الجزائر قبل 1830.. الجمهورية التي رغبت أوروبا في وُدّها
في زمنٍ ما زالت فيه بعض الأصوات تُردّد الرواية الاستعمارية القائلة إن الجزائر لم تكن دولة قبل 1830، يأتي كتاب «شخصية الجزائرية الدولية وهيبتها العالمية قبل 1830» للمفكر والمؤرخ الجزائري، مولود قاسم نايت بلقاسم، ليضع النقاط على الحروف، ويعيد للتاريخ توازنه، مستندًا إلى وقائع وحقائق علمية لا تقبل الجدل.
خلافا للأبحاث السابقة، تجنّب المفكّر الجزائر خلال إعداده هذا الكتاب، السرد الجاف، بل فتح نافذة على مرحلة كانت فيها الجزائر فاعلًا دوليًا حقيقيًا، تحسب لها القوى الكبرى حسابًا، وتتعامل معها الدول بندّية واحترام كبيرين، على غرار إنجلترا وروسيا وألمانيا والدنمارك…
الجزائر… جمهورية ذات سيادة
يشدد مولود قاسم نايت بلقاسم، على حقيقة تاريخية كثيرًا ما تعمّد الخطاب الاستعماري طمسها، وهي أن الجزائر قبل الاحتلال الفرنسي لم تكن أرضًا بلا سيادة ولا كيانًا هشًا ينتظر من “ينشئه”، بل كانت وجمهورية قائمة الأركان، تمارس سلطتها داخل حدودها وخارجها بثقة وقوة.
فقد امتلكت الجمهورية الجزائر نظام حكم محليًا واضح المعالم، قائمًا على مؤسسات سياسية وإدارية مستقرة، يقودها الداي، الذي لم يكن موظفًا عثمانيًا يُعيَّن بقرار من إسطنبول، كما حاولت بعض الكتابات تصويره، بل كان يُنتخب من طرف كبار القادة والوجهاء المحليين. هذا وحده كفيل بنفي فكرة التبعية السياسية، ويؤكد أن القرار الجزائري كان يُصنع في الجزائر، لا خارجها.
وعلى المستوى العسكري، كانت الدولة الجزائرية تمتلك جيشًا منظمًا وأسطولًا بحريًا يُعد من الأقوى في البحر المتوسط. هذا الأسطول لم يكن رمزيًا، بل فرض توازن قوى حقيقي، وجعل من الجزائر رقمًا صعبًا في المعادلات الإقليمية، ودفع دولًا أوروبية كبرى إلى التفاوض بدل المواجهة.
أما دبلوماسيًا، فقد نسجت الجزائر شبكة علاقات واسعة مع دول أوروبا والولايات المتحدة، وأبرمت معاهدات رسمية باسمها، دون وصاية أو تفويض من أي جهة أخرى. وكانت تتخذ قراراتها المتعلقة بالسلم والحرب، والتجارة والملاحة، بإرادة سيادية مستقلة.
ويؤكد مولود قاسم أن العلاقة الشكلية بالسلطنة العثمانية لم تتجاوز الإطار الرمزي أو الديني، ولم تمس جوهر الاستقلال السياسي. فالجزائر لم ترسل ضرائب إلى إسطنبول، ولم تتلق أوامر في شؤونها الخارجية، وكانت تتصرف كدولة مكتملة السيادة، يعرفها العالم ويحسب لها حسابًا.
بهذا المعنى، لم تكن الجزائر مجرد إقليم تابع أو هامش في التاريخ، بل دولة حاضرة بقوة في محيطها الدولي، قبل أن يأتي الاحتلال الفرنسي سنة 1830 ليضع حدًا لهذا المسار بالقوة، لا بسبب غيابه.
وثائق لا تقبل الجدل
من أبرز نقاط القوة في كتاب مولود قاسم نايت بلقاسم اعتماده على وثائق دولية رسمية لا تترك مجالًا للتشكيك، وتكشف بوضوح المكانة السياسية التي كانت تحتلها الجزائر قبل 1830، باعتبارها دولة معترفًا بها في محيطها الدولي.
معاهدة الجزائر والولايات المتحدة “1795”
في أواخر القرن الثامن عشر، اضطرت الولايات المتحدة الأمريكية، وهي دولة فتية آنذاك، إلى التفاوض مع الجزائر لضمان سلامة سفنها في البحر المتوسط. وأسفرت المفاوضات عن معاهدة رسمية التزمت بموجبها واشنطن بدفع مبالغ سنوية مقابل الحماية. وقد وُقّعت هذه الوثيقة باسم دولة الجزائر، لا باسم الدولة العثمانية، في اعتراف صريح باستقلال القرار السياسي الجزائري.
علاقات ومعاهدات مع أوروبا
ولم تكن هذه المعاهدة حالة معزولة، إذ أقامت الجزائر شبكة واسعة من الاتفاقيات مع عدد من الدول الأوروبية، من بينها فرنسا وبريطانيا وإسبانيا وهولندا والدنمارك والسويد. وشملت هذه الاتفاقيات مجالات التجارة والملاحة وتبادل الأسرى، وهي علاقات لا تُقام إلا بين دول ذات سيادة متبادلة الاعتراف.
قرار الحرب… دليل السيادة
وتتجلى السيادة الجزائرية بأوضح صورها سنة 1801، عندما رفضت الولايات المتحدة الوفاء بالتزاماتها المالية، فكان رد الجزائر إعلان الحرب رسميًا، في ما عُرف لاحقًا بالحرب البربرية الأولى. ويذكّر مولود قاسم أن قرار السلم والحرب يُعد من أعلى مظاهر السيادة، ولا تمارسه إلا الدول المستقلة كاملة الصلاحيات.
هيبة فرضها البحر
لم تأتِ الهيبة الجزائرية من فراغ. فقد امتلكت الجزائر أحد أقوى الأساطيل البحرية في المتوسط، وكانت قوة لا يُستهان بها، دفعت دولًا كبرى إلى التفاوض بدل المواجهة، وإلى احترام شروطها بدل فرض شروطهم.
تفكيك الأسطورة الاستعمارية
يردّ الكتاب بشكل غير مباشر على الادعاء الفرنسي الشهير بأن الاحتلال «جاء ليبني دولة»، ويؤكد أن الحقيقة التاريخية هي العكس، الاستعمار دمّر دولة قائمة، لا أنه أنشأ دولة من عدم.
كتاب للتاريخ… وللحاضر أيضًا
لا تتوقف أهمية كتاب مولود قاسم نايت بلقاسم عند الماضي، بل تمتد إلى الحاضر، في زمن تتجدد فيه محاولات تشويه الذاكرة الوطنية.
فالكتاب يقدّم للجزائريين، خاصة الشباب، أدلة واضحة على أن دولتهم لم تولد سنة 1962 فقط، بل لها جذور سياسية ودبلوماسية ضاربة في عمق التاريخ.
إن كتاب “شخصية الجزائرية الدولية وهيبتها العالمية قبل 1830” ليس كتابًا موجها للمتخصصين وحدهم، بل شهادة تاريخية وجب على عامة الناس الوقوف عليها وإدراكها بوضوح، وتُعيد للجزائر صورتها الحقيقية، والمتمثلة في كونها دولة ذات سيادة، محترمة، وفاعلة دوليًا، قبل أن تطأها أقدام الاحتلال سنة 1830.


