“الخضر” يدفعون غاليا ثمن “دفع” غوركوف إلى الرحيل
قضت الهزيمة التي تلقاها المنتخب الوطني الأول لكرة القدم على حظوظه في التأهل إلى مونديال روسيا 2018، بعد أن وضع نفسه رهينة حسابات معقدة، حيث أصبح مصيره بأيدي المنتخبات الأخرى ومطالبا بالفوز بجميع المباريات الأربع المتبقية في مشوار التصفيات، منها مباراتان قويتان خارج قواعده أمام زامبيا والكاميرون، وانتظار خدمة من منافسيه الآخرين.
السقوط المدوّي للمنتخب “المونديالي” أمام نيجيريا وابتعاد حلم المونديال، لم يكن سوى نتاج السياسة “الرعناء” التي ينتهجها رئيس الاتحاد الجزائري لكرة القدم محمد روراوة منذ مدة طويلة، حيث غاب الاستقرار عن العارضة الفنية لـ”الخضر” في السنتين الأخيرتين، وبالضبط منذ رحيل البوسني وحيد خاليلوزيتش بعد مونديال البرازيل 2014، وهنا يجب الإشارة إلى أن الأخير تم دفعه إلى الرحيل دفعا من طرف رئيس الفاف ومحيطه، بعد أن انتفض البوسني في وجه رئيس الفاف الذي حاول فرض منطقه عليه والتدخل في صلاحياته، وهو نفس الأمر الذي حدث مع المدرب الفرنسي الأسبق كريستيان غوركوف، الذي غادر العارضة الفنية للمنتخب الوطني مرغما، بعد أن عانى أيضا من بطش رئيس الفاف وسطوته، بينما حاول روراوة تشويه صورة الفرنسي لدى العام وإيهامه بأنه افتعل المشاكل للرحيل عن منصبه.
وبالعودة إلى الوراء، كان رئيس الفاف يروج للقيام بمشروع كبير مع غوركوف قصد تطوير طريقة لعب المنتخب الوطني، بل وقام بتقسيم المديرية الفنية إلى قسمين، حيث منح مهمة متابعة المنتخبات الوطنية للفرنسي، بينما اكتفى المدير الفني توفيق قريشي بمهمة تكوين المدربين، وبالفعل بدأ غوركوف في وضع اللبنات الأولى لمشروعه الرياضي “الكبير” من خلال الاجتماع بمدربي البطولة الوطنية، وبرمجة لقاءات مع الفاعلين في ميدان كرة القدم امتدت حتى لطلاب الجامعات، ووقتها تحدثت الفاف عن أن غوركوف بصدد وضع طريقة لعب واحدة لكل المنتخبات، مستلهما “روح طريقة لعب نادي برشلونة الإسباني”، فضلا عن متابعة الفئات الشابة لتدعيم المنتخب الأول بأبرز العناصر، من خلال الخرجات الميدانية والتنسيق بين مدربي هذه الفئات، قبل أن يصطدم “أستاذ الرياضيات” بالواقع المرير والأليم، حيث شاهد مشروعه يسقط في الماء، بعد أن وضعت العديد من العراقيل أمامه لتجسيد ما كان يصبو إليه، ووجد نفسه في قلب صراع مع رئيس الفاف الذي لم يتورع عن التدخل في صلاحياته مثلما كان يفعل مع المدربين السابقين، كما وجد نفسه أيضا في صراع مع المحيط المتعفن للفاف والمديرية الفنية الوطنية من جهة، وراح ضحية مؤامرة حيكت ضده في الخفاء من أطراف فاعلة في الاتحادية بـ”مباركة” من روراوة نفسه، حيث ظل في موقف المتفرج على ما يحدث من مهازل من دون أن يحرك ساكنا، بينما تمسك بمديره الفني توفيق قريشي رغم أنه مقتنع تماما بأنه لم يوفق في مهمته، حيث غابت المنتخبات الشابة عن المحافل القارية والدولية ولم تقدم أي لاعب للمنتخب الأول، بينما كان بلوغ منتخب أقل من 23 سنة نهائي “الكان” في السنغال وأولمبياد ريو استثناء لأن الفضل يعود إلى التقني السويسري بيار أندري شورمان، الذي غادر هو الآخر من الباب الضيق، بعد أن عانى طويلا من العراقيل التي وضعتها أمامه المديرية الفنية، التي تحولت إلى مطبعة لـ”نسخ” شهادات افتراضية للمدربين والتقنيين من دون أن يخضع ذلك لمعايير تقنية واضحة ومضبوطة.
لا هوية ولا مشروع ولا نظام لعب واضح
وجاءت مباراتا غينيا والسنغال الوديتان اللتان كانتا القطرة التي أفاضت الكأس، بعد أن وجد غوركوف نفسه في مواجهة جماهير ملعب 5 جويلية الأولمبي التي رفع قطاع واسع منها مطلب “غوركوف…ارحل”، وفهم الفرنسي جيدا أن هذا المطلب غير اعتباطي، ولا ينم أبدا من رغبة الجماهير في رحيله، وفهم أيضا أن الأمر لا يعدو أن يكون سوى مؤامرة نسجت بإحكام ضده لإجباره على الرحيل، وكانت أولى بوادر “القطيعة”، ما حدث في مباراة ليزوتو في سبتمبر من العام 2015، بعد أن قلب “الخضر” تأخرهم بهدف إلى فوز بثلاثية، ووقتها تعالت بعض الأصوات للمطالبة بالتغيير، من دون أي سبب وجيه وهو الأمر الذي كانت “الشروق” السبّاقة للكشف عنه مباشرة بعد اللقاء، ورغم محاولة الفاف التهوين مما حدث، إلا أن مباراتي غينيا والسنغال أثبتتا العكس، وبلغ الحد بالمدرب الفرنسي “الهادئ” لتفجير غضبه خلال الندوة الصحفية التي أعقبت لقاء السنغال، حيث لوّح بالرحيل، مانحا روراوة الحجة التي كان يبحث عنها، واستغل رئيس الفاف هذه الخرجة الإعلامية جيدا، حيث وعوض الدفاع عن مدربه أو محاولة احتواء الأزمة، اختار بلاطو القناة الإذاعية الثالثة التي يلجأ إليها دائما “وقت الشدة” لتفسير ما يحدث داخل المنتخب، وانتقد وقتها تصريحات غوركوف مؤكدا بأنه لن يعارض رحيله في حال قرر ذلك، وتلك كانت “القشة التي قصمت ظهر البعير”.
وبعد أن اقتنع غوركوف تماما بأنه غير مرغوب فيه، سواء لمواصلة قيادة المنتخب أو تجسيد مشروعه على مستوى المديرية الفنية، أصبح يكتفي بالحضور “الظرفي” إلى الجزائر فقط لأجل الإشراف على تربصات المنتخبين الأول والمحلي والمغادرة إلى فرنسا مباشرة، كما بعث بالكثير من الرسائل المشفرة لرئيس الفاف والمديرية الفنية خلال تواجده في فرنسا وكندا لإلقاء محاضرات على طلاب الجامعات، وكانت أبرزها متعلقة بالتكوين في الجزائر، حيث قال: “أنا مستعد للمساعدة في أي مجال ولكن بشرط أن يطلبوا مني ذلك”، فضلا عن قوله إنه “يشتاق للتدريبات اليومية والعمل مع الأندية”.
“لعنة” غوركوف وراييفاتش
وكانت تلك التصريحات بمثابة حجة أخرى وظفها رئيس الفاف لمواصلة مخطط الإطاحة بالمدرب الفرنسي، الذي استسلم للأمر الواقع بعد مباراتي إثيوبيا في نهاية شهر مارس الماضي، حيث لم يدم لقاؤه مع رئيس الفاف لترسيم قرار الرحيل سوى دقائق معدودة، وسط معارضة شديدة من “كوادر” المنتخب الذين ناشدوا رئيس الفاف التوصل إلى حل مع غوركوف يقضي ببقاء الأخير مدربا لكنه ضرب طلبهم عرض الحائط، ليدخل بعدها “الخضر” في دوامة من المشاكل، فبعد ترسيم التأهل إلى كأس أمم إفريقيا 2017 بالغابون عقب الفوز على السيشل في فيكتوريا، ارتكب رئيس الفاف خطأ تقديريا فادحا بانتداب مدرب “بطال” لا يحسن التواصل مع اللاعبين وهو الصربي ميلوفان رايفاتش، لتصيب “اللعنة” “المنتخب المونديالي” بعد أن اتضح للعيان افتقاده طريقة لعبه المعتادة بعد التعادل المخيب أمام الكاميرون في الجولة الأولى من التصفيات المونديالية، وهنا استسلم رئيس الفاف لإرادة اللاعبين ودفع مدربه الصربي للرحيل، وعوضه بالبلجيكي جورج ليكنس الذي أثار قرار تعيينه مدربا لـ”الخضر” جدلا واسعا، قبل أن تتواصل المعاناة بالسقوط أمام نيجيريا أول أمس معلنة بداية “كابوس” جديدا قبيل أسابيع من موعد مهم وهو نهائيات كأس أمم إفريقيا 2017 بالغابون.