الحرب “العلمية” الثالثة
عندما اغتيل ولي عهد النمسا وزوجته من طرف طالب علم صربي في سراييفو عام 1914 أرسلت إمبراطورية النمسا والمجر المتحدة جيشا قوامه خمسة وأربعين ألف جندي غزت به مملكة صربيا، فاندلعت الحرب العالمية الأولى…
-
وهذا العدد من الجنود هو رُبع عدد رجال الشرطة عندنا الذين بلغ تعدادهم مئة وثمانين ألفا سيؤّمنون امتحانات شهادة البكالوريا التي انطلقت صباح اليوم السبت، وعندما وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها عام 1918 أحصت إيطاليا فاتورة خسائر لمدة أربع سنوات بلغت ثلاثين مليون مارك ألماني أي أقل من ستين مليون أورو، بينما أنفقت الجزائر على شهادة البكالوريا لموسم 2011 أكثر من مئتين وخمسين مليار سنتيم أي ما يقارب الخمسة والعشرين مليون أورو .. هذه الأرقام توحي أن شهادة البكالوريا عندنا هي حرب حقيقية وفّرت لها الدولة طائرات هيليكوبتر عسكرية وثلاثين ألف شرطي لنقل أوراق أسئلة “صاحبة السمو” إلى مختلف الولايات في مواكب لا تختلف عن الفيالق العسكرية في الحروب التقليدية، وعندما تصبح هذه الشهادة التعليمية أشبه بالحرب أو هي الحرب بعينها فإن قدرنا أن نسعى حتى لا نجعلها سِجالا وحتى تبقى كل أيامها لنا ولا يكون يوما واحدا علينا في حربنا العلمية التي تصرف عليها الدولة ميزانية كبرى في كل الأطوار التعليمية وتبقى النتيجة بعيدة عن المبتغى.
-
من نكران الحقيقة أن لا نعترف بما تنفقه الدولة على التعليم إلى درجة التبذير، فالجزائر هي البلد الوحيد في العالم الذي يُفرش لطالب أو طالبة التعلّم إلى أن يحصل على الشهادة الجامعية البساط الأحمر فلا تنفق عليه عائلته إلا المتابعة المعنوية، بينما يجد التلميذ أو الطالب كل الضروريات وحتى الكماليات متوفرة له كما هو الشأن الآن مع شهادة البكالوريا، فميزانية التعليم هي الرابعة بعد ميزانية الدفاع والداخلية والمجاهدين.. لكن من نكران الحقيقة المرّة أيضا أن لا نعترف بأن القائمين على تسيير هذه الميزانية الضخمة فشلوا في قطف ثمار هذا البذل من كرم وجود وحوّلوه إلى شكل من دون مضمون، وعجزوا عن استغلال احترام الجزائريين إلى درجة التقديس لشهادة البكالوريا التي وحدها من تستطيع أن تصنع الحدث الاجتماعي والعلمي وحتى السياسي، وتخطف دون كل المجالات العلمية والثقافية صفحات كثيرة وأولى من الجرائد، لكن إذا تواصل إهمال روح التعليم في أطواره الأولى وتواصل انهيار التعليم في أطواره النهائية كما يبيّنه مصير الطلبة المتفوقين الذين منهم من دخل عوالم غير علمية ومنهم من ترك البلاد هربا من “بطش” العباد، فإن ميزانية الحرب التي تنفقها الدولة على التعليم وعلى شهادة البكالوريا والجحافل الساهرة على تأمينها ستصبح تبذيرا للمال العام أو وجع رأس يضاف إلى عمليات الإنفاق الضخمة التي تبذلها الدولة في قطاعات أخرى، فيذهب ريحها مع الاختلاسات وسوء التسيير أو يصبح إنفاقا لأجل تجهيز طالب تستفيد منه جامعات ومؤسسات دول أخرى تعددت الآن قاراتها ولم تعد تقتصر على أوربا وإنما توسعت إلى كندا وأستراليا وشرق آسيا ودول الخليج العربي.
-
ما أنفقته إمبراطورية النمسا بإعلانها الحرب العالمية الأولى على مملكة صربيا وعلى العالم بأسره جعلها الآن بعد أقل من قرن من الزمن الدولة الأكثر تقدما في عالم التعليم والتكنولوجيا بجامعات فيينا وأنسبروغ، وما أنفقته الجزائر على شهادة البكالوريا هذا العام وفي الأعوام الماضية لا يجب أن يُبقي أحسن جامعة جزائرية في المركز 4132 عالمي؟