الحرب التي وقودها العرب
يبدو أن البترول العربي سيكون وقودا للحرب المحتملة بين أمريكا وإيران، فالسعودية مستعدة لتعويم السوق البترولية في حال دوّل العالم البترول الإيراني، وإيران تلوح بغلق مضيق هرمز في حال تنفيذ ذلك، فهل إيران دولة عدوة للعرب والمسلمين؟.
- القرار أمريكي والتنفيذ عربي
صحيح أن إيران تحتل ثلاث جزر عربية وأنها تقوم بإثارة الفتنة في دول الخليج بين السنة والشيعة، وصحيح أنها تريد ثورة خمينية في الوطن العربي ولكن ليس صحيحا أنها عدو للعرب أو الوطن العربي، ولكنها تفضل حماية مصالحها على حماية مصالح الآخرين، في حين أن العرب يفضلون حماية المصالح الأمريكية على مصالحهم التي يفترض على الدول العربية أن تتعامل باستقلالية في قراراتها أثناء الصراع بين القوى الإقليمية والدول العظمى.
تحتل إيران موقعا استراتيجيا مهما وتستطيع دول الخليج الاستفادة منها، ولها نفوذ قوي في العراق وسوريا ولبنان وتستطيع الجامعة العربية أن تستغله لصالح استقرار أقطارها، وإيران دولة إقليمية لا تقل قوة عن الدولة الإقليمية الأخرى وهي تركيا، اللتان تحاولان احتواء القرار العربي لفائدة مصالحهما دون الدخول في صراع بينهما لصالح طرف آخر.
هناك استهداف أمريكي غربي للمنطقة العربية منذ اكتشاف البترول ووصل ذروته هذا القرن، كما كانت هناك تطلعات لدول إقليمية للهيمنة على خيراتها.
النفط هو المستهدف في إيران ودول الخليج والسوق العربية هي الفضاء التجاري الذي تتطلع إليه الدول الكبرى، لكن العرب مايزالون بعيدين عن صناعة القرار العربي المستقل، وبالتالي فهم مجرد منفذين لقرارات غيرهم، فأموال البترول تصب في البنوك الأمريكية ولا تستثمر في بلدان أصحابها وإنما تعود إليهم في شكل بضائع كالأسلحة لزيادة التوتر ومنتجات مستخرجة من البترول الخام.
المشكلة الأولى أن قادة الأقطار العربية لا يفكرون في المستقبل بقدر ما يفكرون في السلطة وربط بلدانهم بالتبعية للاستعمار القديم، ظنا منهم أنه يحميهم من رياح الثورات القادمة، والمشكلة الثانية هي أن النخبة في هذه البلدان مغيبة عن الواقع المعيش وكأنها غير معنية بالتحولات الدولية وتغيرات موازين القوى.
الوجه الآخر لإيران
يعتقد المتتبعون للشأن الإيراني بأنه بإمكان إسرائيل أو أمريكا القيام باعتداء على إيران دون خوف من تداعيات ذلك عليهم، وهو اعتقاد خاطئ، لأن إيران ليست قوة إقليمية فحسب أو موقعا استراتيجيا فحسب وإنما هي امتداد عقدي في المنطقة العربية الإسلامية وبالتالي فالمصالح الإسرائيلية مهددة والمصالح الأمريكية هي الأخرى، لأن وقود الحرب المحتملة هم العرب حلفاء أمريكا وإسرائيل.
المؤكد أن المعتقد الديني هو القوة القادرة على مواجهة قوة السلاح، فأمريكا انهزمت في العراق لأن المقاومة تصدت لها وحولت أجساد ثوارها إلى متفجرات وقنابل موقوتة في وجه العدو، والأكثر تأكيدا أن القاعدة التي يقودها المرحوم أسامة بن لادن كانت الدرس الأول من دروس خطر المعتقد على السلاح.
إيران هي التي تتحكم حاليا في مصير الكثير من الأقطار العربية مثل العراق وسوريا ولبنان والبحرين، والاستقرار في هذه الدول مرهون بالاستقرار في إيران، ولهذا فالعرب مطالبون بمراجعة علاقتهم من اجل مصالح بلدانهم والتعامل معها كعدو لا يخدم مستقبل العلاقات العربية الإيرانية.
إن الأسلحة التي اشترتها دول الخليج لا تضمن أمنها وإنما أمن المصالح الغربية، لأن قوة هذه الدول تكمن في البترول كسلاح في وجه أي اعتداء خارجي ولعل الكثير يتذكر كيف استخدمه المرحومان الملك فيصل والرئيس هواري بومدين عام 1973م.
وباعتبار أن السعودية هي القوة الأولى في الخليج بتروليا، فإنها بفضل وجود مكة المكرمة فيها أصبحت القوة الأولى عربيا وإسلاميا، ولجوءها إلى إقحام نفسها في الصراع الإيراني الأمريكي يفقدها هذه القوة ويجعلها عرضة لاهتزازات هي في غنًى عنها، ولا داعي للتذكير بالدور غير الأخلاقي أثناء أحداث 11 سيبتمبر 2001م حيث أغرقت السوق ببترولها لصالح أمريكا، فهل القيام بالدور نفسه في الحرب المحتملة بين إيران وأمريكا سيخرجها سالمة؟.
إن رهان الغرب على التغيير في إيران لصالحه مستبعد حتى ولو وقعت ثورة أو حرب أهلية، ذلك أن الشعب الإيراني يعيش بكل أطيافه وفئاته على الماضي الذي يتجسد في كل مناسبة دينية، والمجتمع الإيراني لا يغير عقيدته بالحصار أو بالحرب أو تغيير النظام القائم، فالإصلاحيون والمحافظون وجهان لعملة واحدة، وأي اعتداء سيكون وقوده المشرق العربي والخليج، فالعقيدة الإيرانية من مدينة قم الإيرانية إلى مدينة كربلاء العربية أصحابها إيرانيون وعرب وقد فشلت أمريكا ـ أثناء احتلالها للعراق ـ في تشكيل هلال شيعي عربي في مواجهة التشيع الإيراني وهاهي تلجأ إلى تشكيل هلال سني لمواجهة إيران، فهل تستطيع أمريكا أو إسرائيل الاعتداء عليها أم تترك الحرب مفتوحة بين العرب وإيران؟.