-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
كومندو جمال .. العودة إلى الونشريس

الحلقة الثانية: الجيش الفرنسي وحربه القذرة

الشروق أونلاين
  • 2220
  • 0
الحلقة الثانية: الجيش الفرنسي وحربه القذرة

كان الأمر يتعلق بمركز كعريشة القريب من أولاد مبان وهو معسكر كبير أقامه جيش الاحتلال في نهاية عملية “كوروا” الخاصة بالولاية الرابعة من مخطط شال. أثار اختيار هذا الموقع دهشتنا لوجوده في مكان غابي وفضلاً عن ذلك يقع وسط مثلث كان خاضعا يومئذ لمراقبة جيش التحرير ويشكل إحدى قلاعه.

 قام الجيش الفرنسي طبعا باقتلاع أشجار الهضبة التي أقيم عليها المركز الذي لم يكن اختيار مكانه هذا اعتباطيا فهو بذلك يكشف إرادته في تسجيل حضوره بأحد معاقل جيش التحرير الوطني.

أخبرنا مسؤولو القسم أن المركز تحميه مدفعية “لي تروا مرابو” (سيدي صالح) وهو موقع يقع شمالا على طريق “موليار” (برج بونعامة)  – “اورليون فيل” (الشلف) ومدافعه منصوبة حول محيط المركز بكامله ويقوم الجيش الفرنسي بانتظام وليلا بصفة عامة بقصف نسفي ردعي يستغرق مدة طويلة لإحباط أية محاولة اقتراب منه.

قررنا الهجوم على هذا المركز مع ذلك وعشية هذا الهجوم تقدمنا نحو الهدف لاحتلال قمتي ربوتين تشرفان عليه. ظللنا طول النهار نراقب تحركات الجنود وقبل ذلك طلبنا من مسؤول الإمداد أن يزودنا برشاش ثقيل من نوع 12/7 كنا غنمناه في كمين نصبه كومندو جمال في مارس 1957 على طريق “ماربو” (طارق ابن زياد) -1- ولم نستعمل هذا الرشاش منذ ذلك الحين سوى مرة واحدة وكان ذلك أثناء مهاجمة مركز بوقايد خلال صائفة 1957 بمشاركة كتيبتين بقيادة سي محمد (الولاية الرابعة) وسي طارق (الولاية الخامسة).

و يعتبر الرشاش 12/7 سلاح فعال رهيب لأن رصاصه يخترق الدروع لكن من مساوئه انه يصعب حمله لثقله فهو يزن 50 كلغ تقريبا.

ظل الرشاش مخفيا منذ استعماله الأخير كما سبقت الإشارة يرعاه مسؤول الإمداد الذي يتعين عليه أن يحفظ سر هذه الكنوز ويحرص على صيانتها وتخزين ذخيرتها.

وفي يوم الهجوم، وحوالي الساعة الخامسة مساء، تسللنا خفية واتخذنا مواقعنا قريبا من المركز عند حافة غابة صنوبر كثيفة. ويقف المعسكر قبالتنا شامخا يغطي الأيكة بكاملها.

انتشرت فصيلتان من الكومندو مكلفتان بالهجوم على خط باتجاه شرق-غرب بينما بقيت فصيلة ثالثة بقمة الربوة لتغطية انسحابنا. قررنا أن نفتح النار بالرشاش 12/7 الذي سيعطي إشارة الهجوم في نفس الوقت وكان موقعي وسط المخطط بالقرب من الرامي.

شرعنا في إطلاق النار واضعين المركز تحت قصف مكثف متواصل مستعملين في آن واحد الرشاش الثقيل ورشاشين خفيفين فضلا عن نحو ستين سلاحا أليا وعددا من البنادق. استغرق القصف دقيقتين أو ثلاثة  لم يجرؤ خلالها أي جندي على الخروج.

ومع اقتراب الهجوم سمعنا فجأة دويا قويا مصحوبا بدخان كثيف يحيط بنا اعتقدنا أن مصدر الانفجار قذيفة مدفعية كادت تصيبنا لكن الحيرة ما لبثت أن داهمتنا لأن الانفجار كان واحدا وفجأة انتبهنا لنلاحظ أن الرشاش الثقيل فقد محرقته تاركة مكانها ثغرة واسعة. لقد تفجرت المحرقة وكان بإمكان شظاياها أن تصيبنا. انفجرت بسبب خرطوشة ملغمة في شريط الرشاش بكل تأكيد.

قررنا الانسحاب بعد أن أصبحت رفقة الرامي نجد صعوبة في فتح أعيننا ولم نعد نتحمل ضوء النهار. أخذ رفقاؤنا يساعدوننا على السير وكان علينا ان نغادر المكان ونبتعد عنه بأسرع ما يمكن. بدأت مدفعية “لي تروا مرابو” (سيدي صالح) في القصف وكانت قذائفها تتساقط كالمطر هنا وهناك حتى أن بعضها أصاب المركز نفسه…أتراهم اعتقدوا أننا قمنا باجتياح المركز.التحقت بنا الفصيلة الثالثة من الكومندو المكلفة بالتغطية واستمرت قذائف المدافع تتساقط على رقعة واسعة من محيط كعريشة دون أن تصيبنا. علينا أن نغادر المكان بسرعة. تمكنا من الوصول إلى مركزنا بالأربعاء بعد بضع ساعات من السير.

لقد حرمنا الحادث المؤسف من نجاح محقق. لاشك أن العدو تمكن من مخادعة مسؤولي الإمداد رغم التعليمات الواضحة التي توصي الجنود والمسؤولين بعرض الذخيرة المغنومة أو الملتقطة على خبير المتفجرات إثر الحوادث الكثيرة الذي ذهب الجنود ضحية لها. لقد انفجر عدد من البنادق لحظة الرمي مما أدى إلى إصابة عدد من الجنود في وجوههم. لقد كان العدو يسرب إلينا بوسائط مختلفة ذخيرة وخراطيش مفخخة. كان جنوده يتعمدون رمي هذه الذخيرة في المسالك التي يمر بها جيش التحرير متظاهرين بضياعها أثناء العمليات. يتم انتقاء هذه الخراطيش من قبل المدنيين الذين كانوا سعداء عندما يسلمونها لجنودنا.

لكن بخصوص الخرطوشة المفخخة التي خربت رشاشنا الثمين فالأرجح ان تكون خزنت معه قبل بث التعليمة الخاصة بفحص الغنائم من الأسلحة والذخيرة فحصا دقيقا.

هناك تعليمة أخرى تنص على التعامل بحذر مع جثث القتلى سواء كانوا جنودا أو مدنيين، حيث يتعين سحب الجثة بحبل يربط في القدم مع الانبطاح على نحو 10 أمتار من الجثة الهامدة. لقد كشفت التجربة أن الجيش الفرنسي كان بعد ارتكاب مناكره كثيرا ما يضع ألغاما تحت الجثث. استعمل العدو جميع الوسائل لضربنا بدون حرج، حيث الغاية فيها تبرر الوسيلة. كانت حربه القذرة حقا.

.

الهوامش:

  1- طالع مساهمة الكاتب في يومية “ليبرتي” عدد 23 يوليو 2012  .

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!