الجلال والجمال
أهل التصوف مبدعون في التدقيق والألفاظ الجميلة التي أصبحت خاصة بهم وفتحوا باب العشق والحب على مداه، فهم عشاق ومتيمون ومولهون والصبابة تأخذ منهم مداها ويصلون من الحب إلى الطيش والذوبان.. وهم في هذا كله يفرقون بين الجلال والجمال، فما كان للجلال ليس لهم إزاءه حيلة فهم إما مغشي عليه أو مجذوب، وإما ذو الجمال فهم فيه من حياة السعد والرضا، فكم من الناس يستطيع أن يجمع بين الحب والسعادة.
في هذه الحياة تصبح الكلمة مفتاحا للفرح أو الحزن وتصبح العبارة دالة على الحال في مثل هذه المواقف تتسابق نحونا المعاني الجليلة التي نطق بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لجعل الابتسامة وإفشاء السلام هي أول ما يقابل العبد أخاه العبد به ثم يكون التفاؤل وقول كل ما هو ايجابي..
عندما تختل ثقافة مجتمع ما بسبب استبدال القيم تتحول المسرات إلى مكدرات وينبري أشخاص لا هم لهم الا التيئيس والتكفير والتهجير والتنفير وهؤلاء قد يكونوا مخادعين لا يعبرون عن حقيقة ما يرغبون او لعلهم منفرون كما الأكلة عندما تتداعى إلى قصعتها كل منها ينبح يطرد صاحبه عن بعض العظام..
ولأن الحياة دورة متكاملة تصبح الكلمة الإيجابية الجميلة الجليلة هي مفتاح الخير للمجتمع كله، كيف لا وهي من يغلق المنافذ على اليأس والإحباط والتذمر والتشكي؟ كيف لا وهي مفتاح لكل جميل من القول وبديع من البيان وهي مغلاقة لقول الشر وجلابة لكل ود ورحمة.. ومن هنا تصعد الكلمات الطيبة في حياة الناس فيقبلون على مشاغلهم بفرح ورضا فيكون الإنتاج والوفر الذي ينعكس على المجتمع بالرخاء والطمأنينة فتصبح الابتسامة سلوكا طبيعيا والنصيحة منهجا اخلاقيا والتعاون والتكامل ضرورة انسانية.
ان اضطرابا عنيفا لحق بمجتمعاتنا وان فراغا مذهلا نتخبط فيه.. ولا سبيل لنا إلا تدبر أولويات الخروج من الكارثة التي تمر بها مجتمعاتنا.. فإن الدواعش والإرهاب والمتطرفين نتاج طبيعي لما تعيش فيه مجتمعاتنا من ضنك واضطراب وفقدان البوصلة.
فقدنا لغة العقل والعلم وحلت محلها سيوف وخناجر وقتل على المظنة والتأويل فاختلفنا حول هيئة الكرسي والعرش والنزول والصعود وعذاب القبر وهيئة اليد وخلق القرآن وسوى ذلك مما لا يمكننا الجزم فيه مطلقا.
فقدنا هيبة الجلال وروعة الجمال فاضمحلت قلوبنا وتيبست مشاعرنا واكفهرت المعاني على ألسنتنا.. وكما هو واضح المسألة ليست فردية أو سلوك شخصي إن مردودات ذلك على اقتصادنا وتعليمنا وسياستنا، فهل من تفكير بإعادة تشكيل أولوياتنا وترتيب أفكارنا؟