-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
تحول عصري في المطاعم الجامعية بالجزائر

“الخدمة الذاتية” تنهي عقود التبذير وتُعيد الاعتبار للطالب

ع. تڤمونت                                                 
  • 172
  • 0
“الخدمة الذاتية” تنهي عقود التبذير وتُعيد الاعتبار للطالب

عاشت المطاعم الجامعية في الجزائر، عقودا طويلة تحت وطأة نظام تقليدي، كان الطالب فيه يتلقى طبقا موحدا وبكميات محددة سلفا لا تراعي تنوع الأذواق ولا الاحتياجات الفردية، هذا النهج القائم على فرض الوجبات لم يكتفِ بإضعاف مستوى الرضا لدى الأسرة الطلابية، بل تسبب في استنزاف الموارد والميزانيات، حيث أصبحت ظاهرة رمي الوجبات وهدر الأطعمة مشهدا متكررا ومؤسفا أرق القائمين على القطاع لسنوات طوال من دون حلول جذرية.

اليوم، وتماشيا مع توجهات التحديث وعصرنة المرفق العمومي، يبرز تحول قطاع الخدمات الجامعية نحو إحداث قفزة نوعية تعيد رسم معالم الحياة اليومية للطلبة، من خلال الانتقال التدريجي والشامل نحو نظام الخدمة الذاتية “Self-Service”، المعمول به في كبرى الجامعات والمؤسسات الأكاديمية العالمية.

وتُجسد الإقامة الجامعية “أميزور 02” بولاية بجاية أنموذجا حيا وميدانيا لهذا التغيير الإيجابي، حيث كشفت المعاينة الميدانية الأخيرة التي قادتها نعيمة بطاش، مديرة الخدمات الجامعية بجاية – القصر، رفقة رئيسة قسم المراقبة والتنسيق، عن تجربة تنظيمية ناجحة تُتيح للطلبة الحرية الكاملة في اختيار أنواع الأكلات والكميات التي تلائم رغباتهم واحتياجاتهم الواقعية، وسط أجواء تنظيمية تسودها النظافة، مع توفير أطباق مقسمة ومخصصة لتقديم الوجبات بكل أريحية.

وفي استطلاع ميداني واسع لآراء مختلف الأجيال الطلابية المقيمة، كان لقدامى الطلبة نصيب بارز في المقارنة بين الماضي والحاضر، إذ عبر طالب في سنته الأخيرة عن الشوط الكبير الذي قطعه المطعم الجامعي قائلا: “نحن الذين عشنا السنوات الأولى بنظام الوجبة المفروضة والطوابير المزدحمة، نستشعر اليوم حجم الفارق الجوهري، لقد كانت الحاويات تُملأ يوميا بأطنان الأطعمة التي يُجبر الطالب على أخذها من دون رغبة، أما اليوم فالطالب يملك زمام الاختيار، والنتيجة هي القضاء التام على الهدر وارتفاع ملحوظ في جودة الخدمة”.

من جهته، أضاف طالب قديم آخر استذكر بدايات تجربته بالإقامة: “الخدمة الذاتية أرجعت للمطعم الجامعي هيبته ونظافته، وأنهت الصورة النمطية القاتمة التي انطبعت في أذهاننا لسنوات.. الشفافية في التقديم وسلاسة الحركة والحرية في انتقاء مكونات الوجبة جعلتنا نأكل بكرامة وارتياح نفسي لم نعهده من قبل”.

كما أيد الطلبة الجدد هذه الانطباعات، حيث أكد أحدهم: “أصبحنا نحدد بأنفسنا حجم وجباتنا وأنواعها من دون ضغط، وهو ما يكرس استقلاليتنا ويحثنا على عدم أخذ إلا ما نحتاجه بالفعل”، وأشارت إحدى الطالبات إلى البعد البيئي والتنظيمي قائلة: “التنظيم المحكم والتنوع اليومي في السلطات والأطباق الرئيسية ألغيا الاكتظاظ والعشوائية، وكرسا ثقافة الوعي والاستهلاك الرشيد لدى الجميع”.

وتتجاوز أهمية هذا التحول العصري حدود تقديم وجبات صحية ومتنوعة، لتمتد وتشكل حلا اقتصاديا وبيئيا ناضجا يضع حدا جذريا لظاهرة التبذير، فعندما يختار الطالب ما يأكله بالكمية التي تفيد جسده فقط، يتقلص الفائض تلقائيا وينعدم الهدر، مما يسمح بإعادة توجيه الموارد المالية نحو تحسين جودة المكونات وتنويع الأطباق باستمرار.

وفي النهاية، لا تُقاس جودة الحياة الجامعية بأداء مدرجات الدراسة والتعلم وحدهما، بل بمدى صون كرامة الطالب ورعاية يومياته حتى في أبسط تفاصيلها، وإن الرهان الحقيقي الذي تحققه تجربة الخدمة الذاتية اليوم يكمن في ترسيخ المسؤولية وبناء وعي استهلاكي حضاري لدى النخبة، ليصبح هذا التحول نداء صريحا ورسالة ملهمة لتعميم هذه الروح الإصلاحية على كافة الصروح الخدمية والتعليمية عبر كامل التراب الوطني.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!