الخصائص المميزة للمعرفة في المنظور الإسلامي
من المسلّم به أن جميع الأمم والمجتمعات تقدر المعرفة وتقدر العلم الذي لا تنهض حياة من دونه ولا تنمو حضارة بغيره؛ لكن المعرفة في المنظور الإسلامي متميزة بخصائص ذاتية سواء في مرجعيتها أو في وظيفتها؛ وهذه الخصائص أفرزتها فلسفة العلوم في الإسلام التي هي ثمرة عقيدة “التوحيد والوحدة” فالله سبحانه واحد والكون واحد والإنسان واحد والدين واحد؛ فهو لم يرد في القرآن الكريم إلا بصيغة المفرد “الدين”.
هذه العقيدة تقوم على الإيمان بأن هناك عالمين؛ عالما حسيا ظاهرا زودنا الله سبحانه بوسائل إدراكه وهي الحواس والعقل، وعالما غيبيا زودنا بوسائل إدراك باطنية بها نهتدي إليه؛ والإنسان المعاصر ينكر هذا المصدر الثاني للمعرفة مما جعله حبيس أحد شطري الحقيقة ألا وهو شطرها المادي الظاهري “يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون”.
هذا الإنسان العصري ورث هذه الفلسفة المهزوزة في مجال المعرفة عن الحضارات القديمة التي ظلت – على تعدد مدارسها وتطورها عبر الزمن- تنحصر كلها في مدرستين كبيرتين: مدرسة حسية بحتة تؤمن بالحواس وحدها، ومدرسة عقلية ترى أفضلية العقل على الحواس؛ فما يدركه العقل يؤمن به ويُسلّم بوجوده وما لا يستطيع إدراكه يرفضه؛ وهكذا يتضح أن الذي يميز قيمة المعرفة بين الفكر الإنسان الوضعي وما جاء به الوحي هو أن كلا من الحسيين والعقليين اختزلوا الإنسان وقزموا قيمته الجوهرية حينما حصروا مصادر معرفته في حواسه وعقله، ووضعوا لأنفسهم قاعدة خاطئة ترى أن “عدم العلم هو علم بالعدم” وهذا خطأ لأن عدم علمنا بوجود الشيء ليس بالضرورة علما بعدم وجوده.
المعرفة من منظور إسلامي تقول إن الإنسان أكبر من العقل وأكبر من الحواس لأن له من وسائل إدراكه الحقيقة وتحصيل العلم ماهو أكثر يقينية في دلالته من الحواس ومن العقل؛ قال تعالى “والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة”؛ إن السمع والأبصار من الحواس ومن وسائل الإدراك التي نجدها عند علماء المناهج ومنظري المعرفة الإنسانية والمؤرخين لها؛ لكن الأفئدة لا نجد لها أثرا عندهم لا قديما ولا حديثا؛ وفي آية أخرى يقول تعالى “ولا تقف ماليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا”.
إن القرآن الكريم يصف القلب أحيانا بالعقل ويصفه أحيانا بالفقه؛ والفقه – كما نعلم جميعا – هو مرتبة أعلى من عقل الأمر والعلم به؛ فقد وصف القرآن المشركين بقوله: “لهم قلوب لا يعقلون بها” ويقول: “إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور” فالقلب في القرآن يوصف بالعقل وبالفقه وبالعمى؛ وإذن فالقلب وسيلة من وسائل الإدراك الباطنية مكمّل للحواس والعقل؛ ومن هنا كانت الخاصية الأساسية لقيمة المعرفة في الإسلام أنها ليست ثمرة العقل وحده؛ ثم إن “العقل” كمصدر، لم يرد في القرآن الكريم وإنما ورد الفعل “يعقلون”؛ لأن القرآن لا يقرّ بوجود جوهر مستقل بذاته هو مصدر المعرفة نسميه “العقل” له مكان في جسم الإنسان كغيره من العناصر الأخرى فمصادر المعرفة في المنظور الإسلامي هي الحواس والعقل والفؤاد، لذلك كانت هناك ثلاثة مجالات للمعرفة، أولها العلم بالله سبحانه “فاعلم أنه لا إله إلا الله” وهذا معناه إدراك أصل الخلق والعلة من الوجود ورسالة الإنسان على الأرض ومصيره بعد الموت؛ وثانيها هو العلم بشريعته سبحانه حتى ينهض بتلك الرسالة كما يحب خالقه ويرضى وحتى يضمن الاستقامة كما أمر. وثالها العلم بالكون والطبيعة سواء كان هذا العلم تجريبيا طبيعيا أو إنسانيا.
إن التوحيد هو أصل كل الأصول في الإسلام ومع ذلك فإن أول ما طلبه الوحي من الإنسان هو “القراءة” لأن العقيدة نفسها لا تقوم إلا على العلم؛ فالمعرفة في الإسلام هي قمّة الإيجابية والجهل هو قمة السلبية؛ مع الإشارة هنا إلى أن الإسلام يفرّق بشكل واضح بين العلم والمعرفة؛ فالعلم هو الإدراك المباشر الكلي اليقيني وهذا لا يكون إلا لله سبحانه، فهو وحده العلاّم العليم والعالم، أما بالنسبة للإنسان فالعلم يكون نسبيا ومقيّدا لا مطلقا ولا يكون إلا بواسطة، فلا يقال في الإسلام “علمتُ الله” بل يقال: عرفتٌ الله سبحانه لأن هذه المعرفة تكون بواسطة؛ أي بالنظر في ملكوته وبديع صنع وخلقه، بمعنى أن الإنسان كلما ازداد معرفة بسنن الله كلما ازداد خشية له، ومن هنا كانت علاقة العلم بالخشية “فاتقوا الله ويعلمكم الله”.
هذه السببية أو الواسطة المعرفية هي إحدى خصائص قيمة المعرفة في الإسلام لأنها تتصل بالإيمان من جهة وتتصل بمسؤولية الإنسان في عمارة الأرض وهي العلة من وجوده وإدراك علاقته بخالقه؛ ومن هنا تميزت علاقة الإنسان بالكون والطبيعة في المنظور الإسلامي؛ فالطبيعة في هذا المنظور ليست محيطا ماديا عدوانيا للإنسان بل هي مختبر لمعرفته ومحراب لعبادته، فهو يسعى دائما للكشف عن قوانينها الثابتة لأنها من سنن الله التي لا تتبدل ولا تتحول، كل ذلك من أجل التحكم فيها وحسن استغلالها باعتبارها مسخّرة له؛ فهناك إذن حميمية وألفة وتكامل ومودة بين الإنسان والطبيعة، وليس في الإسلام “قهر” الإنسان للطبيعة أو “قهر” الطبيعة للإنسان، كما أنه ليس في الإسلام “غزو” للفضاء بل هناك فتح وارتياد واكتشاف وتوظيف..