الرأي

الجنوب.. هو الجزائر!

جمال لعلامي
  • 4775
  • 11

أصوات ناشزة وشاذة، تتحرّك في كلّ مرة، لمحاولة اصطياد غنائم ليست من حقها. وهذه المرة، اختارت منطقة الجنوب الآمنة والطيّبة والفحلة، قصد ركوب مطالب مشروعة واحتجاجات سلمية لشباب مسالمين يُطالبون بحقهم في الشغل والتوظيف، وهذا مطلب لا يُمكن إلا الوقوف معه ظالما أو مظلوما.

إن معاناة أهلنا، في الجنوب والصحراء الكبرى، ليست خافية على أحد، حتى وإن كان البعض يختزل المنطقة التي تمثل السواد الأعظم من مساحة الجزائر، يختزلها في التمتع برحلات سياحية تقود إلى حمام زلفانة أو الطاسيلي أو الأهقار أو الأسكرام الشامخة أو إلى تاغيت أو واحات النخيل العذبة!

لا أحد يتجرّأ على الطعن في نزاهة ووطنية الجزائريين القاطنين بولايات الجنوب والمنحدرين منها، فالمواعيد الانتخابية المختلفة، تؤكد أن أهل المنطقة ما زالوا يؤمنون بـ “التغيير” السلمي وعن طريق الصندوق فقط، وليتنافس بعدها المتنافسون.

وبالتالي، لا يجوز لأيّ كان من السياسيين والأحزاب والمتقاعدين والمتعاقدين مع مخابر صناعة “التخلاط”، أن ينزلوا في ظل ظروف استثنائية وخاصة، إلى منطقة الجنوب، من أجل تسييس الاحتجاجات وركوب مطالب البطالين، الذين يعرفون جيّدا كيف يُدافعون عن حقوقهم بعيدا عن طبقة سياسية لا تتذكر المنطقة إلاّ في الانتخابات وجني المحصول!

شخصيا، زرت أقصى الصحراء في وقت سابق، ووقفت على “الجزائر الأخرى”، الجزائر المحافظة، وجزائر الجود والكرم، وجزائر الطمأنينة والأمان، وجزائر حسن النوايا، وجزائر الإخلاص والوفاء والولاء لكلّ ما هو جزائري، فهل بعد كلّ هذا، هذه الجزائر بحاجة إلى من يُحاول الاستثمار في آلامها وأحلامها؟

لا يُمكن للشمال الجزائري أن يعيش بلا جنوبه، مثلما يستحيل أن يحيا شرق البلاد بلا غربها، والعكس صحيح في كلّ الاتجاهات، ولذلك، فإن محاولات فصل الجسم الواحد، هي محاولات يائسة بائسة، ومحاولات مكشوفة لهز استقرار بلد آمن لن يتنكـّر أبدا لثورة أولاد سيدي الشيخ التي قادها وانتصر فيها الشيخ بوعمامة.

نعم، هناك توزيع غير عادل للثروات والمسؤوليات بالجنوب، ونعم هناك “حڤرة” وتهميش، ونعم هناك نسيان وتناسٍ لمناطق ما زالت تعيش خارج التاريخ والجغرافيا، لكن كلّ هذا القليل من كثير، لا يعني أبدا أن الجزائريين بإمكانهم أن يتخلّوا هكذا عن جزء لا يتجزأ منهم، وفي كلّ الحالات والأوضاع، فإن الجزائر بلا جنوب هي قطعة مفككة من جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر!

لن يقف أيّ جزائري، من تاء تيزي وزو إلى تاء تمنراست، ومن تاء تلمسان إلى تاء تبسة، ضدّ ضرورة وعدالة الاستجابة السريعة لانشغالات سكان الجنوب وشبابه، لكن بالمقابل، لن يقف أيّ جزائري أيضا، وأولهم سكان وأهل الجنوب والصحراء، في صفّ “خلاطين” وصيّادي فرص، لا هدف لهم سوى تحقيق مصالحهم الشخصية الضيّقة، حتى وإن حلّ الطوفان من بعدهم!

ليس من الصدفة أو البراءة بمكان، أن يتقاطع عدوان تيڤنتورين والحرب الفرنسية بمالي والوضع غير المستقرّ بليبيا، مع محاولة استغلال وتسييس احتجاجات شباب منطقة الجنوب، من طرف “تجار الفتنة”، وهذا لا يستدعي إلاّ فتح ما تبقى من أبواب الحوار وتلبية المطالب المشروعة، حتى يـُرفع الغطاء عن الانتهازيين وتنفضح مؤامرتهم أمام الرأي العام… علما أن من يعتدي على الجنوب فإنه يعتدي على الجزائر. 

مقالات ذات صلة