-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مجلس السلام: المال لترامب وغزة لإسرائيل

مجلس السلام: المال لترامب وغزة لإسرائيل

على الدوام كانت الولايات المتحدة الأمريكية تؤدّي دور “المسمار” الذي يُحبط عجلة القرارات الأممية، مستخدِمة حق “الفيتو” في مجلس الأمن كأداة لحماية الغطرسة الإسرائيلية، وتكريس الانحياز المطلق لدولة الكيان وتحالفهما الأبدي.

اليوم، تأتي مقاربة ترامب “مجلس السلام” لتتجاوز مجرد الانحياز، ولتستبدل القوانين الدولية وأدبيات الأمم المتحدة حول حرية الشعوب وسيادتها، وكذا اتفاقيات جنيف لحقوق الإنسان، بالأدبيات الاستعمارية القديمة التي تعتمد على “الاستحواذ القسري” ومنطق الصفقات، وبمنطق اتفاقيات تقاسم أراضي الشعوب (سايكس- بيكو)، إذ تعتمد رؤية ترامب، وكذلك عقليته على قانون “المرور بالقوة” في فرض مسارات ميدانية تتجاوز حقائق الواقع، هادفة تحويل “غزة” من ساحة مقاومة إلى مختبر أمني وإداري منزوع السيادة تحت وصاية دولية.

بينما يبرز المقعد الإسرائيلي كشريك استراتيجي في المجلس، مستندا لقرار مجلس الأمن (2803) والذي لا يعترف بدولة فلسطينية كاملة السيادة، بل ينص على إنشاء “نظام وصاية إداري وأمني مؤقت” لقطاع غزة. وإذ يُغيَّب الطرف الفلسطيني في هذا المجلس، وخاصة “المقاومة” الشريكة في توقيع وقف إطلاق النار، ليُستبدلوا بأسماء تكنوقراطية أجنبية موالية للسردية الإسرائيلية، في استنساخ لتجربة “بريمر العراق” بإنشاء إدارة مدنية تعمل كوكيل أمني للاحتلال.

إن مشروع “مجلس السلام” ليس محاولة لإنهاء الحرب ولا لإرساء “السلام”، ولا لترميم المسار السياسي المتكسر، بل هو إعلان فعلي عن “خصخصة” الصراع وجعله في دائرة الاستثمارات المالية والسياسية لشخص ترامب، ومن ورائه الإستراتيجية الإسرائيلية، على حساب حقوق الشعب الفلسطيني وسيادته على أرضه، لنجد أنفسنا أمام التساؤل: هل يمكن لهذا النادي المالي الدولي المتآمر أن ينجح في صناعة الاستقرار لصالح الكيان؟ وهل في إمكانه أن يسلب الشعب الفلسطيني حقوقه وينهي سيادته على أرضه؟

أولا: تكوين المجلس.. “سيرك” التنمر ونادي المليار دولار
لا يمكن فهم “مجلس السلام” بمعزل عن هيكليته التي صُممت كـ”نادي صفقات” استثنائي، يُدار بعقد نفسية المدير المتسلط ترامب. وقد بدا ذلك واضحا في الاجتماع الأول بواشنطن في 19 فيفري 2026 عبر ثلاثة ملامح بنيوية:

1. العضوية بالمزاد: لمن يدفع مليار دولار
حوّل ترامب الدبلوماسية إلى “استثمار” بربط العضوية الدائمة بمساهمة مالية قدرها مليار دولار للعضو. إذ أعلن أن المجلس جمع في جلسته الأولى 7 مليارات دولار من الدول المؤسِّسة، والتي أبرزها: السعودية، والإمارات، وقطر، والبحرين، والكويت، والمغرب، وتركيا. وفي مفارقة صارخة، وزيادة على المال الخليجي المستباح، هرع المغرب لتأمين مقعده ودفع “اشتراك باهظ” في وقت تضرب فيه أزماتٌ اجتماعية حادة شعبه وتصل إلى حد الفقر، وزاد بذلك أن أعلن إرسال جنوده إلى غزة لفرض الرقابة على المقاومة ولحماية جيش الاحتلال! كل ذلك مزايدةً بالجلوس مع ترامب ومقايضةً لقمة عيش المواطن المغربي وشرفه بأمنية الاستحواذ على الصحراء الغربية وتثبيت الاعتراف الأمريكي بها.

2. الإهانة كممارسة دبلوماسية
تحوَّل ممثلو 47 دولة في واشنطن إلى “كومبارس” في عرض مسرحي مارسه ترامب بالتنمر على جلسائه. برز ذلك في سخريته من ملك البحرين بوصفه بـ”الغني الذي يمكنه الجلوس أينما شاء”، ودعوته لضخِّ 6 مليار دولار في الاقتصاد الأمريكي، وكذا في تجاهله لوزير خارجية الإمارات برفض مصافحته أمام الكاميرات. وبينما هرع البعض لتأمين مقاعدهم في نادي المليار دولار، كشف غياب قوى دولية وازنة كفرنسا وإسبانيا وإيرلندا، ومخالفة في الرؤية من روسيا والصين، ورفض مبدئي لدول إقليمية كالجزائر وجنوب إفريقيا وإيران، عن عجز المجلس في التحول إلى مظلة دولية ذات مصداقية. هذا الانقسام يؤكد رسالة واضحة هي: أن السيادة في هذا المجلس هي لترامب ومن ورائه الكيان، وللبقية التنمر ودفع الرسوم.

3. الوجود الصهيوني وتغييب الفلسطينيين
بينما يبرز المقعد الإسرائيلي كشريك استراتيجي في المجلس، مستندا لقرار مجلس الأمن (2803) والذي لا يعترف بدولة فلسطينية كاملة السيادة، بل ينص على إنشاء “نظام وصاية إداري وأمني مؤقت” لقطاع غزة. وإذ يُغيَّب الطرف الفلسطيني في هذا المجلس، وخاصة “المقاومة” الشريكة في توقيع وقف إطلاق النار، ليُستبدلوا بأسماء تكنوقراطية أجنبية موالية للسردية الإسرائيلية، في استنساخ لتجربة “بريمر العراق” بإنشاء إدارة مدنية تعمل كوكيل أمني للاحتلال.

ثانيا: غزة “المنطقة المعزولة”.. هندسة الاستلاب وتكريس “اللا دولة”
خلف واجهة “الإعمار” البرَّاقة، تكمن عملية هندسة سياسية تهدف إلى تحويل قطاع غزة إلى “منطقة معزولة” تُدار خارج سياق التاريخ الوطني الفلسطيني، عبر ثلاث ركائز أساسية:

1. الاستعمار العقاري: حين تصبح الأنقاض “فرصة استثمارية”
في عقيدة ترامب، يجري التعامل مع دمار غزة كعقود مقاولات تُمنح لشركات كبرى، مما يحوِّل القضية من “حق إنساني” إلى “عملية خصخصة” شاملة للصراع. هذا الربط بين المال والولاء السياسي يهدف لاستبدال “حق تقرير المصير” بـ”حق الاستهلاك”؛ إذ يُقايض رغيف الخبز بالصمت السياسي، وتُقايض الجدران بالتخلي عن الهوية الوطنية والسيادة على الأرض.

2. وكلاء الإدارة: “بريمر غزة” بوجوه تكنوقراطية
يسعى المجلس إلى ترسيخ نموذج “الإدارة بالوكالة” عبر هيئات تكنوقراطية تفتقر للشرعية الشعبية. هذه الهيئات تعمل كواجهة مدنية تنفذ أجندة أمنية تضمن إرضاء الممولين وتأمين الاحتلال. هي محاولة لفرض حالة “اللا دولة”، عبر اختزال غزة في تجمع سكاني خدماتي معزول، منزوع السلاح والقرار، ومُدار عبر “ريموت كنترول” سياسي تقبض عليه واشنطن وتل أبيب.

3. “الدهس السياسي”: القفز فوق حقائق الميدان
بمنطق “المرور بالقوة”، يمارس المجلس “دهسا سياسيا” يتجاهل المرجعيات الميدانية واتفاقات وقف النار التي كانت المقاومة طرفا فيها. هذا القفز المتعمَّد يهدف إلى كسر “الشرعية السكانية” واستبدالها بشرعية ” فرض الأمر الواقع” التي يفرضها المال. هي محاولة لتحويل القضية من نضال وطني إلى ملف إنساني تقني يُناقَش في غرف الشركات، بعيدا عن حلم الدولة المستقلة ذات السيادة.

ثالثا: “سراب الأمن”.. تصفية القضية وفخ السلام المالي
يهدف “مجلس السلام” في جوهره إلى إعلان “نهاية السياسة” في فلسطين، واستبدال النضال الوطني بوعود الرفاهية المادية. لكن هذا المسار يحمل في طياته بذور فشله في مظهرين:

1. تصفية القضية خلف واجهة “الخدمات”
يسعى المجلس إلى نقل القضية الفلسطينية من أروقة الحقوق التاريخية إلى طاولات المفاوضات المالية. هذا “السلام المالي” يحاول إقناع العالم بأن أزمة غزة هي أزمة “إدارة وإعمار” وليست أزمة “احتلال وحرية”. ومن خلال تهميش المرجعيات الوطنية، يطمح ترامب لفرض واقع “الكانتونات الإدارية”، مما يعني تصفية القضية فعليا عبر تحويلها إلى ملف إنساني دائم بلا أفُق سياسي.

2. فخ الأمن الواهم
يعتقد الممولون أن شراء الصمت بوعود المال والخدمات سيوفر أمنا مستداما للكيان الصهيوني. لكن هذا التصور يتجاهل أن الأمن لا يُبنى على سلب الكرامة، إذ أن محاولة “المرور بالقوة” فوق سيادة الشعب الفلسطيني لن تؤدي إلا إلى تراكم الاحتقان؛ فغزة التي تُدار كـ”شركة” لن توفر الأمن لمالكي أسهمها، بل سيظل أمن الكيان مستهدَفا طالما أن الاحتلال قائم والأرض مغتصَبة.
في الختام، يتبدى “مجلس السلام” كأحدث نسخة من مشاريع الاستعمار التي تحاول القفز فوق الحقائق التاريخية لفلسطين، إذ أن الرهان على أن المال والغطرسة السياسية يمكنهما هندسة شعبٍ يرزح تحت الاحتلال ليتحول إلى “مجتمع استهلاكي” منزوع الإرادة، هو رهانٌ أثبت التاريخ الفلسطيني فشله مرارا؛ من مدريد إلى أوسلو إلى جدار الفصل، إلى مشاريع التهجير والإلحاق بمصر والأردن.
إن مصير هذا المجلس لن يختلف عن سابقيه من المحاولات التي تقفز على سيادة الشعب الفلسطيني وحقوقه في أرضه المغتصَبة؛ فما يُبنى على “المرور بالقوة” لا يمكن أن يُنتج إلا استقرارا زائفا يسبق الانفجار. والحقائق الميدانية تؤكد أن الشعوب لا تُقايض هويتها الوطنية بالعقود الاستثمارية، وأن غزة ستظل عصية على “الخصخصة” السياسية. وسيظل الصراع قائما طالما أن هذا “النادي المالي” لا يرى في الفلسطيني صاحب حق في السيادة، بل مجرد “رقم إداري” في صفقة تجارية مآلها الفشل المحتوم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!