الحذر الإستراتيجي المطلوب
يحتدم الصّراع اليوم بين الغرب بقيادة الولايات المتحدة والشرق الجديد بقيادة الصين وروسيا، وبالتّعبير المعاصر بين مجموعة الـ7، ومجموعة “البريكس”، وذلك في جميع المجالات الاقتصادية التكنولوجية، العسكرية، الأمنية …الخ، ممّا يجعل بقية العالم، أي من هم خارج المجموعتين، يعيش “حيرة إستراتيجية” لا شك فيها، إن هو انحاز إلى أي من الطرفين انحيازا واضحا، فسيدفع الثمن من الطرف الآخر، وإن بقي غير منحاز لعلّه لن يربح لا مع هؤلاء ولا مع أولئك، فما العمل؟
تبيّن الإحصاءات وفي جميع المجالات أن مجموعة “البريكس”، إن بقيت متماسكة كما هي عليه الآن ولم تنفصل عنها الهند وتأكّد انضمام اقتصادات صاعدة أخرى لها مثل السعودية، ستبدأ في التفوّق في بعض المجالات على مجموعة السبع الحالية خاصة الاقتصادية منها، ولكنها ستبقى في كل الحالات غير قادرة على المنافسة العسكرية خاصة في جانبها الهجومي، مما يفسّر قلق مجموعة “البريكس” في اجتماعها الأخير بالبرازيل (الأحد 6 جويلية) من الرفع المتزايد للإنفاق العسكري الغربي بالنظر إلى قرارات آخر اجتماع للحلف الأطلسي (24 جوان الماضي) التي أقرت زيادة تصل إلى 5 % من الناتج المحلي الإجمالي للدول الأعضاء -باستثناء إسبانيا- من هنا إلى سنة 2035، وهي زيادة كبيرة بالنظر إلى حجم الناتج المحلي الخام لدول المجموعة (36 % من الاقتصاد العالمي سنة 2035) ـبالأسعار الاسمية-هذا المؤشر يعزّز افتراض أن الغرب يستعدّ منذ الآن لعمل عسكري ضخم غير مباشر ضد الشرق أو ضد مجموعة “البريكس” بالذات في حال شعوره بتهديد حقيقي لمكانته الاقتصادية في العالم، وعلى ضوء هذا الافتراض الأساس، ينبغي التفكير أكثر من مرة في الاصطفاف لأن ساحة الحروب القادمة الضخمة -للمفارقة– لن تكون لا في الشرق ولا في الغرب، بل ستكون في العالم غير الشرقي وغير الغربي، أي بقية العالم.
وعليه، فإننا مطالبون اليوم -على غير ما كنّا نفكّر في السنوات القليلة السابقة- بالحذر الإستراتيجي قدر الإمكان بالنظر إلى تزايد احتمالات المواجهات العسكرية غير المباشرة، ذلك أن الغرب -وقد تسلَّح أكثرـ لن يتوانى في الدفاع عن مصالحه بالقوة العسكرية، ولكنه في الوقت ذاته لن يدفع بقواته للدفاع عن بقية العالم في حال الاعتداء على إحدى وحداته، ولا الشرق سيفعل ذلك بطريقة مباشرة… وأمامنا نموذج “أوكرانيا” بالنسبة للغرب، إذ أنّ الأوكران هم الذين يموتون وحدهم، ونموذج “إيران” بالنسبة للشرق إذ تدفع الثمن وحدها (من دون التدخل المباشر). ومنه نستخلص ضرورة انتهاج دبلوماسية عالية المستوى على الأقل من هنا إلى سنة2035 لتجنّب الوقوع في هذا الفخ، ولاسيما ضرورة التعرّف على نقاط قوة كل طرف ونقاط ضعفه واحتمال تبدّل التحالفات لديه.
والمرجّح أن احتمال بقاء الغرب وحدة متماسكة عسكريا أعلى من احتمال بقاء مجموعة “البريكس”، إذ تشكّل الهند عامل اضطراب قد يخلّ بتوازن المجموعة في حال دخولها في صراع عسكري مع الغرب، أما احتمال بقاء الشرق أكثر قوة وأكثر تماسكا من الناحية الاقتصادية، فأعلى منه في الشرق على حساب الغرب باعتبار تزايد وتيرة التطوّر لديه (الانتقال من 24% من الاقتصاد العالمي سنة 2020 إلى 4 1% سنة 2035) في جانب، وزيادة السياسات الحمائية بين مجموعة السبع في جانب آخر. ومنه يمكن استخلاص أن إيجاد نقطة توازن بين الشرق والغرب باتت ضرورة اليوم في هذه المرحلة الانتقالية، وهي أفضل من الاصطفاف الذي كنّا نفكّر فيه قبل 5 سنوات من الآن. وبالنتيجة، وفي المرتبة الأولى، ينبغي من ناحية تفادي أي نزاع عسكري أو أمني يكون الغرب طرفا فيه، ومن ناحية أخرى، ينبغي السعي لامتلاك قدرات اقتصادية وتكنولوجية أكثر تطوّرا من الشرق لأنه سيصبح أكثر قوة في هذا المجال وسيسمح بانتقال التكنولوجيا بشروط أقلّ.. وفي جميع الحالات، يبقى الحذر الإستراتيجي مطلوبا.