الرأي

الجولاني: من قوائم المطلوبين إلى إدارة بلاد الأمويين

محمد بوالروايح
  • 1199
  • 0

إن السياسة لا تثبت على حال، فهي في تقلب مستمر تميل مع المصلحة حيث مالت، كما قال وينستون  تشرشل: “ليس هناك صداقة دائمة ولا عداوة دائمة، هناك مصلحة دائمة”.

إن الراهن السياسي الذي تعيشه سوريا ما بعد الأسد يؤكد صدق هذه المقولة، فأحمد الشرع المعروف بـ”الجولاني” القائد العامّ للإدارة الجديدة في سوريا كان إلى وقت قريب يتصدر قوائم المطلوبين للولايات المتحدة الأمريكية التي رصدت 10 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات عن مكان تواجده، ولكن السقوط السريع والمريع لنظام الأسد والصعود اللافت لـ”هيئة تحرير الشام” التي أمسكت بزمام الأمور في بلاد الأمويين، دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى إلغاء المكافأة المالية المخصصة لمن يدلي بمعلومات عن الجولاني، تمهيدا لعملية التطبيع مع النظام الجديد في سوريا لأنَّ الولايات المتحدة الأمريكية تنظر إلى أحمد الشرع حاليا على أنه شخصية سياسية لا مفرَّ من التواصل معها، وأن من مقتضيات هذا التواصل التخلي عن نظرتها الماضوية إليه ومواقفها السابقة منه.

ما كان مستحيلا بالأمس أصبح ممكنا، فالشاب الجولاني الذي كان يثير مخاوف الولايات المتحدة الأمريكية ويشغل رجال “سي آي إي”، يلتقي مساعدة وزير الخارجية الأمريكي باربارا ليف في دمشق التي أدلت بهذا التصريح: “بناء على محادثاتنا، أبلغته أننا لن نتابع تطبيق عرض برنامج مكافآت من أجل العدالة الذي كان ساريا منذ سنوات عدة.. إن إلغاء المكافأة للقبض على الشرع كان سياسيا يتماشى مع المناقشات مع هيئة تحرير الشام حول مصالح أميركا”، وأضافت باربرا: “إن مسؤولين أمريكيين ناقشوا الحاجة إلى ضمان عدم تمكُّن الجماعات الإرهابية من تشكيل تهديد داخل سوريا أو خارجها، وهو ما أكد الشرع على الالتزام به”.

ومصالح أمريكا -على حد تأكيد باربارا ليف- فوق كل اعتبار وهي التي تحدد طبيعة المواقف التي يجب أن تقفها، وخاصة حينما تتلقى -كما في الحالة السورية- تطمينات بشأن التزام الشرع والقيادة الجديدة في سوريا بـ”النهج الديمقراطي” الذي يعني في العرف الدبلوماسي الأمريكي التعهّد بعدم المساس بالمصالح الإستراتيجية الأمريكية وألّا يشكل النظام الجديد في سوريا أي تهديد لها.

ما تحرص الولايات المتحدة الأمريكية على تحققه قد أكده أحمد الشرع الذي صرح بأن “سوريا الجديدة لن تشكل تهديدا لجيرانها وللمجموعة الدولية وأنها ستسعى لمد جسور السلم والتعاون الدولي”، وتبقى هذه التصريحات مجرد وعود حتى تصدّقها أو تكذّبها الممارسة السياسية بعد اكتمال البناء السياسي والاجتماعي الجديد لسوريا.

ينبغي أن لا يسمح الجولاني لأيّ طيفٍ سياسي بتأجيج الخلاف الطائفي في سوريا وتكريس سياسة الإقصاء التي قد تحوّل سوريا إلى حلبة للصراع الطائفي التي هي في غنى عنه. إن هيمنة طيف سياسي معين قد يجرّ إلى العنف السياسي الذي لا يليق بزهرة الشام ويرهن حاضرها ومستقبلها ويُدخلها في دوامة لا مخرج منها.

يراهن كثيرون على نجاح القيادة السورية الجديدة، ويراهن آخرون على فشل هذه القيادة، بل يترقب بعضهم عودة النظام السابق بشكل من الأشكال وعودة بشار الأسد من المنفى، كل هذه مجرد توقُّعات وتخمينات، فقصة النجاح والفشل مرهونة بشروط، ومنها أن تشكل القيادة السياسية الجديدة إطارا جامعا، يجمع شمل السوريين ويحقق الوحدة الترابية لسوريا غير القابلة للتقسيم، وأن تمد القيادة الجديدة يدها لجيرانها وشركائها في العالم، وأن تعمل مع المجتمع الدولي على إرساء قيم السلم والعيش المشترك. لا يحمل هذا الكلام اتِّهاما للإدارة الجديدة في سوريا بأنها لا تحقِّق كثيرا ولا قليلا من هذه الشروط، بل يحمل تذكيرا عامّا بالعلاقات التي ينبغي أن تسود بين القيادة السورية الجديدة والمجتمع العربي والإسلامي والدولي.

لقد شرع أحمد الشرع-كما نتابع ذلك في النشرات والقنوات الإخبارية- في تجسيد ما وعد به وذلك من خلال لقاءاته المكثفة مع دول الخليج التي أبدت رغبتها في إقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية متينة مع القيادة السورية الجديدة، وهو الموقف المشترك الذي أجمعت عليه السعودية وقطر والأردن وغيرها.

إن الرغبة الأكيدة في التواصل بين دول الخليج والقيادة السورية الجديدة نابعٌ من قناعة سياسية للطرفين مفادها أنه ليس من مصلحة القيادة السورية الجديدة أن تدير ظهرها لجيرانها الخليجيين، وليس من مصلحة هؤلاء التخلي عن سوريا لأن سوريا تمثل عمقا تاريخيا وشريانا عربيا مهمّا لا يمكن التخلي عنه تحت أي ظرف من الظروف.

هناك أمورٌ ينبغي أن يضعها أحمد الشرع في صدارة الأولويات، وأهمها على سبيل المثال:

1- أن تكون له رؤية سياسية ناضجة للتحدّيات التي يشهدها العالم العربي، فقلة التجربة السياسية في هذا الجانب أو التشنج والتموّج السياسي غير المدروس قد يضرّ بسوريا ويُضعف موقفها ويؤثر سلبا على علاقاتها العربية والدولية. ومن مقتضيات هذه الرؤية السياسية الناضجة أن يضع وحدة سوريا ووحدة الوطن العربي فوق كل اعتبار وأن يتصدى لكل توجُّه يخالف هذا المبدأ أو يشوِّش عليه أو يسيئ استخدامه في التعامل السياسي الراهن والمستقبلي.

2- أن يكون وفريقه السياسي أكثر استعدادا وحزما وعزما في التصدّي للعدوّ التقليدي والتاريخي المشترك وهو الكيان الصهيوني الذي استغل ما حدث في سوريا ليُبسط يده على منطقة جبل الشيخ الاستراتيجية التي يمكن أن يستغلّها لتوسيع نفوذه في الشام وما حولها.

3- أن لا يسمح لطيفٍ سياسي بتأجيج الخلاف الطائفي في سوريا وتكريس سياسة الإقصاء التي قد تحوّل سوريا إلى حلبة للصراع الطائفي التي هي في غنى عنه. إن هيمنة طيف سياسي معين قد يجرّ إلى العنف السياسي الذي لا يليق بزهرة الشام ويرهن حاضرها ومستقبلها ويُدخلها في دوامة لا مخرج منها.

4- أن يتجنّب سياسة العداء المسبق لأي طرف عربي بسبب عدم توافقه مع منهجه وتوجّهاته السياسية، وأن يفكر في عواقب هذا المنهج والتوجُّه وآثاره السلبية على العلاقات العربية. إن مبدأ “من ليس معي فهو ضدي” لا يخدم القيادة الجديدة في سوريا. ينبغي أن لا يسعى الجولاني لجوْلَنة الآخرين فيما يخالف عقيدتهم السياسية والدبلوماسية ومواقفهم النابعة من وحي مواثيقهم ودساتيرهم. إن تصدير التجارب ليس مفيدا في الغالب الأعم لأنه يتصادم في كثير من الأحيان مع المنهج السياسي والاجتماعي للدول والشعوب.

أقول في النهاية إن ما ورد في هذا المقال هو مجرد رؤية سياسية استشرافية، ترصد الحدث وتحلل المواقف ولا تتبناها بالضرورة، فما حدث في سوريا شأن سوري محض، يهم السوريين وحدهم ولا علاقة لنا به لا من قريب ولا من بعيد. أما عن عقيدتي السياسية فأنا على منهج بلادي الجزائر “لا تحيز ولا انحياز” إلا ما كان لتعزيز اللحمة وتوحيد الأمة عملا بقوله تعالى: “إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون” (الأنبياء 92).

مقالات ذات صلة