الرأي

الحج‭ ‬لمن‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬إليه‭ ‬سبيلا؟‭ ‬

الشروق أونلاين
  • 2352
  • 1

بين الضياع والموت والخبل وحتى التجاوزات الأخلاقية، يقدم موسم الحج بالنسبة للجزائريين صورة مشوهة لبلد هو من أكثر الأمم تشبثا بالفريضة الخامسة، حتى أن الجميع نسي أن الحج لمن استطاع إليه سبيلا، وصار مطلب الفقراء والمرضى وحتى الذين لا يمتلكون من الإيمان قطرة، من‭ ‬مختلسي‭ ‬أموال‭ ‬الشعب‭ ‬والزنادقة‭ ‬والذين‭ ‬يستعملونه‭ ‬لقبا‭ ‬ضمن‭ ‬بطاقة‭ ‬ذاتية‭ ‬تمكنهم‭ ‬من‭ ‬مواصلة‭ ‬الاحتيال‭.‬

وإذا كانت السلطة ووكالات السفر قد عجزت عن تنظيم سفرية مباركة معلومة الزمان والمكان لثلاثين ألف حاج، فإن الذين يتوجهون إلى البقاع المقدسة أيضا لهم جانب من المسؤولية، فيضيّعون أهم هدف من الحج برفثهم وفسوقهم وهو الرجوع من الحج كيوم ولدتهم أمهاتهم كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، وما يصل من البقاع المقدسة من بعض التجاوزات التي يقوم بها بعض الحجاج، وأيضا من اهمال يتعرضون له من المكلفين بهم يكاد ينافس التجاوزات التي نراها في سفريات مناصري كرة القدم أثناء البطولات المحلية والدولية، وبدلا من أن يعود الحاج ليروي لذويه حكايته الإيمانية مع الركن الخامس حتى يكمل تطهير ذنوبه، يجد نفسه مجبرا على أن يروي إهمال الوكالات وتجاوزات إخوانه، فيصل بعضها إلى مشارف الكبائر التي تقترف في أطهر مكان وأحسن زمان، وما قدمته “الشروق اليومي” من كواليس لرحلة الحج يكاد ينافس ما تقدمه في أحداثها‭ ‬المتفرقة‭ ‬من‭ ‬جرائم‭ ‬وتجاوزات‭.‬

وعندما تفشل السلطة في تنظيم رحلة الحج المباركة، ويفشل الفرد في أن يقطف من رحلة الحج المباركة الحسنات المرجوة، فلا يجب أن نلوم بعد ذلك المنتخبين المحليين وهم يعجزون أمام مواطني بلدياتهم، ولا يمكن أن نلوم مهاجرا سرّيا دخل عبر زورق إلى سردينيا وهو يمارس مختلف‭ ‬الموبقات‭.‬

رحلة الأمير عبد القادر، إلى الحج مشيا على الأقدام صارت أسطورة دخلت التاريخ، ورحلة الشيخ بن باديس إلى الحج هي التي جعلته يقرّر أن يقود نهضة فكرية بنى بها جيلا نوريا في قلب الظلام، وقطفت منها الجزائر أطيب ثمارها، والآن بعد أكثر من قرن تحول الحج إلى موسم للمشاكل يبدأ بالمحاباة والتجاوزات خاصة التي تمنح فرصة الحج للذين بيّضوا أموالهم المختلسة حتى يُبيّضوا وجوههم برغم سواد قلوبهم وأفعالهم، وتنتهي بمهازل الفوضى والضياع إلى أن صنفت السلطات السعودية الحجاج الجزائريين ضمن أكثر الجنسيات ضياعا، فنافسوا الإثيوبيين الفقراء‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يتقنون‭ ‬لغة‭ ‬أهل‭ ‬الحجاز،‭ ‬ونافسوا‭ ‬الباكستانيين‭ ‬الذين‭ ‬جاوز‭ ‬تعدادهم‭ ‬المئة‭ ‬وخمسين‭ ‬ألف‭ ‬حاج‭.‬

تكاد مشاكل الجزائريين الآن تلتصق بالمواسم الدينية، وفي جميعها تحشر الدولة أنفها، فبدلا من أن تجعل شهر رمضان الكريم للتقوى، تنسف فيه هدفه الأسمى بحكاية بواخر اللحوم والغلاء الفاحش، وبدلا من أن تجعل الأضحية عيدا للجميع تحوّل المواطن فيه إلى أضحية، وحتى الحج الذي‭ ‬فرضه‭ ‬الله‭ ‬على‭ ‬المستطيع‭ ‬إليه‭ ‬سبيلا‭ ‬فقط،‭ ‬حولته‭ ‬لمن‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬إليه‭ ‬سبيلا‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬النواحي‭.. ‬حتى‭ ‬الأخلاقية؟

مقالات ذات صلة