الرأي

الجهل‭ ‬واللاوعي‭!! ‬

حفيظ دراجي
  • 12562
  • 52

في بعض الأحيان أفكر في التوقف عن الكلام والكتابة، ليس خوفا أو طمعا أو بسبب قلة المواضيع، بل من كثرتها وكثرة الظواهر التي تستدعي الوقوف عندها وإبداء الرأي فيها، وكثرة الهموم والمتاعب والأخطاء المتكررة التي نرتكبها يوميا، والفشل في معالجة مشاكلنا، وبسبب اتساع رقعة التذمر التي وصلت إلى الأطفال الصغار فصاروا ينتحرون، ولم يسلم منها الكبار الذين صاروا يرغبون في “الحرڤة” وهجرة الديار، لذلك ينتابني الشعور بأننا نتكلم ونكتب لمن لا يسمع ولا يقرأ، ولمن يعيشون في كوكب آخر غير كوكب الأرض، وبأن تغيير الحال من المحال، بل إن تدهور الأحوال هو المآل إذا استمر الجهل واللاوعي اللذان نتخبط فيهما رغم جهود بعض رجال هذا الوطن في مواقع معينة ممن يحرصون على صيانة مكتسباته، ورغم قدراتنا البشرية والمادية التي لا تملكها كوريا أو اليابان، ولا إسبانيا أوإيطاليا..

أما الجهل واللا وعي بقيمة الوطن والشعب وحجم المسؤولية الملقاة على عاتقنا وما ينتظرنا من تحديات، فهو السائد في مواقع مختلفة من أناس يعانون إفلاسا فكريا رهيبا، ولا يقدرون على المبادرة وتحمل المسؤولية، ولا يملكون الشجاعة لقول الحقيقة والتنديد بالتجاوزات والخروقات‭ ‬التي‭ ‬يمارسها‭ ‬من‭ ‬يعتبرون‭ ‬البلد‭ ‬ملكية‭ ‬خاصة،‭ ‬يتصرفون‭ ‬فيه‭ ‬كما‭ ‬يحلو‭ ‬لهم‭ ‬ويسيئون‭ ‬إلى‭ ‬المؤسسات‭ ‬والرجال‭.. ‬

جهل ولا وعي بأن جزائر الألفية الثالثة مختلفة عن جزائر ستينيات القرن الماضي، وأن فيها جيلا واعيا يدرك كل شيء، جيلا شاهدنا واستمعنا الى عيّنة منه في برنامج تلفزيوني بث على قناة الجزائر منذ أيام وحضره مجموعة من الشباب تحدثوا فيه عن همومهم وانشغالاتهم ووعيهم بالجهوية و”الحڤرة” والتمييز المتفشي في الكثير من المواقع، وأعلنوا صراحة عدم اقتناعهم وعدم رضاهم على أوضاعهم، وكشفوا جهل مسؤولينا بالتحولات التي يشهدها العالم من حولنا وتقتضي تجاوبا من طرفنا، وتجاوزا لأنانيتنا وممارساتنا.. وأظهروا جهل مسؤولينا بتراجعنا المستمر‭ ‬في‭ ‬عديد‭ ‬المجالات،‭ ‬وابتعادنا‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬عن‭ ‬طموحات‭ ‬أبنائنا‭ ‬والوعود‭ ‬التي‭ ‬قطعناها‭ ‬على‭ ‬أنفسنا‭ ‬أمام‭ ‬الشعب‭ ‬وأمام‭ ‬التاريخ‭ ‬الذي‭ ‬لن‭ ‬يرحم‭ ‬غدا‭ ‬كل‭ ‬مسيء‭ ‬ومقصر‭.‬

جهل ولا وعي بأن الانتخابات مهما كانت طبيعتها ليست كل شيء في حياتنا، لأننا شاركنا في عشرات الاستحقاقات في السنوات العشرين الماضية، لكن حالنا يسوء من يوم إلى آخر بسبب نفس الممارسات ونفس الوجوه التي تعود إلينا كل مرة، وحتى لو كانت الاستحقاقات ضرورية فإنها ليست‭ ‬مصيرية‭ ‬كما‭ ‬يصورها‭ ‬البعض،‭ ‬والحياة‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تتوقف‭ ‬قبلها‭ ‬ولا‭ ‬بعدها‭!! ‬

جهل ولا وعي بضعفنا في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، فلم نعد نقدر على مواجهة تنامي ظواهر اجتماعية مثل الانتحار والحرڤة والعنف والجرائم بكل أنواعها، ولم نعد نقدر على الحفاظ على هيبتنا وسيادتنا، حتى وصل الأمر إلى درجة اختطاف ولاة جمهوريتنا إلى خارج الحدود في إيليزي، بل إن الوضع تردّى بعد ذلك إلى درجة أن قنصلنا في مالي اختطف واحتجز وما زال في حكم الغائب الذي ندعو الله بإطلاق سراحه، وقبل ذلك كانت مهزلة احتجاز قراصنة صوماليين لباخرة جزائرية قد امتدت لأشهر طويلة دون أن يتجرأ أحد ليدافع عن أبناء الجزائر ومواقفها ومبادئها التي كانت تهز العالم سابقا، بينما لا يحسب لها حساب اليوم في بلد لم يعد فيه الوزير وزيرا ولا المدير مديرا ولا السفير سفيرا، خاصة بعد التعليمة التي وصلت ممثلياتنا في الخارج تدعو كل الدبلوماسيين إلى عدم التصريح للصحافة والتزام الصمت تجاه كل الحراك الحاصل في الداخل والخارج، حتى لو كان التصريح للرد على افتراءات واتهامات ضد الجزائر!! وكأن المقصود هو إسكات صوت الجزائر من جزائريين تاجروا طويلا بالوطنية والعزة والكرامة، وراحوا ينتقمون من جيل لا ذنب له سوى أنه صبور وملتزم وليس له حسابات يصفيها مع أي كان‭.. ‬

الجهل واللا وعي اللذان نتخبط فيهما يضاف إليهما نفاق سياسي واجتماعي يمارسه البعض في وضح النهار على كل المستويات، وصمت رهيب من سياسيين ومثقفين وإعلاميين يدركون كلهم أين الخلل وما العمل لإعطاء نفس جديد لجزائر القرن الواحد والعشرين، ويدركون جيدا أن الجزائر يبنيها ويحافظ عليها نساء ورجال كل الوطن، وأنها ليست مختصرة في رجل واحد أو جهة واحدة من الوطن، لأن الظلم والإقصاء يولدان الحقد والكراهية ونزعة الانتقام، والجهل واللاوعي يؤديان بالوطن إلى التخلف والتراجع حتى لا أقول شيئا آخر..

مقالات ذات صلة