-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الخصائص المميزة للمعرفة في‮ ‬المنظور الإسلامي

حمزة يدوغي
  • 4106
  • 0
الخصائص المميزة للمعرفة في‮ ‬المنظور الإسلامي

من المسلّم به أن جميع الأمم والمجتمعات تقدر المعرفة وتقدر العلم الذي‮ ‬لا تنهض حياة من دونه ولا تنمو حضارة بغيره؛ لكن المعرفة في‮ ‬المنظور الإسلامي‮ ‬متميزة بخصائص ذاتية سواء في‮ ‬مرجعيتها أو في‮ ‬وظيفتها؛ وهذه الخصائص أفرزتها فلسفة العلوم في‮ ‬الإسلام التي‮ ‬هي‮ ‬ثمرة عقيدة‮ “‬التوحيد والوحدة‮” ‬فالله سبحانه واحد والكون واحد والإنسان واحد والدين واحد؛ فهو لم‮ ‬يرد في‮ ‬القرآن الكريم إلا بصيغة المفرد‮ “‬الدين‮”.‬

هذه العقيدة تقوم على الإيمان بأن هناك عالمين؛ عالما حسيا ظاهرا زودنا الله سبحانه بوسائل إدراكه وهي‮ ‬الحواس والعقل،‮ ‬وعالما‮ ‬غيبيا زودنا بوسائل إدراك باطنية بها نهتدي‮ ‬إليه؛ والإنسان المعاصر‮ ‬ينكر هذا المصدر الثاني‮ ‬للمعرفة مما جعله حبيس أحد شطري‮ ‬الحقيقة ألا وهو شطرها المادي‮ ‬الظاهري‮ “‬يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم‮ ‬غافلون‮”.‬

هذا الإنسان العصري‮ ‬ورث هذه الفلسفة المهزوزة في‮ ‬مجال المعرفة عن الحضارات القديمة التي‮ ‬ظلت‮ – ‬على تعدد مدارسها وتطورها عبر الزمن‮- ‬تنحصر كلها في‮ ‬مدرستين كبيرتين‮: ‬مدرسة حسية بحتة تؤمن بالحواس وحدها،‮ ‬ومدرسة عقلية ترى أفضلية العقل على الحواس؛ فما‮ ‬يدركه العقل‮ ‬يؤمن به ويُسلّم بوجوده وما لا‮ ‬يستطيع إدراكه‮ ‬يرفضه؛ وهكذا‮ ‬يتضح أن الذي‮ ‬يميز قيمة المعرفة بين الفكر الإنسان الوضعي‮ ‬وما جاء به الوحي‮ ‬هو أن كلا من الحسيين والعقليين اختزلوا الإنسان وقزموا قيمته الجوهرية حينما حصروا مصادر معرفته في‮ ‬حواسه وعقله،‮ ‬ووضعوا لأنفسهم قاعدة خاطئة ترى أن‮ “‬عدم العلم هو علم بالعدم‮” ‬وهذا خطأ لأن عدم علمنا بوجود الشيء ليس بالضرورة علما بعدم وجوده‮.‬

المعرفة من منظور إسلامي‮ ‬تقول إن الإنسان أكبر من العقل وأكبر من الحواس لأن له من وسائل إدراكه الحقيقة وتحصيل العلم ماهو أكثر‮ ‬يقينية في‮ ‬دلالته من الحواس ومن العقل؛ قال تعالى‮ “‬والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة”؛ إن السمع والأبصار من الحواس ومن وسائل الإدراك التي‮ ‬نجدها عند علماء المناهج ومنظري‮ ‬المعرفة الإنسانية والمؤرخين لها؛ لكن الأفئدة لا نجد لها أثرا عندهم لا قديما ولا حديثا؛ وفي‮ ‬آية أخرى‮ ‬يقول تعالى‮ “‬ولا تقف ماليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا‮”.‬

إن القرآن الكريم‮ ‬يصف القلب أحيانا بالعقل ويصفه أحيانا بالفقه؛ والفقه‮ – ‬كما نعلم جميعا‮ – ‬هو مرتبة أعلى من عقل الأمر والعلم به؛ فقد وصف القرآن المشركين بقوله‮: “‬لهم قلوب لا‮ ‬يعقلون بها‮” ‬ويقول‮: “‬إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي‮ ‬في‮ ‬الصدور‮” ‬فالقلب في‮ ‬القرآن‮ ‬يوصف بالعقل وبالفقه وبالعمى؛ وإذن فالقلب وسيلة من وسائل الإدراك الباطنية مكمّل للحواس والعقل؛ ومن هنا كانت الخاصية الأساسية لقيمة المعرفة في‮ ‬الإسلام أنها ليست ثمرة العقل وحده؛ ثم إن‮ “‬العقل‮”‬‭ ‬كمصدر،‮ ‬لم‮ ‬يرد في‮ ‬القرآن الكريم وإنما ورد الفعل‮ “‬يعقلون”؛ لأن القرآن لا‮ ‬يقرّ‮ ‬بوجود جوهر مستقل بذاته هو مصدر المعرفة نسميه‮ “‬العقل‮” ‬له مكان في‮ ‬جسم الإنسان كغيره من العناصر الأخرى فمصادر المعرفة في‮ ‬المنظور الإسلامي‮ ‬هي‮ ‬الحواس والعقل والفؤاد،‮ ‬لذلك كانت هناك ثلاثة مجالات للمعرفة،‮ ‬أولها العلم بالله سبحانه‮ “‬فاعلم أنه لا إله إلا الله‮” ‬وهذا معناه إدراك أصل الخلق والعلة من الوجود ورسالة الإنسان على الأرض ومصيره بعد الموت؛ وثانيها هو العلم بشريعته سبحانه حتى‮ ‬ينهض بتلك الرسالة كما‮ ‬يحب خالقه ويرضى وحتى‮ ‬يضمن الاستقامة كما أمر‮. ‬وثالها العلم بالكون والطبيعة سواء كان هذا العلم تجريبيا طبيعيا أو إنسانيا‮.‬

إن التوحيد هو أصل كل الأصول في‮ ‬الإسلام ومع ذلك فإن أول ما طلبه الوحي‮ ‬من الإنسان هو‮ “‬القراءة‮” ‬لأن العقيدة نفسها لا تقوم إلا على العلم؛ فالمعرفة في‮ ‬الإسلام هي‮ ‬قمّة الإيجابية والجهل هو قمة السلبية؛ مع الإشارة هنا إلى أن الإسلام‮ ‬يفرّق بشكل واضح بين العلم والمعرفة؛ فالعلم هو الإدراك المباشر الكلي‮ ‬اليقيني‮ ‬وهذا لا‮ ‬يكون إلا لله سبحانه،‮ ‬فهو وحده العلاّم العليم والعالم،‮ ‬أما بالنسبة للإنسان فالعلم‮ ‬يكون نسبيا ومقيّدا لا مطلقا ولا‮ ‬يكون إلا بواسطة،‮ ‬فلا‮ ‬يقال في‮ ‬الإسلام‮ “‬علمتُ‮ ‬الله‮” ‬بل‮ ‬يقال‮: ‬عرفتٌ‮ ‬الله سبحانه لأن هذه المعرفة تكون بواسطة؛ أي‮ ‬بالنظر في‮ ‬ملكوته وبديع صنع وخلقه،‮ ‬بمعنى أن الإنسان كلما ازداد معرفة بسنن الله كلما ازداد خشية له،‮ ‬ومن هنا كانت علاقة العلم بالخشية‮ “‬فاتقوا الله ويعلمكم الله‮”.‬

هذه السببية أو الواسطة المعرفية هي‮ ‬إحدى خصائص قيمة المعرفة في‮ ‬الإسلام لأنها تتصل بالإيمان من جهة وتتصل بمسؤولية الإنسان في‮ ‬عمارة الأرض وهي‮ ‬العلة من وجوده وإدراك علاقته بخالقه؛ ومن هنا تميزت علاقة الإنسان بالكون والطبيعة في‮ ‬المنظور الإسلامي؛ فالطبيعة في‮ ‬هذا المنظور ليست محيطا ماديا عدوانيا للإنسان بل هي‮ ‬مختبر لمعرفته ومحراب لعبادته،‮ ‬فهو‮ ‬يسعى دائما للكشف عن قوانينها الثابتة لأنها من سنن الله التي‮ ‬لا تتبدل ولا تتحول،‮ ‬كل ذلك من أجل التحكم فيها وحسن استغلالها باعتبارها مسخّرة له؛ فهناك إذن حميمية وألفة وتكامل ومودة بين الإنسان والطبيعة،‮ ‬وليس في‮ ‬الإسلام‮ “‬قهر‮” ‬الإنسان للطبيعة أو‮ “‬قهر‮” ‬الطبيعة للإنسان،‮ ‬كما أنه ليس في‮ ‬الإسلام‮ “‬غزو‮” ‬للفضاء بل هناك فتح وارتياد واكتشاف وتوظيف‮..‬

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • اسلام

    بارك الله فيك استاذنا
    مقال رائع ذكرني بكتاب قرأته لسيد قطب رحمه الله يدعى "معالم في الطريق"
    كتاب رائع وفي القمة أنصح الجميع بقراءته

  • الطيب

    خاصة التأسيس للعلاقات و كيف تكون بين الناس ( مسلم ، يهودي ،مسيحي ،مشرك ) لأنّ الله سبحانه يعلم خلقه و يعلم اختلافهم و افرازات هذا الإختلاف على الأرض و مع ذلك ضمن لهم الحرية التامة " لا اكراه في الدين " و لكنه سبحانه بيّن لعباده أيضًا : " إنّ الدين عند الله الإسلام " و هو تحبيب الطريق الموصلة للجنة في النهاية لجميع عباده أما من أبى :" و من يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه و هو في الآخرة من الخاسرين " هذا جزء من التصور الإسلامي لجزء من الحياة على الأرض.....

  • الطيب

    كم هو غائب عن كثير من المثقفين و المفكرين هذا التصور الإسلامي للكون و الإنسان و الحياة !! و كم نحن بحاجة ماسة إلى من ينفض الغبار عن رسالة الله ـ الإسلام ـ المتناسقة مع الكون و هذا المخلوق البشري و مع ما سخره له الله من حاجيات لا تعد و لا تحصى ( العقل ، الحواس ، القلب ، الشمس ، التربة ، الماء ، النبات، الحيوان، النجوم ، كنوز الأرض ، ....) . لذلك بدايات الوحي من الكتاب المقروء كانت تهز النفوس إلى تأمل الكتاب المنظور و عندما بدأت في التسبيح بدأ التوجيه إلى كيفية بناء المجتمع الإنساني النموذجي خاصة

  • نورالدين الجزائري

    فتعطل عقل المسلم و تأخر و تقهقر إلى الوراء، و الله تعالى في سنن الكون لا يحابذ أحد! فمن أخذ بها قويَّ و مَن أهملها ضعف و غَلُبَ! هذا غير السنن الشرعية ،و المصيبة أننا عجزنا عن الأخذ بالسنن الكونية و شوهنا السنن الشرعية على التوالي هذه المنظورة تحتاج ـ لعقلاء ـ البلد النظر فيها بإمعان أقول العقلاء الذين يستعملون كل عضو من وسائل المعرفة في محلها لا يخلطوا و لا يقلبوا و إلا نكون ما نحن عليه !
    الجاهل يؤكد و العالم يشك و العاقل يتروى و العقل كمظلة الطيار لا تنفع حتى تفتح! و كل إحتراماتي لصاحب المقال

  • نورالدين الجزائري

    و العجيب في كتاب الله تعالى أن الحكمة هي الكلمة الوحيدة التي ذكرت و مُدحت بالخير و الكثرة { و من أوتي الحكمة فقد أتي خيرا كثيرا } لا توجد كلمة كثرة في القرآن إلا في الشر و توابعه أما في الخير فقد ذكرت الحكمة فقط ! و العقل ذكر في القرآن باللب و الألباب ... السؤال لماذا المسلمون تأخروا و غيرهم تقدم ؟ الله تعالى خالق كل شيء للإنسان أعطانا هذه الوسائل العجيبة المهولة ( العقل أعمق من المحيط و أوسع من الفضاء ) لكل الإنسانية فقد أخذ بها غير المسلم و نجح و المسلم لم يأخذ بها لأسباب لا يسمح المكان ذكرها

  • نورالدين الجزائري

    في شدة الغضب أو المصيبة : ماعدت أنشوف والو ! الفكر غير العقل و هو كلمة من : فكر كرر فرك كفر .. هي بدائل الكلمة لتعطي لنا مفهوم عام للكلمة ، يأخذ الفكر الصورة أو الصوت مفتت ليجمعه بطريقة أكثر تفصيلا ثم يعطيه إلى العقل الذي يعني : الربط ، فيقوم ببناء الفكرة : ما وصل إليه عن طريق العين إلى بناء صحيحا أو مواليا للحاجة التي يجب القيام بها : كلمة طيبة / فكرة إختراع / مسألة عويصة فكها... و العقل هو مركز الإستقبال النهائي و الآمر الأول و كل ما زادت طاقة العقل في ربط الأشياء كما يجب يصل إلى درجة : الحكمة

  • نورالدين الجزائري

    كذلك باطن الإنسان ـ قلبه ـ إذا صلح فصلحت النفس . أما الفؤاد فهو العضو الذي ـ يصعق ـ الصورة عند دخولها الدماغ عند طريق المشاهدة أو السمع ، فعندنا : البصر : العين ، الفؤاد ، الفكر ، العقل و لكل منهم دوره المحدد ، فالعين تنقل الصورة أو الأذن إلى الفؤاد الذي يصعق أو يفتت هذه الصورة مثل آلة التصوير التي تحرق : الفلاش . ثم تقدمها للفكر و على فكرة الله تعالى بيّن لنا ذلك { و أصبح فؤاد أم موسى فارغا ..} بمعنى كادت تبدي لفرعون إبنها ما عادت ترى شيء كل شيء أصبح مظلم ترى بالعين و ليس بالقلب و نحن مرات نقول

  • نورالدين الجزائري

    الله تعالى قال { تعمى القلوب التي في الصدور } هنا يجب علينا فهم ما معنى الصدور ؟ و هي الجهة الأمامية العليّا للإنسان من الرأس إلى القفص الصدري و العرب تقول : صدر الجيش و مصدر الكتاب و صدوا { يومئذ يصدر الناس } 6 الزلزلة . و القلب هو ما يوجد في قالب الإنسان من الجهة الأمامية ، لنا دليل آخر في الحديث النبوي : إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله . إنتبهوا ! قال : مضغة و قابلها بــ : الجسد و لم يقل في النفس ، و معلوم أن النفس هي : الجسد زائد الروح أما الجسد هو فقط الجسم حيا و جثة إذا مات . كذلك

  • نورالدين الجزائري

    الله خالق كل شيء !!!
    الأمر الذي إلتبس عليّ من المقال هل يوجد ترادف في معاني كلمات القرآن إلى حد ما أم لا ؟ بمعنى هل العقل هو القلب و الفؤاد هو الفكر...؟ هناك طريقة في كشف معنى مفردات القرآن بجمع كل الآيات التي ذكرت فيها ـ هذه الكلمة ـ لتقدم لنا مفهوما وجيزا و واضحا. الله تعالى ذكر الفقه و العلم و بجمع كلماتها نكتشف : الفقه درجة أكبر من العلم و هو : شدة الفقه الإدراك و الفهم . القلب مفهومه عندنا فيه إشكالية كبيرة جدا ، فالغالبية منا يعتقد أنه المضغة الموجودة في صدر الإنسان التي تدفع الدم للأعضاء

  • بدون اسم

    سبحان الله العظيم وبحمده قال عليه الصلاة والسلام ان الانسان بأصغريه قلبه ولسانه واذا نطق وأشار الى نفسه فانه يشير الى قلبه ولا يشير الى عقله أو مخه