الحياة البيضاء
نخطئ دائما عندما نعتبر الجزائر عاصمة لكرة القدم، فهي لم تبلغ عمر إنجلترا التي ابتكرت اللعبة وتقدم حاليا أقوى الأندية واللاعبين، ومع ذلك لم يفعل »الهوليغانز« ما صار يفعله أبناء الجزائر في بوسعادة والحراش ووهران وسكيكدة من أعمال شغب
-
تتحول أحيانا إلى عصيان مدني بسبب فشل أنديتها في اجتياز امتحانات البطولة، وبالتأكيد الجزائر لم تبلغ مثقال ذرة من إنجازات البرازيل التي لم تأفل شمسها عن بطولات العالم بكل فئاتها ولا تغيب ضياء نجومها عن صنع أحلى أيام الكرة في كل زمان ومكان، ومع ذلك لم يفعل أنصارها الذين يتنشقون الكرة بدل الأوكسجين حتى وهم يخسرون نهائيات لم يتحرك فيها المستوى عن نقطة الحضيض التي قبع فيها منذ عشريتين، ولا أحد بإمكانه إقناعنا بأن مناصر يحب ناديه الذي يمثل مدينته هو الذي يخرب ويحرق المدينة، ولا أحد بإمكانه أن يقنعنا أن الذين يملأون ملاعبنا عندما يلعب المنتخب الوطني هم وطنيون حد النخاع ومعظمهم هرب من عمله أو دراسته ويحلم بالحرڤة وترك البلاد.
-
فما الذي جعل الحدث عندنا كرويا رغم أننا غائبون منذ سنوات ليس عن المونديال فقط وإنما أيضا عن الحدث الإفريقي، إذ نعجز عن إنجاز لاعب كرة واحد ينافس جيراننا، وأنديتنا تصطف في رواق الإقصاء منذ الأدوار الأولى من المنافسة الإفريقية، ومنتخبنا الوطني هو أحد أسباب ارتفاع داء السكري والضغط وحتى البواسير.
-
جريمة الكرة التي صار لها ضحايا وخسائر مادية ومعنوية جسيمة يتحمل مسؤوليتها الجميع، وتبييض المنافسة ليس حلا، لأن الجميع يعلم أن أنصار الكرة الذين يملأون ملاعبنا نارا وشوارعنا ربما معظمهم لا يفقهون من الكرة خططا تكتيكية وجملا فنية وإنما يبحثون عن منبر يحرقون فيه مشاعرهم بسبب البطالة وحالة اليأس التي نخرت معنويات الغالبية من المشجعين، ولا أحد يصدق أن الشباب البطال الذي يدخل ملعب سطيف أو تيزي وزو أو سعيدة أو البليدة إنما لأجل تشجيع لاعب ثمنه فاق المليار ومرتبه عشرات الملايين ومستواه الكروي دون الصفر!
-
هناك من يطالب ببطولة بيضاء ظنا منه بأن الكرة وحب الفوز قد شغف شبابنا حبا، واللون الأبيض التي ستقتل المنافسة ويفرغ الملاعب من الأحباء المشجعين سيكون فرصة للعودة للذات.. لكن المشكلة أن مستوى التعليم في كل أطواره أيضا تأخر وخرج عن النص.. فهل نلغي البكالوريا ونعلن سنوات دراسة بيضاء.
-
والمشكلة أن الاقتصاد بصناعته وزراعته وماليته يرواح مكانه برغم ضخ عشرات الملايير من الدولارات في خزانته.. فهل ندعو لسنوات اقتصادية بيضاء والمشكلة أن الأداء السياسي وأداء مختلف الأحزاب والمجالس البلدية والبرلمانية لم يقدم أي حل ولو لمشكلة واحدة.. فهل ندعو لسنوات من دون سياسة ولا حكومة، والمشكلة أن الأخلاق تدهورت وطغت الجريمة بأشكالها.. فهل تغلق السجون ونعلن سنة بلا قضاء ولا حساب، والمشكلة أيضا أن معنويات مختلف شرائح المجتمع قد شلها اليأس، فهل ندعو لتبييض عقولنا وقلوبنا، الذين ينادون لبطولة بيضاء هم بالتأكيد يدعون للخروج من الزمن والدخول في حياة بيضاء!!