-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الجزائر- ليبيا.. مبدأية وأخوة

صالح عوض
  • 2025
  • 0
الجزائر- ليبيا.. مبدأية وأخوة

في العلاقة التي تحكم الموقف الجزائري من ليبيا أكثر من تأكيد، بأن المسألة ترتبط بوعي استراتيجي، لارتباط البلدين بمستقبل واحد وبمصالح حيوية واحدة وبأخوة تفرض على التحرك السياسي مراعاة ما لكل طرف من سيادة وكرامة وطنية وتجسيد لمبادئ سياسية، التزمت بها الدولة الجزائرية منذ ولادتها المعاصرة وأهمها عدم التدخل في شؤون الدول الداخلية وحق الشعوب في تقرير مصيرها والوقوف الثابت مع القضايا العادلة من حركات التحرر وحقوق الإنسان.

لذا كان الموقف الجزائري مما يحصل في ليبيا واضحا بلا تلعثم برفض أي تدخل أجنبي عسكري في ليبيا ثم العمل، وعلى مسافة واحدة من كل الأطراف السياسية الليبية، وتشجيعها بهدوء وعمق على تجسير الهوة بينها والتوصل معها إلى مبادئ مشتركة وصيغة توافقية للخروج من المأزق.. ولقيت هذه السياسة ترحيب كل الأطراف الليبية واستحسانا واسعا من الشعب الليبي الذي يرى بعين الثقة كل جهد جزائري في هذا الإطار.

إن هذه سياسة جزائرية بامتياز.. تجلى ذلك في الموقف الجزائري من النزاعات بين الدول أو في داخل الدول منذ زمن طويل بدءا بالأزمة بين العراق وإيران أيام حكم الشاه، وبعد ذلك المحاولات لإيقاف الحرب بين إيران الثورة وعراق صدام حسين، كما تجلى ذلك في موقفها من المصالحة الفلسطينية في الثمانينات بين الفصائل الفلسطينية وموقفها من العدوان الغربي على العراق ورفضها المشاركة في الجيوش التي احتشدت ضد العراق وكذلك الموقف من يوغسلافيا والعدوان الاستعماري عليها والموقف من أزمة مالي والموقف من الوضع في سوريا.. وهكذا يمكن رصد كل المواقف الجزائرية من الأزمات الإقليمية والدولية لإظهار معيار واحد واضح في التعامل يجعل من الدبلوماسية الجزائرية تتحلى بأخلاق سياسية قل من التزم بها في العلاقات الدولية، الأمر الذي يؤهلها دوما للقيام بأدوار مميزة تحظى برضى وقبول الأطراف المتنازعة.

هذا صحيح.. ولكن بالإضافة إليه، فإن الوضع الليبي له علاقة خاصة بالجزائر ليس فقط بالامتداد الصحراوي والارتباط الجغرافي والبيئي ولكن أيضا بإحساس جزائري تاريخي أن ليبيا وتونس تقعان تحت دائرة الاهتمام الخاص الجزائري، وأن الأمن فيهما إنما هو على أبواب الجزائر وأن همهما إنما هو هم خاص للجزائر وهذا ما فهمه الملك إدريس السنوسي ـ رحمه الله ـ عندما قال أيام الثورة الجزائرية: “إننا سنربح لو استعدنا الجزائر وضحينا بليبيا“.. من هنا فإن الجزائر تتحرك دوما نحو ليبيا بتلك المشاعر وتلك الرؤية الاستراتيجية وهو المنطلق الذي دفع بالرئيس هواري بومدين إلى منع السادات، الرئيس المصري، من القيام باجتياح ليبيا عقب تلاسنات بينه وبين العقيد القذافي..

من هنا تقف الجزائر بدبلوماسية نشطة وبعمل سياسي دؤوب. وكما قال السياسي الجزائري مساهل إن عمل الجزائر بالعلن والكتمان يتجه نحو تقريب وجهات النظر الليبية المختلفة.. وبلا شك فإن الجزائر تتحرك لكسب أنصار لموقفها، الأمر الذي تجلى في الموقف البريطاني والذي كان له الأثر البالغ في إقناع الدول الأوربية وأمريكا باعتبار المبادرة الجزائرية والسلوك الجزائري من الأزمة الليبية هو النهج السليم مما دعا إلى إسقاط جهود دبلوماسيين عرب قدموا رؤية ومشاريع تدعو إلى غطاء دولي لقصف ليبيا وتدخل عسكري أجنبي، كما كانت تدعو فرنسا وإيطاليا.

لقد نجحت الدبلوماسية الجزائرية في كسر حدة الهجوم التحريضي من أجل تدخل عسكري أجنبي ونجحت السياسة الجزائرية في تثبيت فاصل لا يمكن التراجع عنه وهو العمل إلى الأمام وليس من قدرة أحد أن يخترق الكرامة الليبية وأن يتجاوز السيادة الوطنية لليبيا.. وفي هذا يتجلى دور الجزائر الإقليمي والإفريقي أنه يسير ضد تيار الردة والحروب الداخلية والتدخلات الأجنبية المسلحة.. تولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!