-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الحجر العابر للقارات والسياسات والأزمنة

سهيل الخالدي
  • 1478
  • 0
الحجر العابر للقارات والسياسات والأزمنة

من المؤكد أنه يحق للشعب العربي الفلسطيني أن يركب كل الزوارق باتجاه وطنه، وهاهو يفعل منذ مائة عام وقد تعب الربابنة ولم يتعب؛ وسجل للبشرية أن نضاله عابر للأزمنة، وهاهو في هذه الأيام أن نضاله عابر للقارات أيضا.

كلنا يعلم أن عذابات فلسطين بدأت رسميا منذ 1916 حيث اتفاقية سايكس بيكو التي تلاها وعد بلفور عام 1917. وهاهي الاتفاقية تبلغ عامها المائة أي أنها لم تعد قائمة من الناحية القانونية، وكانت هذه الاتفاقية قد تمت من وراء ظهر روسيا القيصرية، لذلك قلت في مقال سابق إن فلاديمير بوتين قيصر روسيا الجديد لم يتواجد في سوريا ليرقص “البالي”، إنه هنا على أرض اتفاقية سايكس بيكو التي تشهد تقسيما جديدا وخريطة جديدة على المقاس الأمريكي اسمها الشرق الأوسط الجديد، فهذه المنطقة لن تُرسم من وراء ظهر القيصر ثانية. هاهو بقضّه وقضيضه، وقد تمكن حتى الآن من تغيير ملامح اللعبة تمهيدا لقلب الطاولة برمتها، خاصة وأنه وجد الفلسطينيين المتضرر الأكبر من سايكس بيكو مازال الحجر في أيديهم، وقد جددوا أنفاسهم.

 كان الفلسطينيون، خاصة منذ 1948، يجوبون قارات العالم لاجئين حاملين على ظهورهم جغرافيتهم ويناضلون في التاريخ، لكنهم منذ 1987 بعد أن كشفوا عمق خيانة ملوك ورؤساء دول العرب الذين جاءت بهم سايكس بيكو، قلّبوا الوضع فأمسكوا بحجارة وطنهم التي عبّدوها طوال التاريخ، وهاهم يناضلون في الجغرافية التي تمسّكوا بها ويطاردون الاحتلال في كل متر مربع، وبرهنت عملية بئر السبع خلال الأيام الماضية أن الحراك الشعبي الفلسطيني الذي يتحفظ البعض على تسميته “انتفاضة”، أن النضال الفلسطيني يمتد من الشمال إلى الجنوب ومن البحر إلى النهر. وهاهم الفلسطينيون ينتزعون حريتهم شبرا شبرا وقيمة قيمة وأثبتوا أن الأحرار يصنعون الحرية، أما العبيد فهم الذين يطلبونها.

ويبدو أن أوباما الذي خان كل حلفاء أمريكا في أفغانستان وفي العراق وفي أوروبا وفي السعودية كما فعل سايكس وبيكو قبل مائة عام؛ فالحجر السلاح الأكثر شرعية في العالم الذي يرشقه الفلسطينيون في وجه المحتل الصهيوني، أصاب الرئيس الأمريكي الأسود أوباما في مقتل أخلاقي؛ فالسود الذين وصل إلى الرئاسة على استثمار بشرتهم ثم تخلى عنهم، تظاهروا أمام البيت الأبيض تضامنا مع الشعب الفلسطيني لأن الحرية لا تتجزأ حسب اللون والمصلحة.

 لقد سقط الرجل، وستكون سقطته مدوية إذا ما انتصرت هيلاري كلينتون على المرشّح القادم لحزبه، لأن كل ثقافات العالم لازالت تقول: أذل الرجال من تهزمه امرأة.

 وليس السود في أمريكا وحدهم الذين يتضامنون مع النضال الفلسطيني اليوم، بل الشعوب الأوروبية كلها كما تعلمنا بذلك الاحتجاجات أمام السفارات الإسرائيلية في لندن والدانمارك وبرلين وباريس وغيرها من الدول الاوربية، بل إن باريس هي التي قدمت مبادرة وضع شرطة دولية لحماية الأقصى، وهي التي زادت من تدخلاتها في ما يسمى حرب “داعش” وتبعتها بريطانيا، لماذا؟

هاهم الفلسطينيون ينتزعون حريتهم شبرا شبرا وقيمة قيمة وأثبتوا أن الأحرار يصنعون الحرية، أما العبيد فهم الذين يطلبونها. 

لأن روسيا قعدت لهم في الشرق الأوسط وخربت برنامج إعادة الشّرْقنة والفوضى الخلاقة وخريطة الشرق الأوسط، فلا بد لها أن تحصل على حصتها ومعها إيران أيضا، والشرق الأوسط هو الأقرب إلى أوروبا وهو الذي يؤثر فيها وتؤثر فيه، ولن تتركه للروس يتقاسمونه مع الأمريكان.. ولعل طلب السلطة الفلسطينية بحماية دولية للشعب الفلسطيني هو الذي يمنع استفراد واشنطن بالشرق الأوسط، فالدولية تعني قوات من عديد الدول والظرف والموقع يتطلب أن لا تكون قوات من دول هامشية كما هي قوات الأمم المتحدة.

إذن فنحن أمام حراك شعبي فلسطيني عابر للسياسات كما هو عابر للقارات.

وإذا كان ذلك يعني قيام دولة فلسطين.. فهل يعني قيام دول أخرى في المنطقة؟

 هنا مشكلة، فإسرائيل تطالب منذ أمد بعيد بإقامة دول دينية في المنطقة حتى يتسنى لها أن تكون دولة لليهود

كما هي دولة الشيعة ودولة السنة ودولة الدروز.. لكن الخطوات التمهيدية لم تؤشر إلى نجاح فالأكراد يريدون دولة قومية، بل إن مسيحيي العراق لا يطالبون بدولة دينية لهم ولا حتى مسيحيي سورية، وهم يرون مسيحية الدولة اللبنانية في مهب الريح، وتركيا لا تريد دولة لا كردية ولا علوية ولا أرمنية، أما السعودية التي تتصارع عائلتها الحاكمة حول التخلي عن الدولة الوهابية، فتكاد تلمس تكوّن الدولة الشيعية في منطقتها الشرقية، وهاهي تحارب هذا الاحتمال في اليمن، فهي ستتحالف مع روسيا المعترِض الدولي الوحيد على قيام دول دينية في الشرق الأوسط الجديد.

إذن فهذا الحجر العنوان الحركي الشعبي الفلسطيني المعبر عن عقله الجمعي الذي يجد تأييدا شعبيا عربيا تلجمه اليوم الدول العربية التي هي الآن في مهب الريح؛ هو حجر وحراك عابر للسياسات يغيرها ويكاد يقلبها

وهو حجر عابر للقارات.. والطريف أن هذا العبور يتم إلكترونيا، فهاهي إسرائيل تشن حربا إلكترونية شرسة ضد شباب العالم وأولهم الفلسطينيون لتمنعهم من التواصل عبر الفيسبوك وسائر أساليب التواصل الاجتماعي الالكترونية.. وهنا لا بدّ من التذكير أن أوباما وصل إلى البيت الأبيض عبر تواصل الشباب الأمريكي إلكترونيا.. فهل يخشى قاتل الأطفال نتنياهو وصولهم إلى أهدافهم بعبورهم السياسات والقارات؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!