء الذي هو مرشح  ليرقى إلى مآثر صناعية وتكنولوجية مرموقة وبالخصوص في قاعدة بوغزول الفضائية، وكذا الصناعات الإلكترونية المختلفة الواسعة كإنتاج الهواتف النقالة وإدخال الجيل الخامس في ميدان الهاتف والأنترنيت وغيرها)،

–  ومع الاتحادية الروسية (الطاقة، الصناعة، الزراعة الصناعية، التكنولجيات المتقدمة، الصناعات الرقمية،  الصناعات الصيدلانية، برامج عالية الطموح لنقل صناعات متطورة إلى الجزائر)،

–  ومع الولايات المتحدة الأميركية (توربينات الغازالعملاقة مع اختيار الجزائر كإحدى الدول 12 في العالم لاحتضان هذه الصناعة بولاية باتنة بغرض تلبية جزء من حاجيات كل من اوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا على وجه الخصوص، وصناعة المحولات الكهربائية العملاقة لتلبية بعض من حاجيات نفس الأسواق. وكذا تربية البقر بغرض إنتاج اللحوم الحمراء، وتزويد المزرعة العملاقة القطرية بأدرار لإنتاج الحليب المجفف بالأساس وحليب الأطفال. وكذا البحث والتنقيب على الموارد الطاقوية في عرض البحر وفي مناطق أخرى من الجزائر وأيضا، استرجاع الغازات المنبعثة من صناعة التكرير البترولي وغيرها. وينضاف إلى هذا التنوع بداية مشحعة لنقل صناعات أميركية إلى الجزائر كصناعة الأحذية دائعة الصيت عالميا)،

–  ومع كوريا الجنوبية (صناعة السيارات وصناعة التلفزيونات والثلاجات ونقل بعض الصناعات العسكرية إلى الجزائر في شراكة طموحة وبشريك ثالث كشأن صناعة سيارات هيونداي مع شريك عماني)،

–  ومع مصر (عرض ثابت لاستثمارات بقيمة 2,5  مليا دولار للعملاق المصري ”العز للحديد والصلب” وغيرها)،

–  ومع استراليا (في القطاع المعدني : الذهب والزنك والرصاص)، ومع ماليزيا( التعدين والصلب وعتاد الأشغال العمومية الكبرى)،

–  ومع المملكة العربية السعودية (البترول والغاز والبتروكيماويات وصناعة التجهيزات ذات الصلة)،

–  ومع الكويت (الطاقات المتجددة والصناعات البترولية)،

–  ومع دول أخرى في استثمارات تزيد أو تقل أهميتها.

فتكتمل، هكذا، قطع ”اللوحة اللغز-الأحجية” (البوزل puzzle) الأساسية بتركيب القطع الناقصة المتشكلة، أساسا، من قطع جيوسياسية بأحجام جهوية وعالمية كعوائق كبرى. عوائق كانت تراهن عليها التكهنات الكارثية بشأن فرضية الخروج من الأزمة الوليدة خلال سنوات 2014- 2019 والتي كانت تتوعد الجزائر بمستقبل مأساوي من نفس الحيثيات ونفس الملابسات التي طبعت سنوات 1986-1998 على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وبالخصوص، الانصياع لإملاءات صندوق النقد الدولي واللجوء، مكرهة، إلى مرحلة انتقالية في تسيير البلاد. وكانت هذه التكهنات تراهن، بالفعل،  على استمرار إيقاع الاستيرادات المفرطة التي كانت، بالتقريب، قد استنزفت كل احتياطي الجزائر من الصرف الأجنبي بين سنتي 2014 و 2019/ 2020 انهار فيه احتياطي الصرف الأجنبي للجزائر من حوالي 194 مليار دولار في نهاية 2013 إلى حوالي 46,9 مليار دولار في نهاية 2020، نتيجة للآثار المدمرة من جراء محمومية الواردات خلال الفترة 2014-2019 كما أوردناه سالفا(4).

حدث هذا التهافت على الاستيراد رغم انهيار اسعار البترول. ولم تتحقق التكهنات الكارثية على أرض الواقع، تحت تأثير الصرامة الشديدة المطبقة على مستوى تسيير احتياطي الصرف الأجنبي للبلاد وعلى مستوى الواردات منذ 2020-2021، رغم التحايلات المختلفة على القوانين والتنظيمات ورغم قصور بعض الإجراءات العملية في تطبيق هذه الصرامة.

فتتآكل، هكذا، الريوع المتأتية من الواردات المفرطة والمضخمة أسعار فواتيرها. ويتبخر، بالتالي، على الأٌقل، الأمل ”الانتقامي الشماتي”، على الأقل، في رؤية اسعار البترول تزداد انهيارا، على سبيل التشفي. وهو ما من شأنه إضعاف قدرة الجزائر التفاوضية على كل المستويات. وذلك نتيجة لاستمرار تفاعل آثار العدوان على دولة إيران بتاريخ 13 جوان 2025. آثار يظهر أنها قد اكتنزت، كقوة كامنة لمدة أطول، عناصر التوترات من جراء جيوسياسة تميل ميلا نزاعيا على المدى المتوسط، على الأقل.

وفي نفس سياق هذه التكهنات (الكارثية) لمستقبل الجزائر، فإن سوء النيات التي كانت تراهن على استغلال التوترات الجيوسياسية في منطقة الساحل الإفريقي لزعزعة الجزائر،  كان لها الجواب على قدر حساباتها الخاطئة وعلى قدر نياتها السيئة. وكان لفك خيوط التوتر في الساحل الإفريقي، عموما، ومع دولة ”مالي،” على وجه الخصوص، وفي تستر تام،  في فائدة تنمية جهوية مشتركة قد بدأت تعرف، سريعا، بداياتها العملية لا سيما بامتداده لبلدان تشاد وبوركينا فاسو والبنين ونيجيريا مجتمعة، كان له (لفك خيوط التوتر) الجواب البليغ الذي سفه  التكهنات (الكارثية).

ويمثل انضمام الاتحاد الروسي والصين الشعبية إلى حرص إرادة الجزائر العقائدية علي نقل التكنولوجيات المدنية والعسكرية المتقدمة، لصالحها، يمثل  مؤشرا آخر عن هذه الفصاحة الداحضة.

وتأتي آخر الاتفاقيات المبرمة في المجال الأمني والاقتصادي مع الولايات المتحدة الأمريكية وكذا تصريحات الأمريكيين بهذا الشأن، لتمسح مسحا كليا، بحذر محسوب، كل الشكوك حول العداء العقائدي الأمريكي المزعوم تجاه الجزائر.

وليست عودة أوروبا إلى مواقف أكثر رشادا تجاه الجزائر عقب الضجة التي أحدثتها (أوروبا) لما اشترطت الجزائر مراجعة اتفاق الشراكة المجحف المبرم بين الطرفين في سنة 2002 مراجعة جذرية، (ليست) أقل بلاغة في نسج اللباس الجذاب الذي راحت ترتديه الجزائر، اليوم في المحفل الأممي، جهويا وعالميا. فإحكام ارتباط أمنها الطاقوي بغاز الجزائر وطاقتها الكهربائية التقليدية والمتجددة بعد تعقد، أكثر من تجاري، واقع ومستقبل العلاقات الأوروبية-الروسية، في مقابل تكثيف العلاقات الأوروبية-الجزائرية، ومنه إنجاز رواق الهيدروجين الأخضر، وانطلاق أشغال إنجاز أنبوب الغاز الإفريق-الأوروبي عبر الجزائر، لتمثل التتويج العضوي المصيري للعلاقات الأوروبية -الجزائرية.

ومن جهة أخرى، فإن النيات السيئة العدائية الهامشية وذات البعد الذي لا يتلاءم مع عدم انحياز الجزائر الحق، في كامل منطقتها ”البحر متوسطية-العربية-الإفريقية”، وفي علاقاتها المحايدة المتوازنة التي يقدرها حق قدرها كل من الشرق والغرب على حد سواء إلى حد التلاؤم المريح، لا تفوت (هذه النيات السيئة) أية فرصة للإساءة إلى الجزائر وإزعاجها والتشويش عليها، وهو ما تنجح الجزائر، دوما، في إبطال مفعول هذه المؤامرات و هذه الدسائس. لأنها (الجزائر) ترفض كل مساومة بشأن مبادئها السامية حول القضايا التي لها علاقة بالتحرر وتقرير المصير والاستقلال والمساواة بمفهومها الواسع. ولأنها تتفانى في مرافعاتها العنيدة لصالح القضايا العادلة أمام الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي.

فأساليب زعزعة الدول وتدميرها  أو تهميشها، لا تخفى على أحد في كل الأزمنة، وبالأخص في الزمن الراهن، حيث  هي أمور واسعة الشيوع. فعند استحالة الإطاحة بدولة  ذات سيادة، بعدوان عسكري مبيت، يحطم كل عوامل تنميتها التي شيدتها بالغالي والنفيس، يلجأ، في تنفيذ العمل العدائي التسلطي، إلى تجميد وسائلها المالية للدفع الخارجي، كما كان الشأن في حالات كثيرة.

فنظام ”سويفت” – SWIFT (society for worldwide financial interbank) للمدفوعات الدولية الذي تسيره الولايات المتحدة  الأمريكية بمفردها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، قد برهن، تعسفا، عن تجاوزاته. وهو مرفوض أكثر فأكثر، إلى حد بداية تعويضه، عمليا، بأنظمة أخرى مستقلة عنه، مثل النظام الصيتي CIPS (Cross-Border Inter-Bak Payements System) للمدفوعات الدولية بالعملة الصينية ”اليووان” والنظام الإفريقي للدفع والتخليص (PAPSS) الذي طوره l’African Export-Import Bank (Afreximbank) بالتعاون مع الاتحاد الإفريقي وأمانة منطقة التبادل الحر القاري الإفريقي (ZLECAf), المنشاة سنة 2022 والتي انضمت إليها الجزائر في 15 أوت 2025. (5)

هي، بالنسبة للجزائر التي تحاك ضدها كل السيناريوهات الممكنة التي تخطر على البال، في مواقع التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص،  بغرض مناوأتها والتشويش عليها وزعزعة راحتها، (هي) فرضية ممكنة الاسقاط الميداني، في شكل يقظة  دفاعية متقدمة ووقائية على قدر الخطورة الموصوفة. أو سياسة دفاع ذاتي استباقي، موازاة مع الإيمان العميق بالعناية الإلهية كما نص عليها القرآن الكريم في قوله تعالى في الآية 30 من سورة الأنفال : “ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين”. وهو، غرابة، ما يزعج الماكرين.

وهكذا، فبفضل ناتج داخلي خام إجمالي منتظر بمستوى يفوق  400 مليار دولار سنويا وبناتج داخلي خام للفرد الواحد سنويا بحوالي 8000 دولار تقريبا، في أفق 2027/ 2028، يمكن الجزائر، رغم انتظار استلام المشاريع  قيد الإنجاز، في آجال متتالية متباعدة خلال نفس الحيز الزمني، (يمكنها) تحقيق إحكام استكمال تركيب كل قطعاللوحة اللغز-الأحجية( البوزل- le puzzle)، تجسيدا ”شطرنجيا” لكل الطموحات في ميدان التنمية المتنوعة للبلاد. فتكون، هكذا،  قد شيدت، في أفق 2029/ 2030، أهم الرافعات لبلد صاعد حقق إقلاعه الاقتصادي، بلد متقدم  لا يحتاج الا لتحريك آلياته التنموية التي اكتمل تنصيبها.  وتكون الجزائر، هكذا، قد نجحت في تقوية استقلاليتها التقريرية، وفي دعم رافعات سيادتها، مع استكمال بنياتها الاقتصادية، وبالتالي، في تقوية قدرتها التفاوضية في كل المجالات وعلى كل الأصعدة وفي كل الظروف.

فهل، بعد اكتمال حل هذا “puzzle -اللغز التنموي” حلا مريحا بالوصول إلى هذه التوليفة، بتركيب كل قطع الصورة الباسمة التي كانت ضائعة، هل يبقى مجال للتهديدات الافتراضة المعرقلة لتكريس مناعة الجزائر المنشودة في أفق ”2027/2028” إذا استثنينا النوايا الخبيثة المتعددة الأوجه، مثل جرائم المتاجرة بالمخدرات وبتبيض الاموال وجرائم إحراق الغابات بما تحمله من ضحايا بشرية وخراب حيواني وغابي وبيئي وتفقير للأفراد والأسر والجماعات؟

وهل نستبعد السعي الحثيث المبيت الثابت القرائن اليوم، لاستنزاف احتياطي الجزائر من الصرف الأجنبي، بالاحتيالات على القوانين والتنظيمات التي باتت، اليوم، تعريها باالتدريج، أولى مزايا الرقمنة الزاحفة؟

ولعل الممارسات المافياوية التي فضحتها مصالح وزارة التجارة الخارجية ابتداء من 2 سبتمبر 2026، هي المؤشر عن وجود مخطط أوسع يتقاطع مع االتحذيرات مما يحضر، افتراضيا، من سوء لسنة 2027 بغرض منع الجزائر من استكمال بناء روافع استقلاليتها التفاوضية، مثل ما هو منتظر كما سقناه في معرض تحاليلنا السابقة، أعلاه.

إن التحجج الواهي بضمان ديمومة الوظيفة الإنتاجية و”محاربة الندرة” ورفع شعار”من أجل حياة أفضل” لدى رواد ”الممارسات الاستيرادية” سعيا لاستنزاف مال الخزينة العمومية وقطعا للطريق على مختلف المنتجات الوطنية الأكثر اندماجا والمنتظرة من الاستثمارات الجارية، عن طريق إشباع مسبق  للسوق الوطنية لسنوات، بمثيلاتها من المنتجات المستوردة، استباقا إجهاضيا لمخرجات المسعي الضامن لشروط نجاح هذه الاستثمارات، لهو ذلك  ما يستنفر نقس المحاذير ممن يكونون قد تحالفوا من أجل إجهاض مسعى بلوغ بر الإقلاع الاقتصادي المتنوع للجزائر، انطلاقا من الوعد الموعود بالمناعة المكتسبة في (2027/2028)، في مواجهة الوعيد المشؤوم بالانكسار والخنوع. 

عمار تو، دكتور في الاقتصاد، وزير سابق

المراجع:

(1) عمار تو . مؤلف من 807 صفحات تحت عنوان: الإشكالية الاقتصادية والحتمية العالمية. صدر في طبعته الثالثة عن  دار النشر ”كليك للنشر”. المحمدية بالجزائر العاصمة  في أكتوبر 2025 وتم توزيعه  في مارس 2026. الجدول 102 ص  من 30 إلى 106، ومن ص. 538    إلى ص. 540، ومن ص. 795 إلى ص. 797 ،

(2) الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية اليمقراطية الشعبية الحاملة لقانون المالية لسنة 2020.

(3) المعادن الصناعية، مقال متخصص صدر لعما تو في الصحافة ومواقع أنتيرنيت المتخصصة وعلى صفحة عمار تو على الفاييسبوك.

(4) المبلغ الإجمالي : 46,9  مليار دولار خارج احتياطي الذهب . وتحدد التقديرات الرسمية بمستوى تدورحول 44,2 ا  إلى 48  مليار دولار حسب بعض المؤسسلت الدولية  أو ما  يعادل  تغطية الواردات بحوالي 12,8 شهرا.

(5) اتفاق الانضمام المبرم بين بنك الجزائر وشبكة النظام الإفريقي للدفع والتخليص.

مقالات ذات صلة