الحكّام عرفناهم.. فماذا عن الشعوب؟
لا يوجد إنسان مرتاح في العالم، مثل المواطن المسلم والعربي على وجه الخصوص، فهو يجلس قبالة شاشات التلفزيون أو يقرأ جريدة، ينفخ سيجارة ويحتسي فنجان قهوة، يتابع ـ بلا قلق ـ المجازر المرتكبة في حق مقدساته، يتقن ردّ فعل واحد، بل دعونا نعترف بأنه فعل، مع سبق الإصرار والترصّد، وهو التنهد والاستغفار ولعن الأنظمة العربية واتهامها بالخذلان والانبطاح، وفي أحسن الأحوال، يزعم الدعاء لأجل نصرة بيت المقدس وأهله.. بربكم ألا يوجد أسهل من هذا الفعل الذي نصرّ على أنه مع سبق الإصرار والترصد؟
ليس عمر بن الخطاب وحده من فتح فلسطين، وليس صلاح الدين الأيوبي وحده من حرّر بيت المقدس، وليس بن غوريون وحده من بنى الدولة الصهيونية، وليس مناحيم بيغن وحده، من قادها إلى انتصاراتها المتكررة على الجيوش العربية، فقد ذكر القرآن الكريم المجاهدين بأموالهم وأنفسهم في إحدى وأربعين مناسبة، ولم يذكر قادة الجهاد أبدا، لأن النصر في أي معركة اقتصادية أو حربية لا يمكن أن يصنعه فرد واحد، أو نظام لوحده، والهزيمة أيضا لا يتحمّل تبعاتها فرد واحد أو نظام لوحده. وما يحدث من ذل لأهل فلسطين، وما يحدث من تذليل للأقصى، يتحمله فلاح في السودان، ومعلم في إندونيسيا وتاجر في تركيا وبطال في الجزائر ومجوهراتي في الإمارات العربية المتحدة، كما يتحمله هذا الرئيس أو ذاك الملك. وتبقى في درجات المسؤولية أقوال وآراء.
لو كانت الهزيمة أمام الصهاينة وحلفائهم، عسكرية وسياسية فقط، لهان الأمر، وتمكنّا من تحديد المسؤوليات نسبيا، ولكننا نتابع، كيف يتفوقون علينا صناعيا وفلاحيا وتكنولوجيا ورياضيا وثقافيا، جماعيا وخاصة فرديا، حتى صار هذا المليار من الذين يقولون إنهم ضمن “خير” أمة أخرجت للناس، يُهزمون من “شر” الناس، في كل المجالات.
لقد خسر جمال عبد الناصر وحافظ الأسد عدة معارك أمام الصهاينة، واتهمناهم بالشيوعية وانتمائهم إلى المعسكر الشرقي، الذي جرّهم إلى أرذل الهزائم، وخسر أنور السادات وأمراء الخليج عدة معارك أيضا، واتهمناهم بالرأسمالية وانتمائهم إلى المعسكر الغربي، وخسر من زعموا النهج الإسلامي الذي لا شرق فيه ولا غرب، ليس أمام الصهاينة، وإنما أمام هذه الأنظمة الخاسرة على طول، وبقينا جميعا نبرئ أنفسنا، فنجلس قبالة التلفزيون أو نقرأ جريدة، فننفخ سيجارة ونحتسي فنجان القهوة، أمام مشهد لمجزرة أو لتهديم، ونزعم القلق، ونشير بأيدينا إلى الأنظمة، بحثا عن براءة لن ننالها أبدا، فقد كررنا منذ عام 1948 أن الذي خذلنا هم الأنظمة، فعرفناهم الآن على حقيقتهم. فماذا عن الشعوب التي تتابع هذه المشاهد وتشرب من نفس الكأس، من دون أن تحرك ساكنا، كلّ في مكان عمله؟
منذ قرابة سبعين سنة ونحن نجلد الأنظمة بسياط ألسنتنا، قصائد نزار ومطر ودرويش هي أيضا أرعدت وأبرقت ولم تمطر للأسف، وأغاني جوليا بطرس وفيروز، وخطب كشك وكتابات محمد الماغوط كانت تريد أن تقول إن المشكلة ليست فينا بل في أنظمتنا، لكن الحقيقة كشفت أننا كلنا في الهمّ والذل شرق. وقد يكون حظنا الوحيد أن للبيت ربا يحميه؟