الجفاف والحرب يجددّان مخاوف الجزائر حول الأمن الغذائي
تتطوّر شُعبة القمح في الجزائر سنة بعد أخرى، ولكن بوتيرة متباطئة. فرغم مساعي الحكومة لتطوير القطاع عبر سلسلة إجراءات استعجالية، وبالخصوص ضبط استيراد القمح، إلاّ أنّها لم تصل لإحداث قفزة نوعية في الإنتاج.
بمجرد نشوب أزمة سياسة أو حرب بين الدول، أو تغير غير متوقع في أحوال المناخ، ينتقل الرعب لنفوس الجزائريين، المتخوفين من تبعات الأمر على معيشتهم، حيث أثارت الحرب الروسية- الأوكرانية، تساؤلات عديدة للمواطنين، بشأن مستقبل شعبة القمح في بلادنا، وكيفيات توفير هذه المادة الرئيسية، بعيدا عن التبعية الأجنبية.
ورغم تطمينات الحُكومة بكفاية مخزون القمح، الذي لن يتأثّر بهذه الحرب المفاجئة، التي تزامنت ولسوء الحظ، مع موجة جفاف تعرفها البلاد، وكثير من دول الحوض المتوسط. الظاهرة جعلت خبراء الزراعة، يُعيدون التذكير بأهمية إحداث تطور في زراعة القمح لبلادنا، فحتىّ لو لم نتمكن من تحقيق اكتفاء ذاتي، فرفع كمّيات الإنتاج السنوي، عن طريق اعتماد إجراءات وتقنيات، كفيل بإحداث طفرة في هذه الشعبة، فالأمر ليس بمستحيل في الجزائر، التي كانت تُسمّى “مطمورة” العالم لتحكّمها في مادة القمح عالميا إبّان العهد العثماني.
الجزائري يستهلك ضعف الكمية الموصى بها من القمح
ومن جهة أخرى، تحذّر منظمة الصّحة العالمية من الإفراط في استهلاك القمح، إذ لا تتعدى كمية الاستهلاك المنصوح به 300 غرام للفرد يوميا، بينما يستهلك الفرد الجزائري 780 غرام يوميا، أي ما يعادل الضعف.
ويرى المهندس الزراعي، منيب أوبيري في تصريح لـ “الشروق”، بأنّ شعبة الحبوب في بلادنا تعترضها عديد المشاكل، خصوصا التغيّرات المناخية والجفاف، لأن أغلب المناطق المزروعة تعتمد على مياه الأمطار، وهذا ما يكبح تطوّرها، مع وجود عوامل أخرى، ومنها، حسبه، ارتفاع أسعار عوامل الإنتاج، من أسمدة وبذور نوعية، وآلات حديثة “مكننة”، سواء من جرّارات كبيرة ذات قُدرات عالية أو حاصدات كبيرة وحديثة. وغياب مثل هذه الوسائل من شأنه كبح تطور هذه الشعبة، ناهيك عن غياب بنك للبذور الأصلية والمقاومة للجفاف.
الجزائر تستورد 7 ملايين طن من القمح سنويا
وقال محدثنا: المساحة المخصصة لزراعة الحبوب حاليا، لا تتجاوز 2 مليون هكتار، تنتج سنويا 5.3 ملايين طن، وهو ما يُعدّ بعيدا جدا عن احتياجاتنا لتحقيق الاكتفاء الذاتي، “لابد من الوصول إلى إنتاج 10 مليون طن، للتخلي عن الاستيراد، أي رفع رقعة المساحة المخصصة إلى هذه الشعبة، إلى ما يفوق 4 أو 5 ملايين هكتار، حتى نكون في مأمن عن استيراد هذه المادة، التي لها تأثير كبير خاصة على ميزانية الدّولة التي تستورد سنويا نحو 7ملايين طن”.
وأبرز المتحدث أن “ظروف جائحة كورونا، والحروب بين الدول المنتجة والمصدرة للقمح تفرض علينا أكثر من أي وقت مضى الاعتماد على أنفسنا في زراعة هذه المادة، والاستغناء عن الاستيراد” على حدّ قوله.
ولتطوير هذه الشّعبة، فالحلّ الوحيد، حسبه، يكمن في توسيع رقعة هاته الشعبة، باستغلال المساحات الشاسعة في الصحراء واستغلال المياه الجوفية، مع ضرورة استغلال ما تمتلكه الجزائر من المناجم الكثيرة المنتجة للأسمدة الزراعية، كالغاز الذي يُنتج منه مادة الآزوت والبوتاس والفوسفور، ما يجعلنا نُخفض تكلفة استيراد الأسمدة.
استغلال المناجم في المبيدات واستعمال التقنيات الحديثة
كما دعا محدثنا إلى ضرورة استعمال التقنيات الحديثة في زراعة الحبوب، كالزراعات الحافظة، واستعمال المبيدات للتعشيب ومكافحة الأمراض الضارة للحبوب، والاعتماد على مسار تقني صحيح، لرفع الإنتاجية والمردود من خلال خطة زمنية مدروسة على المستوى المتوسط والبعيد”.
والاهتمام بالكفاءات العلمية، من مهندسين وتقنيين من أجل تأطير هذه الشعبة وبعث الاستثمارات الحديثة فيها مع السهر على مرافقتها ومتابعتها من قبل أصحاب الاختصاص.
ولتفادي تبعات الجفاف، ينصح أوبيري بالاعتماد وسائل السقي الحديثة والزراعات الذكية، واستعمال الطاقات المتجددة، حتى نتمكن من توسيع رقعة الإنتاج بأريحية، “لأن توصيل الكهرباء للمستثمرات الفلاحية الجديدة يتطلب التوجه نحو استعمال الطاقات المتجددة”.
الاستفادة من الخبرة الأجنبية ضرورة لتطوير إنتاج الحبوب
وأكد المهندس الزّراعي على ضرورة فتح مجال الاستثمار أمام الأجانب، أو التشارك مع معاهد أو منظمات دولية أو شركات كبرى لديها خبرة في هذا المجال، لتمكين كل من يريد تطوير شعبة الحبوب في الجزائر من المساهمة في الأمر.
أما بخصوص المستثمرين المحليين، يقول محدثنا: “يجب رفع كل القيود البيروقراطية، لجعلهم يعملون بأريحية في هذا المجال، وتوفير الدعم المادي من قروض لكل من يريد الاستثمار في إنتاج الحبوب تحويل الجزائر إلى قطب أو وجهة أساسية لتوفير غذاء إفريقيا”.
ونظرا لشح التساقط في الآونة الأخيرة الذي أثر مباشرة على إنتاج الحبوب، يدعو أخصائيون في الفلاحة إلى تفعيل مختلف طرق السقي التكميلي، ومنها الاعتماد على السقي بالتقطير والمياه الجوفية ومياه الآبار.
الرّي التكميلي “المعطل” الخيار الأوحد عند الجفاف
ويرى الخبير الزراعي، آكلي موسوني، بأنّ الاعتماد على الأمطار هو الخطأ الكبير الذي أبقى مساعي تطوير قطاع الفلاحة دون جدوى السنوات الأخيرة، مع التأخر الحاصل في تطبيق تقنية الري التكميلي المعطلة منذ سنوات مضت على إدراجها ضمن استراتيجية وزارة الفلاحة الرامية لتطوير القطاع.
وقال الخبير الزراعي أنه “على وزارة الفلاحة التحرك من أجل تحسيس الفلاحين أكثر بالتوجه نحو طرق السقي التكميلية ودعمهم ومرافقتهم من أجل التحوّل إليها، مشيراً إلى أنّها مكلفة جدا وتحتاج إرادة قوية وجهودا كبيرة تبذل في الميدان، ولا يمكن للفلاحين تحملها لوحدهم. وتزيد مساحة الأراضي التي تعتمد على تقنية السقي التكميلي بالجزائر عن 300 ألف هكتار، معظمها تنتج الحبوب، كما أعدت وزارة الفلاحة في هذا الإطار ورقة طريق خلال الخماسي الجاري 2020/2024، لتوسيع المساحة المعنية بالسقي التكميلي إلى 20 ألف هكتار سنويا متعلقة بالحبوب بمختلف أنواعها.