الرأي

الحدود والعنصرية وأوروبا

عمر أزراج
  • 2304
  • 0

في هذا الأسبوع وصلت إلى بريطانيا ووجدت وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية مصابة بحمّى آلاف اللاجئين السوريين الجائعين والنائمين لأيام طويلة في العراء في المناطق الحدودية في أوروبا الشرقية بشكل خاص، وهم من الأطفال الصغار والنساء والشباب والشيوخ. رغم صعوبة وضع هؤلاء اللاجئين، فإن دول أوروبا الغربية الغنية تتلكأ وتتباطأ في السماح لهم بالدخول إلى أراضيها. وفضلا عن ذلك، فإن دولة المجر تعاملهم بطريقة وحشية، حيث استعملت ضدهم الغاز المسيل للدموع والقوة المائية مما أدى إلى جرح وسقوط الكثير منهم زيادة عن تهديد حياة النساء الحوامل.

 وبطبيعة الحال، فإن الإعلام البريطاني منقسم على نفسه إذ أن هناك جزءاً منه يقف إلى جانب هؤلاء المشرّدين جراء الحرب في بلادهم، وهناك بعض المنابر اليمينية التي تعتبرهم وتعتبر جميع المهاجرين خطرا على أوروبا. وفي الحقيقة فإن ظاهرة معاداة الأجانب ورفضهم، وخاصة العرب والمسلمين منهم، ليست جديدة على الثقافة الأوروبية/ الغربية وإنما هي قديمة حيث تعود إلى زمان الإغريق القدامى وإلى العصور الحديثة أيضا. أمامي الآن كتابٌ جديد ومهم للمفكر الفرنسي إتيان باليبار يحمل عنوان “السياسة والمشهد الآخر” يسلط الأضواء على علاقة أوروبا بالآخرين بشكل عام، وبمشكلة العنصرية والحدود والهوية، والمواطنة، والعنف، ومفهوم الكونية، وأمامي أيضا نص ندوة فكرية وسياسية مطبوعة في كتاب شارك فيها نقاد ومفكرون أوروبيون/ غربيون هم جيرار دوكورتاتر، وبيير بورديو، وبول فيرليو، وجاك لوك نانسي وكلاودين ماغريس يحمل عنوانا مثيرا وهو: “أين حدودك بأوروبا؟”. يجمع هؤلاء على أن أوروبا الغربية المعروفة سابقا بالدول الاستعمارية الكلاسيكية هي التي اخترعت الحدود وهي التي تبررها بطرقه الخاصة، وهي التي تزيلها أيضا عندما تجد ذلك يخدم أفكارها واقتصادها ومصالحها التوسعية. يذكّرنا هؤلاء المفكرون أن أوروبا المستعمِرة سابقا قد قامت بنسف الحدود بينها وبين الدول التي احتلتها مما جعل دولة في مقام فرنسا، التي ترفع شعارات الحرية والعدالة والإخاء وحقوق الإنسان، قد لجأت على مدى سنوات طويلة إلى الادعاء بأن معظم البلدان التي دخلتها جيوشها هي جزء من إمبراطوريتها، وأنها تابعة لهويتها الجغرافية واللغوية والاقتصادية وأقصت بذلك الاعتراف حتى بالتمايزات الثقافية الفاصلة بينها وبين تلك المستعمرات. وهاهي الآن في مراحل ما بعد الاحتلال العسكري المباشر تعلي جدران الحدود لتمنع الهجرة من الجنوب إلى الشمال، وفي الوقت نفسه تقييم الحدود الفولاذية داخل فضائها وتقسّمه إلى عالم مهمّش تحشر فيه الجاليات العربية والإفريقية والآسيوية وغيرها، وإلى عالم متخم اقتصاديا واجتماعيا خاص بالفرنسيين والأوروبيين البيض. ألم يقُل وزير خارجية فرنسا منذ مدة ليست بالقصيرة بأنه يرحّب بالمسلمين في فرنسا، ولا يرحب بالإسلام فيها؟ وهو يعني بذلك أن تواجد المسلمين كجالية منزوعة الهوية، وممتصة ثقافيا، ومستوعبة روحيا ودينيا أمر مقبول ولو على مضض، أما تواجد الإسلام على الأرضي الفرنسية كبُعد ديني روحي مستقل ذاتيا فيراه هذا المسؤول الكبير ظاهرة مرفوضة.

إن ما يحدث الآن للاجئين من رفض وتحقير من طرف اليمين الأوروبي المتطرف لم يأت من الفراغ، بل إن تشكّل هذا اليمين المتطرف نفسه في أوروبا ليس أمرا جديدا أو مستحدثا وإنما هو استمرار وتحديث لتقاليد قديمة غير إنسانية، وبهذا الصدد يقول عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو إن أوروبا بالنسبة إلى الكثير من الأفراد، وعلى نحو غير مقنع، هي الغرب، أتذكر مجموعة من اليمين المتطرف تشكلت في شبابي، كان اسمها، بالذات، الغرب. يجب أن نعرف أنه عندما يقول البعض بالكلام عن النسبية الثقافية، ناسبين إياها إلى علماء الاجتماع والإناسة، ويطالبون بثقافة شاملة، أو كونية، فإن ما يدافعون عنه هو الغرب. وما الذي يقف في مواجهة الغرب إن لم يكن الشرق”؟ ويلاحظ المشاركون في الندوة المذكورة آنفا أن مؤرخا كبيرا وهو أووين لاتيمور أدرك يوما، وخلافا لما يبدو في الظاهر، أنّ الحدود مقامة لتمنع المواطنين من الخروج أكثر مما هي لتمنع الغرباء من الدخول”. بناءً على هذا القول، فإن أوروبا لا تمنع الأوروبي من الذهاب إلى الآخر فقط، وإنما تمنع مظاهر التقدم التكنولوجي، والثروة الاقتصادية، ورؤوس الأموال، وأسباب التطوير والتحديث بكل أشكالها ومضامينها من مغادرة الفضاء الأوروبي_ الغربي لتذهب إلى بلدان الشرق والجنوب الفقيرة والمتخلفة ليستفيد منها أهلها لينهضوا وليتجاوزوا عقبات الفقر وأشكال التبعية والتخلف. وبهذا المعنى فإن الحدود التي يقيمها الغرب المتطرف ليست جغرافية وكفى، وإنما هي حدود معرفية وتكنولوجية واقتصادية وعرقية معا.

ومما لا شك فيه أن علم اللسانيات وفقه اللغة والمراكز التي أقيمت لهما لم تسلم جميعا من وهم الحدود، إذ أن هناك تصنيفات للغات على أساس الحدود العرقية التي أقامها في الماضي المفكر اليميني غوبينو، والمستشرقون المرتبطون بالمشروع الكولونيالي ويقيمها في الحاضر المستشرقون اليمينيون المتطرفون.

ألم يقُل وزير خارجية فرنسا منذ مدة ليست بالقصيرة بأنه يرحّب بالمسلمين في فرنسا، ولا يرحب بالإسلام فيها؟ وهو يعني بذلك أن تواجد المسلمين كجالية منزوعة الهوية، وممتصة ثقافيا، ومستوعبة روحيا ودينيا أمر مقبول ولو على مضض، أما تواجد الإسلام على الأرضي الفرنسية كبُعد ديني روحي مستقل ذاتيا فيراه هذا المسؤول الكبير ظاهرة مرفوضة.

إن هؤلاء يفصّلون بذلة الحدود على أساس خرافة الجذر العرقي الآري واللغوي الهندي_ الأوروبي الشيء الذي يدفع بهم إلى تجريد اللغات السامية من العبقرية ومن القدرة على إنتاج العلم والمعرفة الإنسانية المتطورة. وفي هذا السياق بالذات يتساءل جيرار دوكورتاتر بتشاؤم لافت للنظر هكذا: “هل يمكن التفكير في السؤال حول إمكان هدم الحدود من عدمه؟ ويجيب كالتالي: ثمة انطباع بأن الحدود القابلة للإزالة في أوروبا اليوم وأوروبا المستقبل هي وحدها حدود السوق، أما خارج السوق فالحدود ستصمد”. أما المفكر الفرنسي جان لوك نانسي فيرى أن حدود السوق يمكن أن تزول ولا تزول الحدود الأخرى ويضيف مبرزا أن “إزالة حدود السوق ستؤدي إلى إشعال أوربا لحروب أخرى”.

وفي الواقع، فإن فكرة الحدود التي تجسدت كأمر واقع هي ذات ارتباط وثيق بفكرة الإمبراطورية التي تفرض نفسها كقوة ذات حدود لا تفصلها عن الحدود الأخرى التي تعتبرها مُلكا لها، ولكن لهذه الإمبراطورية ذهنية مزدوجة حيث أنها تلجأ إلى تصفيح فضائها عند انهيارها بفعل حركات التحرر الوطني. لننظر على سبيل المثال في واقع أمريكا الإمبراطوري الاستعماري؛ إنه بمجرد أن تشكلت لديها عناصر القوة قامت بضمّ وقضم الولايات التي كانت أجزاء من أراضي المكسيك، ومن ثم أقامت الحدود بكل أنماطها بما في ذلك الحدّ العرقي، والحدود اللغوية والثقافية والاقتصادية مما دفع المفكر الأمريكي صموئيل هانتنغتن إلى تأليف كتابين وهما: “صدام الحضارات”، و”من نحن؟” حثّ الإدارة الأمريكية في جزء منهما على التصدي للمهاجرين المكسيكيين لإبعاد ما يدعوه بـ”الخطر على هوية الشعب الأمريكي”.

مقالات ذات صلة