الحاج منور.. صوت الشعبي وموسوعته
الحاج منور، أو موسوعة الشعبي، التي خلدت مئات القصائد الشعبية بصوته العذب الشجي، حياته كرسها لفنه الذي يعشقه إلى حد الهيام.. كيف لا وقد وعاش في زمن كان للشعبي فيه صولات وجولات، وفيه غنت معظم روائع هذا الفن. لكن، من هو هذا الفنان، الذي نعرف اسمه، ولكننا نجهل سيرته وقصة حياته.
اسمه الحقيقي منور كرار، وهو من مواليد القصبة بالجزائر العاصمة، عام 1913، ينحدر من عائلة متواضعة من عين عسيلة في برج منايل، بدأ العمل في وقت مبكر جدًّا، لدعم أسرته، فحرم من التعليم، وكان غير قادر على القراءة والكتابة، ومع ذلك، فقد كان يتمتع بذاكرة هائلة، وسرعان ما أصبح موسوعة حقيقية في الغناء. صار المنور مهتمًّا بالموسيقى في سن مبكرة جدًّا، وشجعه على ذلك خيوجي. نهل الموسيقى من أساتذة عصره، مثل مصطفى دريوش، قويدر بن إسماعيل، الوناس خميسة، سعيد الأعور، الشيخ السعيدي وغيرهم.
كانت هناك صفتان ضروريتان للغاية لنجاح المطربين حينها، وهما ذاكرة خالية من العيوب وصوت قوي. لقد كان الحاج منور يمتلك كل هذه الصفات. في ذلك الوقت، كان المغني ترافقه فقط آلات الإيقاع مثل الدف، والبندير، والطار، وأما الذي أدخل آلات مثل الكمان والمندولين والقانون إلى المديح الديني، فهو الشيخ بن قويدر.
لقد حافظ الحاج منور على التقليد القديم المتمثل في استخدام الطار، كان سيدًا بلا منازع على هذه الآلة، لدرجة أن أحمد لكشال أطلق عليه لقب “أمير الطار”، عندما قدمه إلى الجمهور في الراديو.
اختص في البداية في طابع المديح الديني، وامتاز الحاج منور بقوة صوته وذكائه الفني في العزف والتلحين والكتابة والعزف.
شهرة الحاج منور وصلت إلى أذن محي الدين باشطارزي، فاستضافه في بعض حفلاته المسرحية، التي من خلالها اشتهر في باقي مناطق الوطن. سجل الحاج منور حوالي عشر أسطوانات في الخمسينيات من القرن العشرين، لشركة باثي ماركوني، بما في ذلك أغنية بعنوان “خموس عليك والسر عليا”، التي كتبها الحاج محمد العنقى.
عمل لفترة طويلة كعامل خدمات في هيئة الطرق والمواصلات السابقة، لكن الأخيرة لم تستغل قدراته الفنية كثيراً خلال
حياته. كان لديه خصوصية العزف على الطار، لمرافقته في الغناء. غير أنه كان يعزف على آلات موسيقية أخرى، لكنه لم يظهر هذه الموهبة للعلن. شارك الحاج منور، إلى جانب الحاج العنقى والحاج مريزق، في حفل نظم تكريما للشيخ خليفة بلقاسم، في 20 مارس 1952، في قاعة ابن خلدون، وكان الحفل من تقديم عثمان بوقطاية. وكان من المقرر، أن يؤدي في تلك الأمسية أغنيتين: يا طبيب عارف دايا، ويا لالة البتول..
كان ديدن الحاج منور، خلال شهر رمضان، إحياء الحفلات في المقاهي، وكان مقهى جامع فارس، الشهير باسم جامع ليهود، من الأماكن المحببة إلى قلبه.
توفي موسوعة الشعبي في السابع من نوفمبر 1971، في المدنية بالعاصمة، تاركا إرثا غنائيا كبيرا.