-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الحروب الخاطئة

صالح عوض
  • 2058
  • 0
الحروب الخاطئة

في تاريخ الأمم والشعوب حروبٌ نبيلة تحقق من خلالها سيادتها وكرامتها وتقطع يد المجرمين المتسلطين وتدحرهم عن حياضها.. وهناك حروبٌ تنهض لها الشعوب والأمم من أجل الإنسانية المظلومة المعذّبة وقضاياها العادلة ضد الاستعماريين الاستحواذيين العنصريين.. في مثل هذه الحروب يكون كل جهد وتضحية وبذل إنما هو في رصيد الشعب والأمة قيمة معنوية ضرورية في تحديد الوِجهة التي تتحرك من أجلها المجتمعات لترتفع بها على سلم النمو الأخلاقي والتماسك القيمي والتقدم على صعيد المنطقة والعالم بما قد توفر من مكانة مرموقة بين الشعوب والأمم.

وفي تاريخ الشعوب والأمم حروب خاطئة لا مبرر منطقي لها إنما هي من دوافع غريزية عنصرية جاهلية كما كان بين داحس والغبراء، وكما كان بين ملوك الطوائف، وكما كان بين الدول والممالك الأوروبية حروب تبعثها النعرات الشريرة وتقدم فيها الشعوب والأمم تضحيات وإمكانيات تذهب هدرا لا قيمة معنوية لها، بل بالعكس خسران فادح معنوي ومادي؛ ذلك لأنها تضيع وجهة المجتمع وتفقده الاحترام والهيبة أمام الآخرين .

لقد كانت حروب أمتنا منذ قرن تقريبا حروبا حقيقية ضد الاستعمار البريطاني والفرنسي والصهيوني والأمريكي.. قاتلناه وقدمنا في الحرب الطاحنة تلك خيرة أبنائنا وعزيز ثرواتنا، ولكننا لم نندم قط، ولم نشعر بخسارة أبدا، بل كان ذلك الدم منارة للأمة في قادم عمرها، وكما انه رفع من شأن أمتنا وعزز وجودها الإنساني واحترامها بين الأمم، فكان قتيلها شهيدا وجريحها بطلاً.. وفي هذه الحروب أبلت أمتنا بلاء دوخ الاستعماريين واستطعنا أن نطرد الاستعمار الفرنسي من الجزائر والأمريكي من العراق والإيطالي من ليبيا والانجليزي من أكثر من مكان.. ومعركة الأمة متواصلة ضد الاستعمار الصهيوني في حرب شاملة وتسجل الأمة انتصارات معتبرة، ولازالت هذه المعركة مفتوحة على أكثر من جبهة، وهي معركة في الاتجاه الصحيح.

الآن ينخر السوس أعمدة بنيان الأمة عندما تحوّل بأسُها فيما بينها شديداً.. وها هي الدول والمجموعات المسلحة تتسارع إلى الاشتباك المسلح الدامي، وما نسمعه ونتابعه في الشأن السوري يشير بوضوح إلى غياب البوصلة وفقدان البصيرة والهدى.. عندما نرى كيف يتم إلقاء حمم النيران في داخل دائرتنا فنقطع أرحامنا القومية والدينية ونتحول إلى ألد الأعداء.. نخسر مئات آلاف الضحايا ونُهدر طاقاتنا المالية الضخمة فيما يتابع عدونا التحريض بيننا وإغراء بعضنا ببعضنا إلى الدرجة التي أصبح هو من يشرف على المصالحات بيننا ليبلغ أمر المنهمكين بالصراع البيني إلى درجة مزرية تجلب على بلدانهم البوار.. وهذه هي الحروب الخطأ في المكان الخطأ.

ليس من حل لما يجري في اليمن أو في سورية أو في العراق إلا التصالح وتوافق أهل البلاد على صيغ التواؤم والتآخي وإرساء قيم التعاون والعدالة والكرامة وصون الحريات والخروج من دوامة القتل والقتل المضاد.. إن وحدة اليمن ضرورية كما هي وحدة العراق ووحدة سورية، وإن صب الزيت على النار في هذه الساحات الملتهبة سيعمق التفسخ والتمزق، ويطلق للروح الشريرة العِنان في إشعال المنطقة كلها بحروب يعرف الغرب جيدا كيف يصنع لها عناوينها ويحكم تعقيدها.. إن أهل سورية والعراق واليمن بحاجة لتعاون جميع المعنيين في إرساء السلم والاستقرار وإطفاء نيران الفتن.. فيكفي عارا أن نلجأ إلى عواصم الغربيين الاستعماريين الذين انشأوا لنا هذه التناحرات لكي يقوموا بدور المصالحة بيننا.

إن ميادين الحرب في اليمن وسورية والعراق اصبحت ميادينَ لقتل ابنائنا وتدمير مقدراتنا وإهدار أموالنا وتفتيت بلداننا وتجزئتها، ومن هنا يصبح إيقاف هذه الحروب وعدم تأجيجها على الأقل سبيلا حقيقيا نحو كرامة الأمة وعزتها.. تولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!