الخجل والانطوائية عند الأطفال .. سلوك وراثي أم زراعة أولياء؟
بعد كل تلك الأبحاث والدراسات المعمقة حول شخصية الإنسان وصفاته، لا تزال النتائج متضاربة حتى اليوم، ما إن كان الخجل صفة تولد في الإنسان بالفطرة، أم يتوارثها، من كون الخجل والانطوائية صفات مكتسبة مع نموه وتعرضه للمواقف المختلفة، التي تجعله يتحاشى الاحتكاك الاجتماعي ويفضل العزلة والابتعاد.
إن شعور الطفل بعدم الارتياح في بيئة تعج بالأشخاص، أو حتى مع شخص واحد إضافي لا يرغب به، هو ما يفسره علماء النفس بالخجل. وهكذا يتنامى هذا الشعور عبر درجات، فإما أن يتعايش معه الطفل ومحيطه، إلى غاية أن يرحل تلقائيا في مرحلة المراهقة أو الشباب، أو يكون عميقا مقلقا للجميع ويستمر في خلق الحواجز والعقبات حول هذا الطفل، ليكون له شخصية انطوائية غامضة ومعقدة يكرهها الناس.
آباء وأمهات يخلقون الخجل ويباركونه في صغارهم
تقول الأخصائية النفسية والاجتماعية، مريم بركان: “يستغرق الطفل دون سن التاسعة، ضعف الوقت الذي يستغرقه شخص بالغ، للتأقلم مع الآخرين، حتى وإن كانت له معرفة مسبقة بهم، وعادة ينتظر الصغير حتى يجد إحدى علامات الترحيب به قبل أن يندمج في المجموعة، ويبدأ بالتصرف على طبيعته”، غير أن الكثير جدا من الأطفال يأخذون وقتا طويلا جدا، وربما يقررون في النهاية البقاء صامتين ومنطوين، وربما حتى يخفون وجوههم خلف أوليائهم، لمدة تتجاوز ربع ساعة، وهم بالضبط ما يوصفون بالأطفال الخجولين أو المنطوين. تفيد دراسات وملاحظات اجتماعية بأن الأولياء يمكن أن يغذوا هذا السلوك لدى أطفالهم، هذا، إن لم يكونوا هم من زرعه فيهم أصلا، فمثلا نجد الأم في اللقاءات الاجتماعية تتحدث عن خجل ابنتها بالقول إنها تستحي، تريد بذلك التفاخر بجانب من شخصيتها، لكنها لا تدري أنها تعزلها أكثر وتدفعها إلى الاستمتاع بذلك الأمر. تقول السيدة فاطمة الزهراء: “بلغت ابنتي 14 سنة، وهي الآن ترفض أي زيارة اجتماعية. في المقابل، تختبئ من الضيوف وتفضل عدم الجلوس إليهم، وإن فعلت مضطرة، فلن تنبس بكلمة، وعندما عرضتها على أخصائيين، اتهموني بأنني السبب”. فاطمة الزهراء، كانت تبارك دائما خجل ابنتها وتوصيها بعدم الحديث كثيرا ولا الحركة، كما يتصرف باقي الأطفال المزعجين، وقد أصبح هذا الكبت سلوكها الطبيعي والمعتاد.
أخطاء على الأولياء تجنبها لإنقاذ أبنائهم من بعبع الخجل والعزلة
على النقيض مما سبق، يمكن للأولياء وحدهم، ودون الحاجة للاستعانة بالمحيطين بهم أو بالأخصائيين والخبراء في علم النفس، أن يرسموا الطريق الصحيح الذي سيخرج أبناءهم من قوقعة الخجل، ويدمجوهم في المجتمع حتى لا يعيشوا في عزلة وانطوائية، وذلك، من خلال تنمية مهارات التواصل معهم في سن مبكرة، والسماح لهم بمشاركة أفكارهم دون خوف من رفضها أو الاستهزاء بها، على أن يكون هذا في حدود الاحترام، ثم إن السماح للطفل بتكوين علاقات اجتماعية تحت المراقبة أمر مهم للغاية. وينبه الأخصائيون في كل مرة إلى أهمية النشاطات وتنمية المهارات والهوايات، كالرسم ومختلف الرياضات الجماعية والانخراط في النوادي العلمية والثقافية، التي من شأنها أن تجذب الطفل ليكون اجتماعيا منطلقا في تفكيره وتعبيره، حتى وإن كان خجولا بالوراثة، ذلك، أن الخجل يمكن أن يكون طبعا متوارثا أيضا، فقد كشف دراسات ميدانية أن الأمهات الماكثات في البيوت، ونخص بالذكر المنعزلات اجتماعيا، ينجبن أطفالا خجولين يخافون من آراء الناس، ويفضلون العلاقات المحدودة، ويملكون مناعة قوية ضد اقتحام حياتهم من قبل أشخاص جدد، مع هذا، فهم أكثر هشاشة ويتعرضون باستمرار للتنمر والأذى في المدرسة والشارع.
إن الخطأ الفادح الذي ينمي الخجل في نفوس أطفال اليوم، الذي يقترفه الأولياء عادة دون أن ينتبهوا لعواقبه، هو أيضا عندما يسمحون للآخرين بوصف طفلهم بالمختلف والخجول، أو بالتنمر عليه علنا، عندما يبدي رأيا ما أو يقوم بتصرف صبياني غير مدروس. ولدرء الحرج عن أنفسهم خلال تواجدهم في جماعة، فإنهم ينتقدون ويسمحون للبقية بانتقاد الطفل.