الحالة ما تعجبش!
نعم.. لقد بدأ الرعب يتسلـّل إلى نفوس المسؤولين قبل المواطنين، بسبب استمرار انهيار أسعار البترول، وعندما تلجأ الحكومة إلى قصقصة أجنحة التبذير و”الزرد” بوقف تمويل ما لا يجب تمويله من “ريع” البترول، فهنا يتبيّن أن الأمر جدّي فعلا، حتى وإن استبعد أغلب الوزراء اللجوء إلى إجراءات “غير شعبية” من شاكلة التراجع عن سياسة الدعم!
قد تصبح سياسة الدعم، في يوم من الأيام المتهم رقم واحد، في تجفيف عائدات الجزائر من المحروقات، والحقيقة أن هذا الدعم ظل موزعا بطريقة عشوائية وغير عادلة، فهل من المنطقي مثلما يتداوله الخبراء والزوالية أيضا، أن يشتري النائب والوزير الخبزة بنفس السعر الذي يشتري به “العسّاس“؟
من غير المعقول أن يلجأ أيّ نظام اقتصادي، إلى فرض تسعيرتين للمواد الاستهلاكية مثلا: واحدة للفقراء والثانية للأغنياء، أو واحدة للوزراء والثانية للبسطاء، لكن من غير المقبول كذلك، أن يتساوى هؤلاء وأولئك في الاستفادة من الملايير التي تخصصها أو “تخسرها” الدولة لدعم بضائع يتمّ استيرادها بالأورو والدولار!
الحكومة هذه المرّة فكرت بطريقة “عادلة” وذكية، فقد فكرت في سيناريو “زبر” أجور كبار المسؤولين، في انتظار تحديد القيمة المقتطعة، لكن هل هناك ضمانات تجنّب صغار العمال والموظفين مثل هذا الإجراء الاضطراري، بما لا يكرّر الحلّ الذي لجأت إليه الحكومة خلال سنوات الأزمة أواسط التسعينيات، عندما اقتطعت من الرواتب بتوفير سيولة نقدية؟
اللجوء إلى مثل هذه الإجراءات، يؤكد فعلا أن “الحالة ما تعجبش“، ولذلك عقدت الحكومة ثلاثة اجتماعات وزارية “طارئة” لتباحث الوضع والبحث عن الحلول والسماع لمقترحات الخبراء، ولو كانت “الحالة تعجب” لما لجأت الحكومة إلى قرار التفكير في تجميد بعض المشاريع وفرض ضرائب جديدة والشروع في تجميع وتحصيل الملايير الضائعة عند كبار التجار والمستثمرين ورجال الأعمال والمستفيدين من قروض البنوك!
هكذا، نحن الجزائريين، لا نتحرّك إلاّ بعد أن تحل الكارثة والعياذ بالله، فمصالح البلدية لا تشرع في تسليك المجاري إلى بعدما يدمر الطوفان البيوت ويشرّد المنكوبين، والمسؤول لا يُعزل إلاّ بعدما يشعل الغاضبون النار، والحكومة لا تجمع ضرائبها إلاّ بعدما يفرغ بيت مال المسلمين!
إن عقلية النهب والعبث والبحث عن الريع و“التشيبا” والصفقات المشبوهة، هي جزء من الخوف الذي نربط اليوم بطوننا بسببه، فتصوّروا الملايير التي أريد لها أن لا تسلك مسلكها الطبيعي والقانوني في مشاريع “لونساج” والكناك” و“لونجام” والسكن والامتياز الفلاحي وأموال الدعم وشبكة الأجور العشوائية.. فعلا “الحالة ما تعجبش“!