الحاج.. يجرح ويداوي!
لفت انتباهي الفنان القدير الحاج رابح درياسة، وهو يُشهر “انزعاجه” من مشاركين في منافسة “عودة المدرسة”، أو ما عُرف بـ “ألحان وشباب”، عندما “غنـّى” الثنائي أغنية شرقية، فقال لهما: أنتما يا ابني ويا ابنتي، من الغرب، وهناك أحمد وهبي وبلاوي الهواري.. المرّة القادمة غنيا لأمثال هؤلاء.. غنيا للجزائر، للتراث، غنيا جزائريا.
فعلا، هي رصاصة تصيب الضمائر الحيّة، إلاّ من ماتت قلوبهم، في كلّ مناطق الوطن، فهي رسالة إلى هؤلاء وأولئك، ممّن “يكفرون” بكلّ ما هو جزائري، أو على الأقلّ “ما يعمرلهمش عينهم”، فيلجؤون إلى المستورد والمهرّب والمضروب والمغضوب عليه، فيُستبدل الفن بالعفن !
عندما تغيب الكلمات الجميلة والهادفة، من الأناشيد والغناء الملتزم والمحترم، وتغيب من النقاش السياسي والاقتصادي والعلمي والمدرسي والجامعي والنقابي، فمن الطبيعي أن تعمّ الفوضى والسبّ والسباب، وينتحر الالتزام، وتفرّخ الساحة فطريات محرّضة على فساد الأخلاق والقيم والتاريخ!
هكذا هو التقليد الأعمى، يفضلون “هزي يا نواعم”، و”علّ الواحدة ونصّ”، على “”أولاد بلادي” و”جبت البكالوريا” و”قصة حيزية” و”طويل الرقبة” و”الحمامة” و”بختة”، وغيرها من الروائع الخالدة، التي مازالت حيّة وستبقى، والدليل، أن فنانين في الداخل والخارج من الجيلين، أعادوها وكرروها، ففي الإعادة إفادة واستفادة!
الغناء الهادف والموزون، هو مدرسة، وتربية، وسياسة، وحشد وتجنيد، ومخاطبة للعقول والقلوب والوطنية، عكس أغاني “الصاندويش” و”الفاست فود” والربح السريع، التي فيها استدراج للغرائز وترويض للقلوب المريضة وتكييف للحالات الشاذة. وفي نوع منها، حتى وإن كان هادئا ومموّها، تحريض على الكراهية والعنف والأحقاد و”بيع البلاد والعباد”!
مصيبتنا، مثلما قال لي صديقنا المحترم والمخضرم، الكاتب الكبير صالح عوض، أنـّنا نردم كلّ شيء جميل، وعلى أنقاضه نشيّد ما هو مدمّر للقيم والأخلاق والعواطف والمقدسات، وهذه دون شك، ليست خاصة جزائرية فقط، وإنـّما “امتياز” لكلّ العرب والمسلمين!
صدق رابح درياسة، ونشدّ بيده، في دعوته إلى عدم التنكـّر لما هو محلّي والجري إلى الأبد وراء كلّ مستورد حتى وإن كان معتوها أو مفسدا أو منتهي الصلاحية أو سامّا أو حقّا يراد به باطل.. فعلا إنها صورة مأساوية لواقع مرّ يجب أن يتبدّد بلا تردّد ولا يتجّدد أو يتعدّد!