الحنين والشوق إلى ماضي مدينة
«النوستالجيا» هي رحلة يرتد فيها المرء إلى أغوار وكهوف الماضي بغض النظر عن طول أو قصر المسافة الزمنية، ويعود في تلهف وتشوّق للتفتيش في مخازن الذاكرة بهدف استحضار ما علق بها من رواسب الماضي المادية والمعنوية، وتقليب رمادها وتأجيج لهيب جمراته حتى تبرق من جديد ويتدفق إشعاع وهجها، وتلوح خيوط أشعتها مخترقة امتداد نهر الزمن حتى ترتطم بمرآة العين.
بدأت التلميحات الأولى إلى موضوع «النوستالجيا» كحالة مرَضية تتسم بتشويش الذهن في نظر الأطباء النفسانيين نظرا لما يندسُّ في مفاصلها من هوس وكآبة واحتقان وحزن من جراء غرق من يمارسها في مقارنات بين زمنين، زمن غابر وزمن حاضر. ثم أصبحت وسيلة من وسائل العلاج المؤقت للخروج من دوّامة الاحتقان النفسي في عالم
سريع الإيقاع، ومكتظ بالقلق والتوتر والخوف والرهاب من المستقبل الذي ترتسم معالمه في مصارين إرهاصات الراهن المعيش.
يجوب الفعل النوستالجي، كممارسة خفية ومستبطنة كثيرا ما تجري في صمت وتخفّ، يجوب عقول وشعور كل الأفراد ويلامس وجدانهم، ولكن بدرجات متفاوتة ومن زوايا مختلفة تبعا للموقع ولزاد التجارب الفردية. والدافع إليها هو التمني بأن تكون إشراقات المستقبل القادم مريحة وحبلى بالمسرات التي تريح النفس وتدفع سواد الكلوم عن القلب وتطرد الغمائم من أمام الأعين.
في خضم النوستالجيا المجتمعية التاريخية، حرّك الأخ مصطفى حمّودة الذي أمضى سنوات طويلة في الغربة، حرّك قلمه وداعبه، وجعل من الاشتياق والحنين محفزا استدعى فيه عددا من التذكارات الجميلة التي ميَّزت مدينته باتنة. وأنجبت الفكرة التي حوّلها إلى مشروع كتابي شبه تاريخي كتابا سمّاه: «باتنة.. صرخة موصوفة».
كثيرا ما يقال: (إن الأسلوب هو الرجل نفسه)، ويراد بهذه القولة المتناقلة أن أسلوب الكتابة يعكس كثيرا من طبائع وسمات الكاتب الشخصية. وأرى أن هذه القولة تتجدد وتنسحب مع الأخ مصطفى حمّودة انسحابا قويا جعل أسلوبه في الكتابة يغرف من خفة روحه، ويأخذ من بحر بساطته وتواضعه وانسيابيته في التعامل مع غيره والتفاعل معه من
دون حواجز، وقدرته على التلاعب بالألفاظ بلا عناء. ونقرأ ذلك حتى من خلال العنوان الذي يبدو ظاهريا أنه متناقض، إذ كيف تمتلك الصرخة وصفا، وهي غير ملموسة؟ ثم ما الطبيعة التي يمكن أن تترجم إليها هذه الصرخة؟ وإلى أي مدى يراد لها أن تصل؟ ومن المقصود بسماعها؟ وإن كان لكل صيحة عنوان وصدى وارتجاع، فما ماهية وجوهر الصدى الذي يريد الكاتب أن يدغدغ سمعه؟.
كثيرا ما تأتي الصيحة معبرة عن ضجر وضيق وتبرم. وقد يرفع معها الصوت للتنبيه والتحذير والتخويف من خطر داهم أو عدوان قادم. ويجوز أن يكون المراد منها وصول خبر مفرح إلى الأذن يسعد صاحبها، ويعمر قلبه بالنشوة. ولا يوجد مانع يحول بين الصرخة والاستغاثة في لحظة تأسُّف عن مسار حياة مدينة بعد النظر في صيرورتها.
واعتقد أن الصرخة المقصودة هي صرخاتٌ متراكبة أطلقتها حنجرة متشبِّعة بكل معاني الإدراك، وتمتلك ذخيرة خصيبة من الوعي المواطناتي الحركي الكامل والمرشد إلى ضفاف الاستفاقة واليقظة.
أحسن الكاتب فعلا لما أبطل رأيا شائعا مؤداه أن مدينة باتنة بادر إلى تشييدها عساكر الاستعمار الفرنسي لمّا فرضت عليهم الظروف ملاحقة باي قسنطينة الذي فرّ هاربا من البطش والتنكيل متوجها إلى الصحراء في جهتها الشرقية مع أولاده ونفر من أتباعه قبل أن يعتصم بجبال الأوراس مبتغيا السلامة لنفسه والنجاة لمن معه. وذكر أن الكاتب الرحالة
الأنجليزي «طوماس شاو» الذي مكث أكثر من عشر سنوات في الجزائر قبل الغزو الفرنسي لها بقرن من الزمن ذكر اسم «باتنة» في مؤلفه المترجم إلى اللغة الفرنسية تحت عنوان: «رحلة في أيالة الجزائر». ولا شك أن هذه الاستشهاد التوثيقي المتين، وبكل يقين، سيصحح ويبطل شكوكا وأوهاما وتحريفات أقحمت فيها حتى الطوبونيميا إقحاما مشوّها ومرذولا.
أحسن الكاتب فعلا لما أبطل رأيا شائعا مؤداه أن مدينة باتنة بادر إلى تشييدها عساكر الاستعمار الفرنسي لمّا فرضت عليهم الظروف ملاحقة باي قسنطينة الذي فرّ هاربا من البطش والتنكيل متوجها إلى الصحراء في جهتها الشرقية مع أولاده ونفر من أتباعه قبل أن يعتصم بجبال الأوراس. وذكر أن الكاتب الرحالة الأنجليزي «طوماس شاو» الذي مكث أكثر من عشر سنوات في الجزائر قبل الغزو الفرنسي لها بقرن من الزمن ذكر اسم «باتنة» في مؤلفه المترجم إلى اللغة الفرنسية تحت عنوان: «رحلة في أيالة الجزائر».
عبر صفحات الكتاب التي بلغت مائتين وخمسين صفحة، وبلغة فرنسية رقيقة وعذبة، وكلمات مختارة، وجمل سهلة لا تتعب القارئ، يذهب بنا الكاتب في سفر سياحي مقروء أدمج فيه ذكريات وجوه من كل الطبقات سكنوا المدينة ورحلوا، وآخرين ما يزالون أحياء يرزقون. ويذكر حتى أولئك الذين عاشوا مقهورين على هامش الحياة بسبب الظروف والصعاب والمحن، وافترشوا الأرض وتدثروا السماء في ليالي شتاء المدينة الباردة وزمهريرها الكاسح الذي تصطكُّ له الأسنان، وسخونتها ليلا ونهارا في فصل الصيف. ولم ينس الأحياء الشعبية والباعة المتجولين والحارات والحوانيت وأبواب المنازل المتواضعة ذات السقوف القرميدية والشوارع والأزقة الضيقة والمقاهي والمطاعم التي يتردد عليها
البسطاء والزوايا والأركان والمدارس القديمة والكتاتيب القرآنية والمسجد العتيق والكنيسة التي لم يعد لها وجود. ورأى في كل ما ذكره من الأحياء أو الأشياء معالم كالشموع كانت تنير الدروب وتقاوم الظلام الدامس الذي فرضته عاديات الزمن وصروف الدهر.
تحصَّن الكاتب بالعفوية والتلقائية والنظرة الجامعة، ولم يكن تصنيفيا مفاضلا أو متحيِّزا في حديثه عن رجال باتنة. ومثلما جاء على ذكر أصحاب الجاه والوجاهة والكلمة الفاصلة في المجالس ورجال النخبة وصنَّاع تاريخها المعاصر منذ ثلاثينيات القرن الماضي، فإنه توقف عند كثير من البسطاء المنسيين تحت أنقاض الذكريات لسبب أو لآخر، ولم يعد لهم ذكرٌ أو حضور في الأحاديث العامة والخاصة إلا لمما.
طرد الموقف الشحنة التنافسية التي تقسم أبناء المدينة إلى فصيلين متنازعين عندما يتعلق الأمر بمناصرة فريقي كرة القدم اللذين يصنعان الفرجة والزهو لما يتواجها في الميدان وجها لوجه، ولما أرثى صديق طفولته الصيدلي يوسف بوعبد الله، كتب له في آخر سطور تأبينيته وفي كلمات صادقة قائلا: (ستبقى إلى الأبد أيقونة بهذه المؤسسة الرمز ـ ويقصد فريق شباب باتنةـ في مدينتنا الغالية).
هيّجت الذكريات المسترجَعة بشقيها الفيزيائي والبشري، وأيقظت في نفس مغازلها مكامن زفرات الألم النائم بين جنبيه، فانفجرت كمقذوفات البراكين المندفعة في لحظات ثورانها ونشاطها. وبكلمات عربية دارجة، كتب فقرات تتقاطع مع الشعر الزجل القريب من الشعر الحرّ أعيد نشر بعضها بعد تجميل صياغتها بالفصحى. وحملت هذه البكائية الصامتة عنوان: (أين أنت، يا باتنة؟)، ويقول في بعض منها:
أين أنت، يا باتنة البهية؟
أين أنت، يا زمن مضى؟
أين أنت، أيتها الغالية؟
أين أنتَ، يا ابن فلان؟
أين سورك العالي؟
أين أبوابك الأربعة؟
أين أنت، يا باتنة؟
يا زينة البلدان.
أين هي مولودية بليدي وملاخسو؟
اللّذيْن كبر معهما سعدان
أين شباب باتنة وأحرار إبراهيم قليل؟
الذي سبقه الشهداء الشجعان
في البطحة الترابية صدام وارتطام
وبعد اللقاء المحلي كلنا إخوان
ويختم كلماته على عادة الشعراء الشعبيين بالقول:
هذه الأبيات نظمها
مصطفى حمودة بن عبد الله
الذي غادر باتنة بجيب فارغ
وبقلب شبعان
وجسمه اليوم في الغربة
ولكن قلبه في حيرة عن باتنة
وأهداها لكل سكان باتنة
والدموع في الأعين.