الرأي

الجنازة رَجُل

قال لي أحد الأصدقاء إن الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله- ذكر أن ملك المغرب السابق الحسن الثاني قال له: لقد أدركتُ في بداية عهدي أن الحياة الدنيا “لَعِبٌ ولهوٌ”، وذلك عندما أعلن الإمام عن صلاة الجنازة على والدي الملك محمد الخامس قائلا: “الصلاة على الجنازة، وهي لِرَجُل”. عندها أيقنت أن الحياة الدنيا مهما ينل منها الإنسان، ويبلغ فيها من مناصب، فهي “متاع الغرور”، و”أن الدار الآخرة لهي الحيوان”، حيث لم يقل الإمام مثلا: “الصلاة على صاحب الجلالة”، أو “الصلاة على الملك المعظم”، أو “الصلاة على أمير المؤمنين”، أو أي تعبير من التعابير الدالة على السلطان والجاه، مما يتطاول به الناس على بعضهم، فـ”كل شيء هالكٌ إلا وجهه”.

المؤسف هو أن الحسن الثاني وغيره ينطبق عليه المثل الشعبي عن القطّ “يعرف القمح و…فيه”، بحيث ما أن “اعتلى” عرش أسلافه “المنعّمين” حتى علا، أو ازداد عُلوا، في الأرض، وبغى، وكان مأوى لكثير من الفاسدين من جميع أنحاء العالم الذين يبغون الفساد، لما يجدونه عند “جلالته” مما حلّ وحرُمَ مما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين..

كل ذي سلطان في هذه الحياة الدنيا إلا أحْيَاءُ القلوب، راشدو العقول يستحوذ عليهم الشيطان ويزين لهم أعمالهم ويدلّهم بغرور، وينسون الله عز وجل حتى يأتيهم اليقين بغتة، ويُصبحوا “بين أيدي الغسالين”، ويروا مقاعدهم هناك، حيث لا تنفعهم هذه الأسماء والألقاب التي يرفعون بها خسائسهم، ويغطّون بها نقائصهم، فكم من “صاحب جلالة” هو في الحقيقة “صاحب نذالة”، وكم من “صاحب فضيلة” هو في الحقيقة “صاحب رذيلة”، وكم من “صاحب رفعة” هو في الحقيقة “صاحب سفالة”…

قال لي أحد الفضلاء: إنه سمع الشيخ محمد ابن خديجة -رحمه الله- يقول في أحد دروسه المسجدية البسيطة اللغة، العميقة المعنى: ما غرّ أولئك المستعلين، والطواغيت إلا أمران: الصحة واستمرار السلطان، فلو استيقن كل صحيح أنه سيمرض، ولو استيقن كل ذي جاه أن جاهه إلى نهاية بالعزل أو بالموت، لفكّر كثيرا قبل أن يفعل ما يزيّنه له قرينه، وما يُوحيه به إليه، لكَفّ عنه أو لقلّل منه.

 إن شخصا مكّن له الله عز وجل في الجزائر ليبلُوه أيشكر أم يكفر، وقال عن قوته ما قال، وقال عنه السفهاء ما قالوا، وظنّ وظنّوا أنه “مُعجِز الله” سبحانه، وفعل ما فعل، ولم يُسأل عما فعل… ثم أدال الله العزيز المنتقم دولته، ولم يعد له ما كان له من أمر ونهي ومكر بالليل والنهار…

فيا أيها المستعلون في الأرض بغير الحق، من ملوك، ورؤساء، وأمراء، ووزراء، و”مديرين”، وضباط، وسفراء…. اذكروا يوم تضعفون، واعلموا أن الإنسان خُلق ضعيفا، مهما يكن قويا، فلا تغُرّنكم “قوتكم” المؤقتة، واذكروا أن سلطانكم زائل مهما يطُل أمده، وقد يتحكم فيكم من كنتم تتحكمون فيه، ويظلمكم كما ظلمتم… وهذا هو الموت “المعنوي” قبل الموت الحقيقي، وما أجمل قول أبي العلاء المعري –رحمه الله-:

إن حُزناً في سَاعةِ الموتِ      أضعافُ سُرور في ساعةِ الميلادِ

لقد أخبرنا الله عز وجل في القرآن الكريم أن كل الضّالين عن سبيله، العاثين في الأرض بغيا وظلما وفسادا، سيقولون لله سبحانه وتعالى عندما يرون الجحيم، ويستيقنون أنهم مواقعوها: “ربنا أبْصَرْنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا، إنَّا موقنون” (السجدة12). وعندها يقول لهم الله عز وجل (اخسأوا فيها ولا تُكلمون).

إن شخصا مكّن له الله عز وجل في الجزائر ليبلُوه أيشكر أم يكفر، وقال عن قوته ما قال، وقال عنه السفهاء ما قالوا، وظنّ وظنّوا أنه “مُعجِز الله” سبحانه، وفعل ما فعل، ولم يُسأل عما فعل… ثم أدال الله العزيز المنتقم دولته، ولم يعد له ما كان له من أمر ونهي ومكر بالليل والنهار… ثم مرض مرضا شديدا، حار فيه الأطباء، وعجز عن علاجه الحكماء، حتى “كَرِهَهُ أهله”، وصار يتمنى الموت ولا يجده مما كان يعانيه، قال لبعض صحبه، معترفا بذنوبه وجرائمه: “ظلمنا الناس”… وعندما أماته الله لم ينشر أحد من متملّقيه تعزية عنه، فما بكت عليه السماء والأرض… ولكن أكثر الناس لا يعقلون، ولا يتعظون، ولا يعتبرون.

 لا تَظلموا حتى لا تُظلموا، ولا تنسوا أن الله عز وجل عزيزٌ ذو انتقام، وأن دعوة المظلوم -جِنِرالاً كان أم كابْرَانًا- مُستجابة، وأنه ليس بينها وبين الله حجاب.. واذكروا يوم يُقال: الصلاة على الجنازة…

لقد قيل ما قيل، في الأيام الأخيرة عن “ضابط”، واختلف الناس فيه، فمنهم من زكّاه ومنهم من دسّاه، أما الذي يعنينا –كجزائريين- فهو أن يكون مسؤولونا من المقسطين لا من القاسطين، وأن يكون القضاء، مدنيا أو عسكريا، عادلا.

إن من يُجادَل عنه بغير حق في الدنيا لسبب من الأسباب أو علاقة من العلائق؛ من يُجادل الله عنه يوم القيامة، أم من يكون عليه وكيلا، بعد أن تقطعتِ الأسباب، وتمزقت الأنسابِ…. فلا تَظلموا حتى لا تُظلموا، ولا تنسوا أن الله عز وجل عزيز ذو انتقام، وأن دعوة المظلوم -جِنِرالاً كان أم كابْرَانًا- مُستجابة، وأنه ليس بينها وبين الله حجاب.. واذكروا يوم يُقال: الصلاة على الجنازة… 

مقالات ذات صلة