الرأي

الجزائر وتركيا.. ماضٍ تليد أم حسابات مستقبل؟

عمار تو
  • 146
  • 0
أرشيف
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ونظيره التركي رجب طيب أردوغان

     في ظل زيارة الدولة التي أداها رئيس الجمهورية إلى تركيا أيام 6 و 7 و 8 ماي  2026، وبالإحالة على الاتفاقيات ذات الطابع الاستراتيجي العالي المبرمة بالمناسبة والطموحات الكبار في مساهمتها في تحقيق شموخ الجزائر الاقتصادي المأمول وفي دفعها إلى مصاف الدول الصناعية الكبرى، مرحليا في أفق 2030، يهدف هذه المحاولة الفكرية إلى استشراف إمكانيات تعزيز النمو الشامل في الجزائر الذي قد يمكن الشريك التركي من الإسهام في تحقيق هذا الهدف، اعتدادا، في مقاربتنا، بمسارها الطويل في التنمية الاقتصادية الشاملة ووصولها، اليوم، إلى المرتبة 16 عالميا، بينما لم تكن في 1923 مرتبة بتاتا، ومرتبة في الصف 21 عشية اعتلاء الطيب رجب إردوغان سدة الحكم في 2002-  2003  غداة انتخابات2002.

     لقد جربت  تركيا، خلال مسيرتها التنموية الطويلة نحو مستوى تنميتها الاقتصادية الشاملة الحالية (والتي سنقدم مميزاتها لاحقا) كل نماذج التنمية الاقتصادية من القرن 19 والقرن 20 في ظل نظام برلماني، ليستقر رأيها، على النظام الرئاسي المطبق حاليا (في القرن 21)  منذ اعتماده وتطبيقه دستوريا في 2017-.2018

     تعود الصعوبات التاريخية في ميدان التنمية التي عرفتها تركيا في بداية القرن العشرين، إلى قلة سكانها، آنذاك، مقارنة بفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة على أراض بمساحات أوسع بشكل ملحوظ.

     ففي 1913، لم يكن يبلغ عدد سكان تركيا، على أرضها الحالية، سوى 15 مليون نسمة (مقابل عدد حالي يبلغ 88 مليون نسمة)، مقارنة، آنذاك، ب 40 و 50 مليون لكل من هذين البلدين تواليا، في نفس الفترة. وتعود القلة النسبية لسكان تركيا (في 1913) إلى الحروب والأوبئة والأزمات الغذائية التي أصابت البلاد خلال الثلاثة قرون لما قبل سقوط واندثار الإمبراطورية العثمانية في 1918/    1923/ 1924. فكان هذا العائق في عامل العمل سببا في الحد العميق من نمو الاقتصاد العثماني الذي، إضافة إلى ذلك، إلى تفويته أول قطار للثورة الصناعية. فإنتاج النسيج التقليدي تعرض لمنافسة شديدة من قبل المنتجات النسيجية المصنوعة في أوروبا القرن 19. فتخصصت الإمبراطورية (العثمانية)، حينئذ، في المنتجات الزراعية التي ضمنت لها، بفضل صادراتها،  الموارد المالية الضرورية لتغطية وارداتها من المنتجات الصناعية.

      وبلجوئها إلى إستدانات ثقيلة لتمويل حروب القرن (1853-1856) والحرب الروسية العثمانية (1877-1878) ومختلف إصلاحات  الدولة، وضعت الإمبراطورية سيادتها في خطر. فبعدم قدرتها على تسديد ديونها خضعت إلى وضعها تحت إدارة مباشرة من دائنيها في إسطمبول لكل مديونيتها والذي كان مجلس إدارتها يضم ممثلين عن الدول الأوروبية الدائنة. فكانت المقتطعات من مداخيل الإمبراطورية تستخدم لتسديد الدين الذي كان يمثل في سنة 1912، حوالي  31,5  % من مجموع المداخيل الجبائية للإمبراطورية. واستمرت تسديدات الديون إلى غاية سقوط واندثار الإمبراطورية (العثمانية).

      فهل يتعض، اليوم عندنا، دعاة اللجوء السهل إلى الاستدانة الخارجية وأولئك الذين راحوا ينتقدون اختيار الجزائر دفع الديون الخارجية مسبقا  ويتحاملون على الذين تجنبوا، حتى في أحلك الظروف المالية للبلاد، اللجوء إلى الاستدانة الخارجية عمليا ومذهبيا.

      فميلاد تركيا الحديثة عقب حرب ”الاستقلال” خلال (1919-1922) رفعت مصطفى أتاتورك إلى قيادة الجمهورية الجديدة لتركيا كأب روحي لها ومنشئها سنة 1923 تاريخ ميلادها. وذلك بالرغم من تحفظات البعض حتى عندنا إلى اليوم، ثقافيا، بحكم تقلد الإمبراطورية العثمانية، تاريخيا، استمرارية التاريخ والحضارة العربية الإسلامية، استلاما تاريخيا من الأمويين إلى العباسيين  والأندلسيين تزامنا واستمرارية.

     فتقلص، حينها، سكان تركيا إلى 14 مليون نسمة لنفس الأسباب التي سقناها أعلاه.  و كان حوالي 76 % منهم ريفيين و 50  % منهم دون 22 سنة و 81 % أميين.

   فيستدين النظام السياسي الجديد في هذه الفترة، بفعالية من النماذج الغربية  أو الشرقية على حد سواء. لكن بمساعدة الجار السوفياتي يسعى بجد إلى إنشاء بنيات تحتية تضمن التنمية المرجوة. فالنظام السياسي الجديد الذي يرتكز،  بالتالي،  على موظفيه المتعلمين، عكس الجماهير الريفية الزراعية، قصد تجهيز وتصنيع البلاد مجاراة لنظرائه السوفياتيين والصينيين.  لكن باعتماده، هو، على الملكية الخاصة.

     وستكون استراتيجيات التنمية المعتمدة، منذ ذلك الحين، تناوبا بين الخيار الليبرالي والخيار الشعبوي والتصنيع  وأسبقية الزراعة والانفتاح  على الاقتصاد العالمي عن طريق تصدير المنتجات الصناعية واللجوء إلى الحمائية التجارية،  والكل تحت الخيار السياسي التحرري أو الشعبوي.

       ولأسباب انتخابية بحتة، كانت الزراعة والساكنة الريفية، دوما، حاضرة ضمن المصالح المسخرة، لأن السكان كانوا متمركزين في الأرياف.

1-  إستراتيجية التنمية للنظام التركي الجديد الذي اعتلى الحكم سنة 1923:

       ترتكز هذه الإستراتيجية على التصنيع وبتعويض عدد من المنتجات المستوردة :

– منتجات أساسية : الخيط، المنسوجات، الورق، عجين الورق، زجاج، إسمنت، كلانكر أو نصف مصنع الإسمنت، منتجات التعدين من منتجات حديد وصلب، إلى غير ذلك …،

– اتخاذ إجراءات حمائية لفائدة الصناعات الوطنية  الفتية، في شكل  حواجز جمركية ضد المنافسة الأجنبية.

      في المقابل، كانت واردات التجهيزات وقطع الغيار ضرورية باستعمال العملات الأجنبية المتأتية ، بالأساس، من صادرات المنتجات الزراعية.

     هي، في الجوهر، تنمية الصناعة والخدمات، اعتمادا منطقيا على الزراعة. فهو امتداد لمنطق الثورة الصناعية الأولى التي تم هكذا، استنساخها.

وسيتسارع، بقوة وبانتظام، تحويل سواعد الزراعة نحو الصناعة والخدمات ابتداء من سنة 1950 إلى غاية اليوم. لا سيما وأن الزراعة ت   تستخدم، أصلا، 84% من مجموع نشطاء البلاد  وتنتج 42 % من الناتج الداخلي الخام. واستحدثت، لهذا الغرض، مؤسسات عمومية اقتصادية، لا سيما في ميدان المعادن وتعدين الحديد والصلب. كما تم إنشاء خطوط جديدة للسكة الحديدية، دون المساس بالتوازنات المالية العمومية. ولا تبتعد هذه الصور عما عاشته وتعيشه الجزائر كأوجه شبه تسترعي المقاربة والاستخلاص في مواطن دراسية أخرى.

1.1- الإستراتيجية الشعبوية.

     لكن التوجه نحو التصنيع، رغم ذلك، قد تم التنكر له في سنة 1950. فكانت الوعود السياسة البديلة لصالح الساكنة الريفية الشاعرة بالتضحية بها ضمن مجهود التصنيع الضخم والواعد بخصخصة المؤسسات العمومية وبترقية الزراعة،  كان مآلها تولية قوى سياسية منافسة سدة الحكم في البلاد لمدة 14 سنة.

    وعقب هذه الفترة، أدى تلاشي هذه الإستراتيجية إلى تعويض الشعبوية للاختيار الليبرالي وذلك بتمويل، تحت الخسارة، دعم الأسعار الزراعية. وهو ما مكن من ربح الانتخابات التشريعية لمرتين متتاليتين. وتبع ذلك، حتما، انحراف المالية العمومية التي لحقها تآكل احتياطي الصرف الأجنبي وتوقف الواردات وتضخم متصاعد وندرة في السلع وصلت حتى رفوف المتاجر. مما يبرر الغضب الاجتماعي الذي تبع ذلك، في منطق تلك الظروف، ومما يبرر، في سنة 1960، إسقاط  الحكومة الشعبوية القائمة آنذاك.

2- العودة إلى إستراتيجية التصنيع:

    و تتم العودة إلى إستراتيجية التصنيع تعويضا للواردات، مؤطرة بمخططات تنمية خماسية الآجال  (لخمس سنوات). فهو اقتصاد السوق تحت الحمائية حيث يستحث النمو الاقتصادي باستحثاث طلب السوق الداخلية.

    فظهرت إلى الوجود مجمعات صناعية عائلية ضخمة من مؤسسات خاصة إلى جانب مؤسسات عمومية كانت لا تزال قوية، آنذاك.

 ويقترب وجه الشبه هنا بما تعيشه الجزائر مع فارق شاسع يتمثل في بعث القطاع العام بشراكة خاصة أجنبية أو بدونها حسب قطاعات النشاط الاقتصادي وحسب وقع توافد المستثمرين الأجانب في ظل التشريع التحفيزي الصادر سنة 2022 في الجزائر دون تفضيل أو إقصاء مذهبي لأي قطاع لصالح قطاع آخر.

   ففي تركيا  من 1950 إلى 1980، ارتفع الإنتاج خمس مرات، وحجم السكان مرتين  والدخل الفردي مرتين هو أيضا مع البقاء دون الدخل في الدول الأوروبية. ففي 1980، كان القطاع الزراعي التركي لا يزال يشغل نصف الطبقة النشطة من السكان لتحقيق ربع إنتاجها الوطني. فالزبائنية المكلفة والانحرافات المالية المترتبة عنها والتي صاحبت إعادة الهيكلة القطاعية للاقتصاد التركي،  كانت مصدر نفس الإزعاجات الاجتماعية السابقة مما أدى إلى نفس التوترات السياسية في البلاد.

   وتبع ذلك انقلابان على الحكم القائم: في سنة 1971 وفي سنة 1980، لكون كل المؤشرات الاقتصادية كانت حمراء.

     فبدأت مرحلة جديدة سميت بمرحلة الانفتاح والنمو على أنقاض المرحلة السابقة التي، هي، كانت، بصراحة، على النقيض من ذلك.

3- إستراتيجية الانفتاح بتوجه ليبرالي:

   هي مرحلة تمتد من 1980 إلى 2012. ففي بداية المرحلة، كانت المؤشرات تعبر، واسعا، عن الصحة الاقتصادية والاجتماعية لتركيا:

   – نسبة التضخم بلغت 84 بالمئة،

 – الحاجيات إلى تمويل الإدارات العمومية كانت تمثل 7% من الناتج الداخلي الخام،

 – العجز التجاري كان يمثل 5% من الناتج الداخلي الخام

مما اضطر الحكومة، تحت أوامر عسكرية، إلى فرض، على البيروقراطية التركية، حمية تطهيرية وإستراتيجية تنموية تتمحور حول انتعاش الصادرات:

     – تخفيض عميق للعملة الوطنية،

     – الانتقال إلى نظام تعويم العملة،

     – إبعاد الدولة عن التسيير الاقتصادي باللجوء إلى

خصخصة بالجملة للمؤسسات العمومية وبتقليص الدعم للزراعة،

     – تحرير الواردات،

     – دعم الصادرات الصناعية،

     – تشجيع الاستثمارات الأجنبية.

        وكان لهذه الإصلاحات الأثر الإيجابي على تحريك القطاع الصناعي، عكس ما عرفته الصناعة الجزائرية بعد الإصلاحات المملاة عليها من قبل المؤسسات المالية الدولية  من 1986 إلى 1998.

   فتوج بالنجاح مجهود تركيا للتكيف مع مقاييس الإنتاج الغربية، ترجمه دخول تركيا في 1996 إلى الاتحاد الجمركي للاتحاد الأوروبي بالنسبة للمنتجات الصناعية. فارتفع الدخل الفردي في تركيا، ابتداء من 1980، بوتيرة أعلى بكثير من المتوسط العالمي، تماما كما عرفته الجزائر في نفس الفترة إلى غاية 1985. لكن، خلافا للانهيار الشامل للاقتصاد العمومي الجزائري خلال المرحلة الممتدة من 1986 إلى 1998 في غياب، يكاد يكون كليا، لإنتاج القطاع الخاص الوطني آنذاك.

     إلا أن نفس التيهان عند تركيا، ظهر مجددا على مستوى تسيير الاقتصاد التركي بعد هذا النجاح النسبي البين:

   – تهاون في السياسات الجبائية والنقدية،

   – عدم تحمل النفقات العمومية،

   – سوء الضبط المالي،

   – عدم  توافق  سياسات الصرف الأجنبي.

   إلا أن تنافسية الصادرات التركية كانت، دائما، مضمونة بتخفيض قيمة العملة الوطنية الليرة التركية مع ما لذلك من انعكاسات على ارتفاع نسبة التضخم.

     فانجر عن ذلك،  عدم استقرار الاقتصاد الكلي يدعمه عدم استقرار مزمن للحكومات المتعاقبة، إذ تعاقبت تسع حكومات خلال عشرية 1990، حسب أهواء تحالفات حزبية غير متجانسة في كل الأحوال.

  فانجر عن ذلك، منطقيا، الركود الكبير الشامل لسنة 2001:

– انهيار الناتج الداخلي الخام بنسبة % 9,5

– تضخم تجاوز نسبة % 50

      – الدين العمومي تجاوز 78% من الناتج الداخلي الخام،

     –  نظام مصرفي مفلس،

       – تحدي الطبقة السياسية بلغ ذروته.

  2- بدائل 2001

    عرفت تركيا  مرحلة بديلة أخرى  منذ سنة 2001 إلى غاية اليوم. هي مرحلة حزب  العدالة والتنمية  للرئيس رجب الطيب إردوغان الذي ربح انتخابات 2002. وقد ضمنت التعديلات الدستورية ل 16 أفريل 2017 التي شهدت تركيا تنتــقل، ابتداء من 2018 / 2019، من نظام برلماني إلى نظام رئاسي،  كما أشرنا إليه أعلاه. وهو ما يبدو أنه يضمن استقرارا مديدا لتركيا. وتذكر هذه الإستراتيجية الجديدة بإستراتيجية الحزب الديمقراطي قبل الخمسين سنة الماضية. فالحزب الحاكم، حاليا، يعيش، بالفعل،  مرحلة استقرار بعد ال 34 % من الأصوات التي حصل عليها في 2002 ثم ال 47 % وال 50%  المحصل عليها في 2007  و 2011، تواليا.

قناعة من قادة حزب العدالة والتنمية أن الرفاهية هي أحسن رهان لبقائهم في الحكم، ونظرا للبرجماتية المشهورين بها، فإنهم لا يترددون أمام الإصلاحات الضرورية. فلم يترددوا للخروج من الأزمة العميقة لسنة 2001، في التوفيق بين متطلبات سياسة استقرار كلاسيكي صالحة لكل زمان ومكان يمليها صندوق النقد الدولي، وبين متطلبات استحثها ترشح تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وترتكز هذه الإستراتيجية على:

               – استقرار الأسعار بفضل سياسة موازناتية شديدة الصرامة،

               – تطهير المالية العمومية،

               – إعادة هيكلة رسملة المنظومة المالية،

               – ضمان استقلالية البنك المركزي.

    فمكنت هذه الإصلاحات تركيا، سريعا، من تجاوز الأزمة المالية العالمية التي أحدثتها أزمة القروض العقارية عالية المخاطر في بنوك الولايات المتحدة الأمريكية ابتداء من سمة 2007 والتي امتدت إلى سنة 2008 وبداية سنة 2009، وكذا، بعد ذلك، تسجيل  نمو عال نسبيا  للناتج الداخلي الخام من بين أعلاها في العالم، خلف الصين والهند   بنسبة 9,2 % في 2010 و 8,5 %  في 2011.   وارتفعت، في نفس التاريخ، صادرات المنتجات الصناعية بنسبة 75 % (سيارات مختلفة من علامات أجنبية مجمعة بنسب اندماج مختلفة).

   لكن هذه الأداءات التي لا يمكن إنكارها، تحتاج إلى تصحيح بإخفاقات بارزة جدا، نذكر منها، على وجه الخصوص:

 – عجز جار عال بنسبة 11 % في 2011 يعود إلى ضعف الادخار وإلى تنافسية بنيوية غير كافية،

  – يشغل القطاع غير الرسمي 40 % من الطبقة النشطة من السكان ومنها 25 % خارج الزراعة،

  – اليد العاملة قليلة التأهيل،

  – فوارق جهوية مقلقة في ميدان التنمية بين شرق البلاد وغربها.

     فإذا كانت البلاد قد تطورت لمدة طويلة، استلهاما من النموذج الغربي، فإنها قد حققت، تحت قيادة حكومات حزب إردوغان رئيس تركيا الحالي منذ 2003  إلى اليوم، إصلاحات عميقة، ووضعت حدا للتيهانات الماضية على المستوى الاقتصادي. ففي آخر المطاف، فإن مستوى وبنية الناتج الداخلي الخام لتركيا، قد عرفا  تحولا عميقا، كما تمثل مؤشراتها الأخرى مصدر آمال كبار في اتجاه تحقيق أداءات أكبر، كما  يوضحه الجدول الموالي لسنة 2025.

يتقاطع بعض هذه المعطيات ويتعارض البعض الآخر مع معطيات الاقتصاد الجزائري في الفترة 1999-2026 حسب مراحل أربع : ما قبل 2002، وما بين 2003 و 2013 ، وما بين 2014 و 2019/ 2020  ،  وأخيرا  ما بين 2021 و 2026.

     ونظرا لأهمية المعطيات وطابعها المعقد،  نرتئي إرجاء عقد مقارنات مع مسار التنمية في الجزائر لهذه الفترة، إلى مساهمة قادمة بالتخصيص.

    وهكذا، فبعد زهاء قرنين من التخبط المنهجي بحثا عن أصوب النماذج التنموية دون نجاح مقنع، فإن النموذج التنموي المعتمد من قبل حزب العدالة والتنمية للطيب رجب إردوغان منذ انتخابات 2002، يكون قد بلغ، بصفة بيــنة، درجة الرشد باكتسابه قدرات كامنة للتشارك التنموي مع إقتصادات بلدان أخرى مثل  الاقتصاد الجزائري. ولا يشكل التضخم المرتفع والتراجع الكبير للعملة التركية، كما سقناه في الجدول أعلاه، مصدر تهويل أكثر من اللزوم في مقابل هذا الحكم المريح على الإنجازات المحققة. فهذه المنجزات تشكل نقاط تنافر كبير بين الغرب الليبرالي والدول الناشئة (الصاعدة)، مع العلم أن الرافعات ”النقداوية” تشكل أدوات حيوية لللحمائية والتنافسية لهذه الدول (الناشئة). فتخفيض قيمة العملة الصينية ”اليوان” يمثل في هذا الشأن، على وجه الخصوص، المثل المعبر عن المشادات بين مصالح الأطراف المتعارضة.

  فمثال صناعة الحديد والصلب لمؤسسة ”توسيالي” بأرزيو- وهران التي انطلقت، في الأصل، بأهداف متواضعة بإنتاج محدود في 1,2 مليون طن  سنويا من حديد البناء، انتقل في سنة 2024/ 2025 إلى طموحات عالية في ميدان الحديد والصلب وذلك بدخول مصنعها الجديد للحديد المسطح مرحلة الإنتاج بتكنولوجية الاختزال المباشر وبطموح الاندماج في صناعة السيارات التي تعرف في الجزائر، حاليا، مرحلة ازدهار، كم كانت منتظرة. فالإنتاج الذي بلغ لحد الآن مستوى6,5  مليون طنا، قد أعلن بشأنه، عن استثمارات إضافية بقيمة  2,5  مليار دولار بهدف بلوغ، بصفة تدريجية، حوالي 10 ملايين  طنا سنويا في أفق 2030.

        وسيشارك في تحقيق هذا الهدف مصنع بشار الموجه للمعالجة القبلية لخامات حديد غار جبيلات، في شكل كريات وتخصيب، محتوى هذه الخامات، من الحديد في مصنع أرزيو المبرمج دخوله مرحلة الإنتاج في سنة 2028، في شراكة بين ”مؤسسة توسيالي التركية” والمؤسسة العمومية الجزائرية المتخصصة ”سوناريم”. فصادرات ”توسيالي-أرزيو” من مختلف منتجاتها من الحديد والصلب، قد احتلت، إلى اليوم، مواقع  كثيرة في الأسواق الخارجية : الأوروبية والأمريكية والصينية وحتى الإفريقية حيث تمثل السوق السودانية، بالخصوص، مكمونا هاما بغرض إعادة بناء هذا البلد الذي حطمته الحروب الداخلية. وهكذا، سيبلغ إنتاج الجزائر من الحديد والصلب، بما فيه إنتاج المركب الجزائري-القطري ببلارا- جيجل ومركب الحجار  العمومي وغيرها، في أفق 2030، حوالي 20 مليون طنا، في مقابل احتياجات إجمالية  سنوية للسوق الجزائرية تقدر بحوالي 12-14 مليون طنا في نفس الآجال، بآفاق تصديرية عالية التفاؤل.

       وتمثل صناعة النسيج بغيليزان مثالا آخر لافتا، حتى إذا كانت تركيا، لحد الآن، تكون قد فضلت، مرحليا، تمديدا زمنيا في تجسيد طموحاتها الأصلية على مستوى حجم الاستثمارات وحجم الإنتاج ونوعيته  وعدد مناصب الشغل  وحجم الصادرات.

     والمثال الثلث،  تجسده الاستثمارات التركية في استصلاح واستغلال الأراضي الزراعية الصحراوية المسقية  في ”أولف” بولاية أدرار حيث يجري استغلال حوالي 6000 هكتارا بتعاون مع الجزائريين في مختلف الزراعات باستخدام فعلي إلى اليوم، لحوالي 44 مرشا محوريا وحيث النتائج الأولية تبعث على الارتياح.

     ويتشكل المثال الرابع في قطاع البناء والأشغال العمومية حيث تشتغل من 1500 إلى  1600 مؤسسة تركية لحد الآن، وحيث هي متواجدة في الأشغال الكبرى للبنيات التحتية وعلى وجه الخصوص، في إنجاز الطرق الفرعية السيارة الرابطة  بين الموانئ  وبعض المناطق الداخلية والطريق السيار شرق-غرب.

    فتنشيط وترسيم مجلس التعاون الاستراتيجي الجزائري-التركي ذي المستوى العالي، خلال زيارة الدولة التي  أداها أيام 6 و 7 و8 ماي 2026 الرئيس الجزائري إلى تركيا، يرميان إلى  تحقيق حجم تبادل تجاري بين تركيا والجزائر  في مستوى 10 ملايير دولار في أفق 2030 مقابل حوالي 6 ملايير دولار محققة  حاليا.  لكن بمستوى تنويعي أوسع بكثير الذي يسمح به ما تحقق، فعليا، من إنجازات بين اقتصادي البلدين  والطموحات الكبار التي سطرتها الجزائر في افق 2030. وهكذا، راحت تركيا تنازع  الصين وفرنسا  على الزيادة في المبادلات مع الجزائر. وكأن نداء التاريخ العريق لأكثر من 500 سنة، راح يطرق باب تاريخ المستقبل.

فالجيوسياسة والجيوستراتيجية في المجالات التي تظهر حيوية، اقتصاديا وسياسيا بطبيعة الحال، بالنسبة لكلا البلدين، ستعرف، في الواقع، الإسقاطات العملية لهذه الرؤية الإستراتيجية الإستشرافية للبلدين الاثنين، على المدى القريب والمتوسط والبعيد، وبالخصوص بالنسبة للجزائر التي تعرض خدماتها أكثر فأكثر، كنقطة دخول اقتصادية إلى إفريقيا وكنقطة ارتكاز  جيوسياسية وأمنية في إفريقيا الشمالية وفي الساحل مدعومة، في ذلك، بنجاحاتها القريبة في انتشاراتها السياسية والاقتصادية في اتجاه أوروبا وفي اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية.

   يتحقق هذا  إلى جانب شراكتها مع ”البريكس” ومع بنكها للتنمية دون التزامات عضوية وإلى جانب انضمامها كشريك محاور  في منظمة شنقهاي للتعاون وتمديد  تعاونها للدفاع  لأجل غير مسمى مع إطاليا، عضو مؤسس لمنظمة الحلف الأطلسي دون التنازل عن أي محور تعاوني آخر او شراكة أخرى تشبتا عقائديا بإيمانها بقيم حركة عدم الانحياز.

تقوم الجزائر بذلك دون حنين انتقامي للمرحلة 1516-1827 لهيمنتها في البحر الأبيض المتوسط في مواجهة الأوروبيين والأمريكيين، لكن دون نسيان العزة التي يفتخر بها حتى الأمريكيون إلى اليوم، للتوقيع مع الجزائر، على معاهدة السلم والصداقة، ذات تاريخ 5 سبتمبر 1795، حماية لأمريكا من الأوروبيين بمثابة اعتراف من دولة الجزائر العريقة بدولة أمريكا الجديدة (آنذاك).

                                                                          

 المراجع:

عمار تو:  ”الجزائر، الإشكالية الاقتصادية والحتمية العالمية”.  مؤلف من 807 صفحة. صدر في طبعة ثالثة عند ”كليك للنشر” في أكتوبر 2025 ووزع في مارس 2026.

مقالات ذات صلة